منذ أن أُعلن عن انطلاق رؤية المملكة 2030 منذ عشر سنوات، والمملكة تعيش في حالة من «الانتعاش التقني» وذلك في الجانبين المعرفي والتطبيقي في كافة القطاعات الحكومية والخاصة، إذ حققت خلال السنوات الأخيرة قفزات نوعية في مجالات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية التقنية في ظل تسارع مشاريع التحول الرقمي ضمن رؤية المملكة، ولا بدَ أن ذلك التسارع يعزى إلى سبب بسيط، ألا وهو التبني الواضح والقوي لاستراتيجيات التحول الرقمي التي ستنقل المملكة ومجتمعها نحو مرتبة متقدمة ضمن مجموعة الدول والمجتمعات الرقمية الحديثة المتطورة. ولذا، برز مفهوم ما يعرف ب»الذكاء الاصطناعي» وهو مرتبط بتعلم وذكاء الآلة وتدفق البيانات الضخمة وتبادل المعلومات من خلال البرمجيات والخوارزميات في الشبكات الذكية وهي أنظمة متطورة تستخدم تقنيات قادرة على إنشاء «محتويات» جديدة (بما في ذلك الرموز والصور والنصوص والأصوات ومقاطع الفيديو والأكواد المبرمجة وجمع البيانات) واستخدامها للتوصية والتنبؤ أو اتخاذ القرار بمستويات متفاوتة من التحكم الذاتي، واختيار أفضل إجراء لتحقيق أهداف محددة يمكن الوصول إليها والحصول عليها. لقد أصبح الذكاء الاصطناعي بمثابة العلامة الفارقة، والسمة السائدة لعصرنا الحاضر بل والطابع الذي يهيمن على الكثير من أساليب وأنماط حياتنا المعيشية وأنشطتنا اليومية. إذن، ما هو الذكاء الاصطناعي وكيف يعمل على تمكين وتسخير الآلة من تمثيل القدرات المحاكية لقدرات الإنسان مثل اتخاذ القرارات المستقلة وحل المعضلات الشائكة من خلال استيعاب كميات هائلة من البيانات والتعرف على النبرات والأنماط والإشارات والاتجاهات الفورية، وحل المشكلات الطارئة بشكل استباقي، والتنبؤ بالأوضاع والحالات والحوادث المستقبلية، كما وأنها تفكر وتتفاعل كالإنسان وتُمارس عمليات معقدةً مشابهةً لما لدى البشر مثل: السماع، وتفسير السياق، ومعرفة الخطأ من الصواب. لذا يمكن أن يُعرّف الذكاء الاصطناعي بأنه المستوى الذي تتعلم فيه الآلة وتُمارس أدوارًا يمارسها الإنسان دون تدخُّل مباشرٍ منه بوجود مُعطيات مسبقة أو بدونها. لذا، فإن الذكاء الاصطناعي مستمر في التأثير على جميع جوانب حياتنا، ولذلك، لا بد من تعلمه واستيعابه وممارسته والتعامل معه لدرجة تمكننا من تبنيه وتطويره وتطبيقه والاستفادة منه على نحو أفضل وبأسلوبٍ أمثل. ولعل إحدى أقوى العبارات التي تعَرّف مفهوم الذكاء الاصطناعي هي: «أنّه الحالة التي تستطيع فيها الآلة التفكير والتصرُّف بعقلانية مضاهية ومحاكية لعقلانية البشر.» إذن، نحن أمام منعطف معرفي وهو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارًا تقنيًا ثانويًا بل أضحى ركيزة معلوماتية صلبة ومنظومة متسقة متكاملة تمكن من تحقيق التوازن بين التقدم التقني والكفاءة العلمية والتطور المجتمعي. لذلك لم يكن صدور قرار تأسيس "الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)" بأمر ملكي كريم عام 1440ه لتكون المرجع الوطني الرسمي لتنظيم وتطوير قطاع البيانات والذكاء الاصطناعي في المملكة قرارًا مفاجئًا في الوسط التقني ولدى الشركات وقطاعات الأعمال، إنما جاء تتويجًا واستكمالا لمسيرة تحقيق رؤية 2030 بغية قيادة التحول نحو اقتصاد رقمي قائم على البيانات ونقلها وتبادلها وأمنها وسريتها والتعامل معها والحفاظ عليها. ويمثل الذكاء الاصطناعي في وقتنا الحاضر أهم محطات التطور العلمي في تاريخ البشرية، بل يمكن القول بأنه امتداد طبيعي لمسيرة العقل البشري الذي سعى على مدى قرون عديدة إلى ابتكار أدوات تساعده على فهم الحياة وصياغتها وتسهيل مجرياتها وإعادة ترتيبها وتيسير التعامل معها. إن الذكاء الاصطناعي لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة تطور العقل البشري الذي كانت حصيلته تراكم معرفي ومراس تقني بدأ مع علوم الرياضيات والبرمجة والمنطق، وصولا إلى الشبكات العصبية العميقة والحوسبة السحابية الواسعة. مرآة للعقل البشري إن الذكاء الاصطناعي اليوم هو مرآة للعقل البشري الذي نرى فيه تمكين قدراتنا على الإبداع والابتكار وإدارة مصادر إمدادات الطاقة بكفاءة عالية تضمن تحسين الموثوقية وتحقيق الاستدامة وتخفيض التكاليف. ولعل من أهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة يبرز في إدارة الشبكات الذكية (Smart Grids) التي تعتمد على التحليلات المتقدمة لضبط تدفقات الطاقة في الوقت الفعلي، بما يضمن أمن الطاقة واستقرار الشبكات وتقليل الفاقد وموثوقية الأداء مما يجعلها حجر الزاوية في مستقبل الطاقة العالمي، كما أن دور الذكاء الاصطناعي يمتد إلى تحسين كفاءة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وإدارة المخاطر السيبرانية التي تهدد البنية التحتية الحيوي، كما لا يمكن تجاهل العلاقة الوثيقة بين الذكاء الاصطناعي والاستدامة البيئية، حيث تساهم الخوارزميات الذكية في تحسين إدارة الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ودمجها مع الشبكات التقليدية من خلال التنبؤ بالتقلبات المناخية وضبط آليات التخزين والاستخدام الأمثل. ولم يعد التحول الرقمي خيارًا تكميليًا في قطاع الطاقة فحسب، بل أضحى عنصرًا محوريًا لإعادة صياغة إنتاج الطاقة وتوزيعها وإدارتها والحفاظ عليها، وهذا التحول يعكس توجهًا عالميًا نحو تعزيز ما للكفاءة التشغيلية وتحقيق الاستدامة البيئية والاقتصادية في ظل التحديات التي تواجه قطاع الطاقة مثل ارتفاع الطلب وتقلبات الأسعار والتحكم في الانبعاثات الكربونية وهو ما يتوافق مع مستهدفات رفع مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي في مجالات الذكاء الاصطناعي ولكن ليس للتبعية والتقليد في هذا المجال، ويؤكد هذا التوجه التزام المملكة بتسخير تقنية الذكاء الاصطناعي كقوة موجهة للنمو والابتكار مرتكزة على أسس الحوكمة المسؤولة والتطلعات الوطنية. ويتماهى مع هذه الرؤية تبنى المملكة نهجًا تدريجيًا في مجال الذكاء الاصطناعي يرتكز على طموحات المملكة في بناء بنية تحتية سيادية، وتنويع اقتصادي في مرحلة ما بعد الاعتماد على النفط، والاستفادة من ميزة الطاقة الفريدة التي تتيح نشر الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع مع التركيز على تعزيز النمو الاقتصادي ورفع جودة الحياة من خلال توظيف الحلول التقنية الحديثة المتقدمة. ولعل أبرز المشاريع التي تبنت المملكة إنشاءها وبناءها وتطويرها لهو مشروع «هيوماين»، المدعوم من صندوق الاستثمارات العامة حيث يمثل هذا المشروع أحد مكونات رؤية 2030 والذي يهدف إلى تحويل المملكة إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة كما يشمل تطوير مدن ذكية تعتمد على مصادر الطاقة المتجددة مثل الشمس والرياح، مع التركيز على تعزيز النمو الاقتصادي ورفع جودة الحياة من خلال توظيف الحلول التقنية الحديثة المتقدمة. كذلك خصّصت المملكة أكثر من 600 مليار دولار للاستثمارات في قطاع الذكاء الاصطناعي بغية تطوير بنية تحتية متقدمة لهذا القطاع، ودعم الشركات الناشئة المتخصصة، إضافة إلى الشراكات العالمية واستقطاب الكفاءات والخبرات المتميزة من مختلف أنحاء العالم لتعزيز منظومة الابتكار والريادة التقنية في المملكة والبنى التحتية للشرائح، والمنصات السحابية؛ ويُعد إطلاق هذا المشروع دليلًا واضحًا على طموح المملكة للسبق والريادة في هذا المجال الحيوي. لذا، تُولي المملكة اعتبارًا كبيرًا وأهمية قصوى للاستثمار في كوادرها البشرية، فمن دعم الأبحاث والتعليم الجامعي، إلى توفير حاضنات للمشاريع الناشئة ورؤوس الأموال، كما تعمل المملكة على بناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي وبخاصة في مجالات الطاقة ومنها الطاقات المتجددة، بحيث لا يقتصر الهدف على ابتكار منتجات جديدة فحسب، بل يشمل أيضًا رعاية جيل من المبتكرين والباحثين السعوديين القادرين على استدامة اقتصاد الذكاء الاصطناعي وتطويره وتوطينه. لذا، يجب أن تعطى الأولوية لإعداد الكوادر الوطنية من خلال توظيف أصحاب المهارات في مجال الذكاء الاصطناعي وتنمية هذه المهارات على نطاق واسع من خلال التعليم والتدريب والمراس المستمر الأمر الذي سيساعد المملكة في نهاية المطاف على دعم قدراتها نحو بناء شراكات قوية محلية وعالمية تجمع بين الطموح المحلي والخبرات العالمية لبناء اقتصاد قوي ومستقبل واعد بفضل الذكاء الاصطناعي، كما أدرجت الجامعات السعودية تخصص الذكاء الاصطناعي ضمن خططها الدراسية وبرامجها الأكاديمية لمرحلتيْ البكالوريوس والدراسات العليا تماشيًا مع رؤية المملكة 2030، بهدف إعداد كوادر وطنية قادرة على قيادة التحول الرقمي وتعزيز التنمية المستدامة. التحولات التقنية وفي سياق الاقتصاد العالمي الجديد وفي عالم يشهد تسارعًا غير مسبوق في التحولات التقنية لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مساندة لقطاعات الاقتصاد فحسب بل أصبح بنية تحتية معرفية متينة تقوم عليها نماذج اقتصادية جديدة قائمة على البيانات الضخمة والتحليل المتقدم. فالدول التي تقود اليوم سباق الذكاء الاصطناعي لا تتنافس حول امتلاك التقنية فحسب بل حول قدرتها على بناء منظومات متكاملة تشمل التعليم والبحث العلمي والحوكمة الرقمية والبنية التنظيمية التي تخلق بيئات حاضنة للتقنيات المتقدمة القادرة على تحفيز الابتكار. ولقد جاء إعلان مجلس الوزراء الموقر رقم (720) وتاريخ 21 /9 /1447ه القاضي بتسمية عام (2026م) ب(عام الذكاء الاصطناعي) يمكن اعتباره ترميزًا وتتويجًا وتوثيقًا لمرحلة جديدة في مسار التحول المعرفي والتقني الذي تشهده المملكة إذ يعكس توجهًا إستراتيجيًا يؤكد أن المملكة لا تنظر إلى التقنية بوصفها أداة تحديث فحسب بل كرافعة أساسية لإعادة هندسة الاقتصاد الوطني وتعزيز حضورها وقدرتها التنافسية عالميًا في الاقتصاد الرقمي الأمر الذي يمهد انتقالها من مرحلة تبني التقنيات الحديثة إلى مرحلة توطينها وتوظيفها في بناء اقتصاد معرفي متقدم. إنَّ لهذا الإعلان دلالات استراتيجية عميقة في مسار التحول الوطني حيث إن مثل هذه القرارات لا تُقرأ بوصفها مجرد تسمية زمنية بل باعتبارها إعلانًا اقتصاديًا ومعرفيًا يشير إلى مرحلة جديدة في تطور المملكة تتجه فيه نحو بناء اقتصاد معرفي يرسخ مكانتها ضمن الاقتصادات الرقمية الصاعدة عبر الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وتقنياته وكركيزة أساسية في صياغة مستقبل الاقتصاد والتنمية. وفي مؤشرات الحكومة الرقمية العالمية سجلت المملكة حضورًا متقدمًا إذ كانت الأولى على مستوى المنطقة والثانية بين دول مجموعة العشرين واقتربت من خلال تحقيق مستهدف الرؤية بالوصول إلى المرتبة الخامسة عالميا. وفي ذات السياق، نوَّه مختصون على أن إعلان 2026 عامًا للذكاء الاصطناعي يمثل خطوة استراتيجية تعكس توجه المملكة نحو تسريع التحول نحو اقتصاد يعتمد على المعرفة والابتكار ويفتح آفاقًا واسعة لتطوير القطاعات الحيوية مثل الطاقة والصحة والتعليم والخدمات الحكومية والمدن الذكية. ذكر المهندس أحمد طاهر العوامي أحد قادة التحول الرقمي والتقنيات الرقمية في شركة الطاقة السعودية: «إن ما تحقق في الاقتصاد الرقمي والبنية التقنية خلال السنوات الأخيرة يمثل قاعدة صلبة لانطلاقة أكبر في مجال الذكاء الاصطناعي»، مشيراً إلى أن المملكة تمتلك اليوم بنى تحتية رقمية متقدمة وكفاءات وطنية مؤهلة، مما يؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا لتطوير وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في المنطقة، مؤكدًا أن هذه المؤشرات تعكس نجاح رؤية المملكة 2030 في تحقيق تحول رقمي شامل يعزز من تنافسية الاقتصاد الوطني ويفتح آفاقاً جديدة للابتكار والاستثمار في التقنيات المستقبلية. وفي هذا الإطار، يمثل الذكاء الاصطناعي أحد أهم المُمَكّنات التي تربط بين التحول الاقتصادي والتقدم التقني لما يوفره من أدوات قادرة على تعزيز الإنتاجية وتحسين كفاءة الإنفاق والارتقاء بجودة الخدمات في القطاعين العام والخاص. ومن زاوية اقتصادية أوسع، يعكس هذا القرار وعيًا عميقًا وفهمًا متقدماً بأن مركز الثقل في الاقتصاد العالمي يتحول تدريجيًا نحو اقتصاد البيانات التي أصبحت الثروة الاقتصادية الأهم في العصر الرقمي، فكما كان النفط في القرن العشرين وقودًا محركا للقطاع الصناعي والاقتصادي فإن البيانات أضحت اليوم وقودًا محركا للتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. لذا، ستمضي المملكة بقفزات واسعة وخطوات حثيثة نحو تعزيز مركزها وترسيخ مكانتها بوصفها مرجعًا دوليًا للبيانات والذكاء الاصطناعي ضمن رؤية المملكة 2030 التي انطلقت برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبدعم واهتمام مباشر من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس إدارة الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي "سدايا" -حفظهما الله-، الذي جعل الابتكار والتقنيات المتقدمة من ركائز التحول الوطني وتعزيز تنافسية المملكة عالميًا مما يجعله أحد أبرز محركات النمو الاقتصادي والتقني في العقود المقبلة بمشيئة الله. * جامعة الملك سعود