من الظواهر الدقيقة التي توقف عندها العلماء طويلًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم مع كونه المتلقي الأول للوحي لم يكن دائمًا يُدرك مغزى النص القرآني الكامل من اللحظة الأولى، بل كان يقف عند ظاهره أحيانًا، منتظرًا البيان الإلهي اللاحق. وهذه الظاهرة في ذاتها تنقض فكرة أن القرآن نتاج فكر النبي أو انعكاس وعيه الباطني. فالقرآن لم يُنزل ليكون تابعًا لفهم الرسول، بل كان فهم الرسول تابعًا له. ولذلك نجد في السيرة مواقف يتوقف فيها النبي صلى الله عليه وسلم عن الحكم، أو يتردد في توجيه عملي، حتى يأتيه البيان الإلهي، إما بآية مفسِّرة، أو بوحي شارح، أو بتقييد لحكم مطلق. وهذا التوقف ليس نقصًا في مقام النبوة، بل هو عين الكمال في مقام التلقي. ولو كان القرآن صادرًا من ذات النبي صلى الله عليه وسلم، لكان فهمه ملازمًا لإنشائه، إذ لا يتصور أن يغيب عن الإنسان مراد نفسه. أما أن يتلو نصًا، ثم ينتظر بعد ذلك توضيحه، فهذا دليل على أن النص مفارق لذهن المتلقي، مستقل عنه في المصدر والمعنى. ويُبرز هذا التوقف الذي كان يقع غالبًا في المواطن التشريعية الدقيقة، حيث تتداخل المصالح والمفاسد، ويحتاج الحكم إلى ضبط إلهي محكم، لا إلى اجتهاد بشري محض. فالوحي هنا لا يكتفي بإلقاء النص، بل يتولى تربية الفهم النبوي نفسه، خطوة خطوة. كما تكشف هذه الظاهرة عن طبيعة الوحي بوصفه خطابًا متدرجًا، لا يُلقي الحقيقة دفعة واحدة، بل يبنيها في الوعي الإنساني بناءً تربويًا، حتى في وعي النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا يرسخ فكرة أن القرآن ليس مجرد رسالة، بل مشروع هداية متكامل. وذلك يصبح توقف الرسول صلى الله عليه وسلم عن الفهم الكامل للنص دليلًا إضافيًا على أن القرآن ليس من عنده، بل هو وحي يُنزَّل، ويُفهم، ويُبيَّن، بإرادة إلهية مستقلة.