القرآن في حقيقته ليس مجرد كلام ديني أو نص وعظي، بل هو -كما يقرره العلماء- كلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، المتعبد بتلاوته، المتحدى بأقصر سورة منه، المنقول إلينا نقلًا متواترًا يقينيًا. وهذا التعريف لا يضع القرآن في دائرة النصوص الدينية العامة، بل يرفعه إلى مرتبة فريدة لا يشاركه فيها أي نوع آخر من الكلام، مهما علا شأنه. ويظهر الفرق الجوهري بين القرآن والحديث القدسي والنبوي عند النظر في المصدر والصياغة والوظيفة. فالقرآن من الله لفظًا ومعنى، أما الحديث القدسي فمعناه من الله، لكن لفظه من النبي صلى الله عليه وسلم، يُعبِّر به عن المعنى الإلهي بأسلوبه البشري، ولذلك لا يُتعبد بتلاوته، ولا يُتحدى به، ولا تجري عليه أحكام الإعجاز القرآني. أما الحديث النبوي، فمصدره الوحي بمعناه العام، لكنه اجتهاد تعبيري وتشريعي من الرسول صلى الله عليه وسلم، داخل في دائرة البيان والشرح والتطبيق. ويؤكد هذا التمييز أن القرآن ليس نتاج تجربة روحية، ولا ثمرة تأمل ذاتي، بل خطاب إلهي مستقل، له شخصيته المتفردة ونظامه الخاص. فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يتلقى القرآن تلقيًا، لا إنشاءً، ويبلغه كما هو، دون أن يملك تعديله أو إعادة صياغته، بل كان ينتظر الوحي في أدق التفاصيل، ويقف عند حدوده. ومن هنا، نفهم لماذا خُصّ القرآن بخصائص لم تُمنح لغيره: الحفظ الإلهي، والتعبد اللفظي، والإعجاز البياني، والخلود الزماني. فالتمييز بين القرآن وغيره ليس ترفًا اصطلاحيًا، بل هو حجر الأساس في فهم طبيعة الوحي نفسه، وفي إدراك أن الإسلام قام على نص إلهي محفوظ، لا على أقوال بشرية مهما سمت منزلتهم.