هناك في برد فبراير بالعاصمة البريطانية، وبعيدًا عن حميمية أزقة حارات جدة القديمة، ورائحة بحرها التي ملأت رئتيه، ولم تغادره حتى غادر هو الميدان الذي عشق مبكرًا وعمل فيه طيلة حياته، وفي مستشفى إنجليزي أغلق «عبدالله القبيع» عينيه، راجعًا إلى ربه، مودعًا كل أحبابه الذين محضوه الود، وأحبوا ابتسامته التي كانت تشرق في وجه كل من زامله وعمل معه في أكثر من مطبوعة، حطت فيها رحاله ما بين جدة ولندن وأبها في «المدينة والشرق الأوسط والوطن وعكاظ»، مواقع شهدت حضوره كأحد أشهر من عمل في «تنفيذ التحرير»، الموقع الذي برع فيه الزميل الراحل، ورغم أنه وصل إلى قمة هرم المسؤولية بترؤسه تحرير مجلتي «تي في» و«رؤى» المختصتين بالفضائيات والمنوعات، إلا أنه لم ينس ما أجاده كمحرر تنفيذي بارع. في العقد الأخير من حياته -رحمه الله- إثر تقاعده من العمل الصحفي، الذي احترفه في جريدة المدينة عام 1976، أعطى نفسه كلية للنشاط الرقمي، وأصبح واحدًا من أبرز المنتمين لصحافة «الزمن الجميل»، الذين واصلوا حضورهم في «السوشال ميديا».. لتبقى ابتسامته وضحكاته وروحه المرحة مذكرة بعطاءاته في ميدان الاحتراف الصحفي على مدى قرابة 5 عقود. ينتمي «القبيع» إلى الجيل نفسه الذي ينتمي أولئك الصحافيون إليه، الذين كانوا يدمنون السهر طوال الليل، الذين يغمضون أعينهم في المسافة التي تفصل بين انبلاج الصبح وانسحاب ضوء القمر، بعد أن يكونوا قد أنجزوا متابعة الطبعة الأولى لصحفهم، ويظلون يترقبون المتغيرات فيما يستجد من أخبار ومتابعات عاجلة؛ ليلحقوها بالطبعة الثانية، وربما طبعة ثالثة في بعض الظروف الطارئة.. يغفون قليلا، ثم ينهضون كالبلابل، مكتفين بسويعات من الرقاد، يغردون احتفالا بالحياة اليومية، مؤكدين أن حياة الصحافي التي تمتلك ثراءً ووقت فراغ هي شكل من أشكال الامتياز الاجتماعي، إلا أنها توفر درجة من درجات الانفصال عن الشغف بهذه المهنة، أي الضغوطات التي تتيح للصحافي أن يكون ذا همة في مجريات الواقع الصحفي.. إن أراد تعزيز موقعه في دروبه، وران نجاحًا وصعودٍا في سلمها المستحق لتحقق العبارة الشهيرة «مهنة البحث عن المتاعب» في ذاته.. وتحقيق هدفه الشخصي. هذا الهدف لم يكن شيئًا يمكن أن يحقّق له المتعة بجانب المال، حاله حال معظم من عمل في الصحافة ممن شغفوا وهاموا بها عشقًا، فأورثتهم كثيرًا من التعب جسديًا ونفسيًا. لم يكن المال للقبيع مطلبه بحدّ ذاته، بل ما يمثَّله المال؛ ليس مجرّد النجاح بنَظر العالم، بل طريقة للتّحصّن ضدّ العالم.. اقتناؤه المال يعني أكثر من المقدرة على شراء الأشياء، المال بمعنى الحماية لا المتعة، وترجم ذلك إلى حالة من التعب بعد تقاعده، إلى أن استسلم جسده للموت. كان يشمّ رائحة حبر المطابع وهو فتى يافع، حتى صارت ملابسه تتبقع بالألوان وهو في عنفوان شبابه.. استهواه الحرف فتسلل لقاعات التحرير، لاحق الأخبار وفتح ملفات التحقيق، ورسم الصفحات وتنفيذها، والصحافي الشامل عندما يغمس يده في «محبرة الصحافة» تملأ روحه ألوان الشمس والتربة، يستنشق رائحة الطّين والرمل ويتلمّس ريحان الوديان، وحين يستوي على كرسييه في مكتبه، متفحصًا المنجز في صفحات تأخذ ضوء عينيه، يبتسم، شاعرًا برضا مؤقت، أنه أسهم في صنع وإخراج وتنفيذ. وربما مر زميل أمامه منتقدًا، أغضبه شيء ما، فليس أمام عبدالله القبيع في تلك اللحظة سوى ضحكات قادرة على مزج الجدّ بالهزل، ضحكات تبدل مزاج الزميل المستاء.. وتظل أبدًا عالقة في ذاكرة الصحافة السعودية، لواحد من أشهر من عمل في مسار التنفيذ الصحفي.. واحد من أجمل من كان يبتسم، ومن قلب عامر بالصفاء والنقاء.. ليبدد عبوس متاعب المهنة.