هدايا ما قبل رمضان للعاملات المنزليات.. تقدير أم ضمان بقاء    تركي بن محمد بن فهد يدشّن المقر الميداني لمحمية الإمام عبدالعزيز بن محمد الملكية    أمير نجران يستعرض تقرير «حفظ النعمة»    نائب أمير الشرقية يكرّم الفائزين في «هاكاثون التنمية الحضرية»    المؤتمر الصحفي الحكومي يسلّط الضوء على منجزات المملكة    معرض الدفاع العالمي: بروز المملكة وجهةً عالميةً للاستثمار في الدفاع والتكنولوجيا المتقدمة    المملكة: لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة    رئيس لبنان: لم نعد قادرين على تحمل أي نزاعات    ارتفاع حصيلة ضحايا إعصار "جيزاني" إلى 59 شخصًا في مدغشقر    الشارقة يسقط أمام ناساف    رئيس اتحاد السيارات يزور متطوع تعرض لاصابة بحلبة كورنيش جدة    كونسيساو: لدينا لاعبين مميزين    الجوازات: خدمة تواصل عبر منصة "أبشر" تُمكّن المستفيدين من إنجاز المعاملات التي تعذّر تنفيذها إلكترونيًا    فرحة التأسيس    فيصل بن خالد يفتتح حملة «الصندوق الأبيض»    أمير الرياض يطّلع على جهود وإنجازات قيصرية الكتاب    أمير المدينة يطلق مشروع «على خطاه» ومعرض الهجرة    "التثقيف المجتمعي بالباحة".. إنجازات نوعية    مدير الأمن العام يتفقّد جاهزية الخطط الأمنية والمرورية لموسم عمرة 1447 ه    استعراض أعمال الحج والخطة الأمنية أمام نائب أمير مكة المكرمة    وزير الشؤون الإسلامية يدشن برامج خادم الحرمين لتوزيع المصاحف والتمور وتفطير الصائمين    مستشفى الدكتور سليمان الحبيب بالريان يُنهي معاناة ثلاثينية مع المشيمة المنغرسة للمرة الثانية مع الحفاظ على الرحم وإعادة ترميمه    "وعيك يحمي طفلك" ترسّخ الوقاية    التصلّب العصبي المتعدد يصيب 2.9 مليون شخص عالميًا... و60 حالة لكل 100 ألف في السعودية    غراب مصاب يطرق باب الطوارئ طلباً للعلاج    كسوف حلقي للشمس غير مشاهد في السعودية    تموينات خيرية تحفظ الكرامة    «الشورى» يطالب بتعزيز جودة التعليم والابتكار في الجامعات    وصفه ب«الأهم في التاريخ».. ترمب: 5 مليارات دولار تعهدات مجلس السلام لإعمار غزة    لماذا يعد شهر رمضان أكثر الشهور إنفاقًا؟    نائب أمير المكرمة يطلع على خطط موسم العمرة    «موهبة» تعلن اكتشاف 34 ألف موهوب جديد    اختتام فعاليات معرض «ريشة العلا»    نجوم في برنامج رامز ليفل الوحش    صعوبات ما بعد التقاعد    في الجولة الأخيرة بدوري أبطال آسيا للنخبة.. الاتحاد ضيفاً على السد القطري    أصداء عالمية ومحلية لأغلى سباقات الخيل العالمية.. دعم القيادة والتنظيم الرائع ساهما في النجاح الكبير ل «كأس السعودية»    أهلًا بشهر الخيرات    مدير الأمن العام يرأس اجتماع قادة قوات أمن العمرة    في ملحق دور ال 16 لدوري أبطال أوروبا.. ريال مدريد يواجه عقدة بنفيكا.. وصراع فرنسي بين موناكو وباريس    فرع للمركز التشاركي بمكة المكرمة    رغم سريان وقف إطلاق النار.. قتيل بغارة إسرائيلية جنوب لبنان    النساء في رمضان    الذكاء الاصطناعي يقترب من لونا 9    90 كفيفا بمسابقة جري    القبيع يطوي ابتسامات عبوس مهنة الصحافة    أكبر طبق مرسة بوزن 55 كجم    أعراض السعال القلبي    ثنائية نونيز تهدي الهلال الفوز على الوحدة في ختام مجموعات نخبة آسيا    3 جولات بمسمى التأسيس    أمير تبوك يترأس غداً اجتماع الإدارات الحكومية والخدمية المعنية باستعدادات شهر رمضان    أمانة عسير تطلق حملة الامتثال لتعزيز سلامة الغذاء في الأسواق الرمضانية    السعودية تدين قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي بتحويل أراضي الضفة الغربية إلى ما تسميه أملاك دولة تابعة لسلطات الاحتلال    أمير المدينة المنورة يفتتح معرض «الهجرة على خطى الرسول»    محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية تعيد توطين الأرنب العربي    التأسيس والعودة بالذاكرة    أكد تحقيق تطلعات القيادة.. راكان بن سلمان: نهتم بدعم مسيرة التنمية الشاملة    الأمير فواز بن سلطان يستقبل المهنئين بمناسبة تعيينه محافظًا للطائف    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التصلّب العصبي المتعدد يصيب 2.9 مليون شخص عالميًا... و60 حالة لكل 100 ألف في السعودية
نشر في الرياض يوم 17 - 02 - 2026

عقدت جريدة «الرياض» ندوة متخصصة حول مرض التصلّب العصبي المتعدد، ناقشت خلالها أبعاده الطبية والنفسية والاجتماعية، واستعرضت أحدث المستجدات البحثية والعلاجية عالميًا، في إطار رسالتها التوعوية ومسؤوليتها الإعلامية تجاه القضايا الصحية ذات الأثر المجتمعي.
وشهدت الندوة مشاركة نخبة من المختصين، يتقدمهم الدكتور أحمد أبو لبن استشاري العلوم العصبية والأمراض المناعية (التصلّب العصبي المتعدد)، والأستاذ عبدالله الحربي رئيس مجلس إدارة جمعية «ساعد» الخيرية لدعم مرضى التصلّب العصبي المتعدد، إلى جانب الدكتور غانم الغانم المستشار الأسري والاجتماعي، والدكتورة لمياء الإبراهيم استشارية طب الأسرة، والأستاذة أحلام بنت إبراهيم الاختصاصية النفسية في التحليل الإكلينيكي، والأستاذة دلال سالم الناشطة والمصابة بالمرض.
كما شارك في الندوة عدد من قيادات ومنسوبي «الرياض»، وهم مدير تحرير الشؤون الاقتصادية الأستاذ خالد الربيش، ومدير تحرير الشؤون المحلية الأستاذ صالح الحمّاد، والأستاذ تركي منصور، والأستاذ ناصر العماش، والأستاذة صالحة العتيبي، فيما تولّى التغطية التصويرية الأستاذ بندر بخش والأستاذ نايف الحربي.
وفي مستهل اللقاء، رحّب رئيس التحرير الأستاذ هاني وفا بالضيوف، مؤكدًا أن «ندوة الرياض» دأبت، على مدى عقود، على تناول القضايا الحيوية التي تمس مختلف مناحي الحياة، مشيرًا إلى أن طرح موضوع التصلّب العصبي المتعدد بهذا العمق يعكس أهمية معالجته من منظور علمي وإنساني متكامل. وأوضح أن المرض لا يقتصر أثره على الجانب الطبي فحسب، بل يمتد إلى أبعاده النفسية والاجتماعية، ما يستدعي تفعيل منظومة دعم شاملة تعزّز جودة حياة المصابين وتدعم أسرهم.
من جانبها، استعرضت الزميلة سارة أبرز المؤشرات والبيانات العالمية المرتبطة بالمرض، مؤكدة أهمية تكامل الجهود بين القطاع الصحي والجمعيات المتخصصة ووسائل الإعلام، بما يسهم في تصحيح المفاهيم المغلوطة، ورفع مستوى الوعي، وبناء بيئة مجتمعية أكثر فهمًا واحتواءً للمرضى.
أكثر من 100 مرض تتشابه أعراضه مع التصلب العصبي... والتشخيص وفق «معايير ماكدونالد»
مرض مناعي
وفي مستهل الندوة، أوضح د. أحمد أبو لبن أن التصلّب العصبي المتعدد يُعدّ مرضًا مناعيًا ذاتيًا ينشأ نتيجة خلل في آلية عمل الجهاز المناعي، ما يؤدي إلى مهاجمة الجهاز العصبي المركزي، الذي يشمل الدماغ والحبل الشوكي والعصب البصري.
وبيّن أن المرض يتخذ في كثير من حالاته نمط "الهجمات" المتفاوتة من حيث الشدة وطبيعة الأعراض، تبعًا لموضع الإصابة في الجهاز العصبي. وأشار إلى أن العلاجات الحديثة أسهمت، بفضل الله، في الحد من تكرار الهجمات وتقليل حدّتها، بما يعزز القدرة على السيطرة على مسار المرض. وأكد أن السبب المباشر لا يزال غير محسوم علميًا، غير أن الدراسات ترجّح تعدد العوامل المؤثرة، ومنها عوامل بيئية وبعض الالتهابات الفيروسية التي قد تُحفّز الخلل المناعي لدى الأشخاص ذوي القابلية للإصابة.
أعراض المرض
وحول تشابه أعراض التصلّب العصبي المتعدد مع أمراض أخرى، أوضح الدكتور أحمد أن أعراضه قد تتقاطع مع أكثر من مئة مرض عصبي، ما يجعل التشخيص عملية دقيقة لا تُحسم إلا عبر طبيب الأعصاب المختص، استنادًا إلى قراءة متكاملة للتاريخ المرضي، والفحص السريري، والتصوير بالرنين المغناطيسي، إضافة إلى فحوصات مساندة، في مقدمتها البزل القطني.
وأشار إلى أن التشخيص يتم وفق «معايير ماكدونالد» العالمية، التي تخضع لمراجعات وتحديثات دورية، بما يواكب التقدم العلمي. ولفت إلى التطور المتسارع في مجال الأبحاث والعلاجات، وتعدد الخيارات الدوائية التي تسهم – بإذن الله – في ضبط مسار المرض وتقليل مضاعفاته.
وفي سياق البحث عن الأسباب، أوضح أن العلاقة المحتملة بين المرض وفيروس إبشتاين–بار (EBV) حظيت باهتمام علمي واسع، مستشهدًا بدراسة أمريكية كبرى شملت نحو عشرة ملايين شخص، سُجلت بينهم قرابة ألف حالة إصابة، وأظهرت نتائجها أن وجود الفيروس يرتبط بارتفاع احتمالية الإصابة بنحو 32 ضعفًا، ما يجعله عامل خطورة رئيسيًا، مع بقاء عوامل أخرى قيد البحث والتحقق العلمي.
عدد المصابين
وفيما يتعلق بمعدلات الانتشار، أوضح د. أحمد أن عدد المصابين عالميًا يُقدّر بنحو 2.9 مليون شخص، فيما يبلغ المعدل المنشور قرابة 40 حالة لكل مئة ألف نسمة.
وأشار إلى أن النسبة ترتفع في المملكة إلى نحو 60 حالة لكل مئة ألف، أي ما يعادل قرابة 0.06٪ من السكان، مع احتمالية أن تكون النسبة الفعلية أعلى من المسجل رسميًا، نتيجة محدودية الإحصاءات الدقيقة، وتأخر تشخيص بعض الحالات، فضلًا عن أن الأعراض قد تكون خفية في مراحلها المبكرة.
وبيّن أن هذه المؤشرات تضع المرض ضمن أكثر الأمراض المناعية انتشارًا، مع الحاجة إلى تطوير أدوات الرصد الوبائي لتعكس الصورة الحقيقية لحجم الإصابة.
من الفجوة إلى التمكين
من جانبه، أعرب الأستاذ عبدالله الحربي عن شكره لصحيفة «الرياض» على دعمها، مؤكدًا أن انعقاد أول جلسة إعلامية للجمعية في عام 2026 مع شريك إعلامي بحجم الصحيفة يمثل محطة مفصلية في مسيرتها، نظرًا للدور المحوري الذي يضطلع به الإعلام في رفع مستوى الوعي وتصحيح المفاهيم المرتبطة بمرض التصلّب العصبي المتعدد.
وأوضح أن جمعية «ساعد» لم تنشأ بحثًا عن حضور إعلامي، بل جاءت استجابة لمعاناة واقعية عاشها المرضى، الذين كانوا يتنقلون بين المرافق الصحية في ظل غياب مسار خدمي واضح. ومن هنا تأسست الجمعية لسد فجوة خدمية ومعرفية بين المريض وأسرته والمجتمع، عبر تقديم دور مساند يكمل الجهد الطبي دون أن يحلّ محله.
أول جمعية متخصصة
وأشار إلى أنه رغم التطور الملحوظ في الجانب الطبي، ووجود كفاءات متخصصة أسهمت في تسريع التشخيص وتعزيز وعي المرضى، فإن الحاجة ظلت قائمة إلى جهة داعمة تُعنى بالتمكين والرعاية المساندة. وتُعد جمعية «ساعد» أول جمعية سعودية متخصصة في دعم مرضى التصلّب العصبي المتعدد، أعقبها خلال أشهر تأسيس جمعيات أخرى في عدد من مناطق المملكة.
وأكد أن الجمعية تركز على تأهيل الإنسان ورفع معنوياته وتحسين جودة حياته، دون الدخول في الجوانب العلاجية التي تبقى من اختصاص الأطباء، مؤكدًا على أن العمل يتم ضمن منظومة وطنية متكاملة قوامها الدعم النفسي والاجتماعي وصناعة أثر إيجابي يعزز قدرة المريض على التعايش.
النسبة في المملكة قد تقترب فعليًا من 1 % مع احتمالية وجود حالات غير مُشخّصة
من التوعية إلى الخدمات المتخصصة
وأوضح الحربي، أن مسار الجمعية مر بأربع دورات استراتيجية، بدأت بالتعريف بالمرض وتعزيز الوعي المجتمعي، ثم انتقلت إلى تقديم خدمات مباشرة ومتخصصة، من بينها دعم التخصص الدقيق في التصلّب العصبي المتعدد، وعقد شراكات مع مستشفيات لافتتاح عيادات متخصصة ترافق المريض في كامل رحلته العلاجية، بدءًا من فتح الملف الطبي وحتى الخطة العلاجية والعلاج الطبيعي.
ولفت إلى أن عدد الأطباء المتخصصين كان محدودًا قبل نحو عشر سنوات، إلا أن دعم وزارة الصحة لبرامج الابتعاث والتأهيل أسهم في تعزيز هذا المسار وتحسين فرص التشخيص والمتابعة. كما أطلقت الجمعية برنامجًا نوعيًا بالتعاون مع جامعة الأميرة نورة ومستشفى الملك عبدالله الجامعي، وبدعم من الهيئة السعودية للتخصصات الصحية، لرفع وعي الممارسين الصحيين بالجوانب النفسية والاجتماعية للمرض، بعد رصد حالات بين العاملين الصحيين أنفسهم تعاني من ضعف الوعي المؤسسي بطبيعته.
الدعم والتمكين
وشدد الحربي على أن التصلّب العصبي المتعدد ليس مرضًا قاتلًا، وأن المصابين به قادرون على ممارسة حياتهم الطبيعية والعمل وتكوين أسر وتولي مناصب قيادية، مؤكدًا أن المرضى بحاجة إلى الدعم والتمكين لا إلى الشفقة. ودعا إدارات القطاع الخاص إلى مراعاة أوضاع المصابين وتجنب الفصل التعسفي، مشيرًا إلى أن الجمعية نفذت حملات توعوية في الشركات والأسواق والمستشفيات، وأسهمت في إعادة عدد من المصابين إلى وظائفهم بعد تصحيح الصورة الذهنية عن المرض.
وبيّن أن ما يميز جمعية «ساعد» هو تبنيها نهج التمكين، من خلال توظيف المصابين، ودعم مشروعاتهم، وتأمين الشراكات اللازمة لتعزيز استقلالهم وتحسين جودة حياتهم، بما يحوّل التحدي الصحي إلى قصة إنتاج وقدرة.
تصنيف المرض والتشخيص
وفيما يتعلق بتصنيف المرض، أوضح أن التصلّب العصبي المتعدد لم يُصنّف رسميًا كإعاقة، وإنما أُدرج ضمن أمراض الجهاز العصبي، مشيرًا إلى أهمية إيصال رسالة تطمينية للمصابين الجدد، إذ قد يواجه بعضهم صدمة نفسية عند مراجعة عيادات تضم حالات شلل أو إعاقات شديدة، ما يولّد مخاوف قد تعيق استمرارهم في المتابعة.
المرض مناعي ذاتي يهاجم الدماغ والحبل الشوكي والعصب البصري ويأخذ نمط «الهجمات»
وأكد أن توفر أطباء متخصصين أسهم في تسريع ودقة التشخيص بعد سنوات شهدت بعض الأخطاء التشخيصية، مشددًا على أن الالتزام بالطبيب المختص والخطة العلاجية يمثل حجر الأساس في الاستقرار الصحي، ومحذرًا من الاعتماد على مصادر غير طبية قد تقود إلى انتكاسات حادة.
وأضاف أن إدارة المرض تتطلب منظومة رعاية متكاملة تتجاوز عيادة الأعصاب لتشمل تخصصات مساندة وفق حالة المريض، إلى جانب دور الأسرة وبيئة العمل. وأشار إلى أن الإفصاح المنظم عن الإصابة يضمن الحقوق النظامية، مثل مرونة ساعات العمل والتقارير الطبية، فيما قد تؤدي مرحلة الإنكار إلى تدهور مفاجئ يستدعي التنويم.
إشكالية التحويل بين المستشفيات
وتطرق إلى معاناة بعض المرضى في آلية التحويل بين المستشفيات، حيث يُحال المريض إلى جهات لا تتوفر فيها عيادات متخصصة، ما يشكل عبئًا نفسيًا وصحيًا. وأوضح أن المطالبة بإنشاء عيادات تحت مسمى «عيادة التصلّب العصبي المتعدد» أسهمت في إطلاق هذا النموذج في مدينة الملك سعود الطبية وعدد من المستشفيات، بما وفر بيئة علاجية أكثر وضوحًا واستقرارًا للمريض.
وبيّن أن التحدي لا يكمن في توفر الأدوية – رغم تكلفتها العالية – بقدر ما يتمثل في بُعد المواعيد وصعوبة الوصول إلى التشخيص المبكر، وهو ما يعكس ارتفاع أعداد المصابين. وأكد أن دعم الأطباء وتعاطفهم عنصر حاسم في تحسين تجربة المريض، مشددًا على أن دور الطبيب يمتد قبل العيادة وداخلها وبعدها، عبر حسن الاستقبال، ومنح الوقت الكافي، والمتابعة المستمرة.
الحقوق القانونية
وفيما يخص الجوانب النظامية، أوضح الحربي أن حقوق مرضى التصلّب العصبي المتعدد متاحة ضمن الأطر المعتمدة، لكنها تتطلب وعيًا ومبادرة في المطالبة بها، بدءًا من التقرير الطبي المختص وصولًا إلى التسجيل لدى الجهات ذات العلاقة للاستفادة من خدمات الضمان والرعاية والأولوية.
واستعرض نتائج بحث أجرته الجمعية حول مستوى رضا المرضى عن الخدمات الصحية في الرياض، أظهر أن نسبة الرضا تقل عن 81٪، نتيجة تحديات تتعلق بالمواعيد وبنية بعض المنشآت الصحية، ما يعكس الحاجة إلى تطوير مستمر يعزز جودة الخدمة ويرتقي بتجربة المريض.
البعد الاجتماعي
وتناول الدكتور غانم الغانم البعد الاجتماعي للمرض، مؤكدًا أن العوامل البيئية والاجتماعية تؤدي دورًا مؤثرًا في تجربة المريض، وأن التوقف عند حياته داخل الأسرة وخارجها يكشف عن تحولات ملموسة في طبيعة العلاقات والأدوار. وأوضح أن هذه التحولات قد لا تكون يسيرة؛ إذ يمكن أن تدفع بعض المرضى إلى العزلة، وتزيد من شعورهم بالإرهاق، وتحدّ من مستوى نشاطهم اليومي، ما يستدعي إسنادًا نفسيًا واجتماعيًا منظمًا من الأسرة والأصدقاء والبيئة المحيطة.
طريقة التعامل
وفيما يتعلق بآلية التعامل الاجتماعي مع المصاب، شدد الغانم على أن دمجه في محيطه الأسري والمهني يبدأ بفهم التغيرات التي تطرأ على حياته اليومية، والتعامل معها بوعي ومرونة، بعيدًا عن الشفقة أو التهويل. وأشار إلى مشاركته في برنامج تأهيل أخصائي مجموعات الدعم الذي نظمته مؤسسة الأميرة العنود الخيرية لمدة 15 يومًا، بمشاركة أكثر من 47 أخصائيًا وأخصائية نفسيين واجتماعيين، مؤكدًا أهمية هذا النوع من البرامج في تأهيل مرشدين محترفين يمتلكون مهارات إدارة مجموعات الدعم، وتطبيق أساليب تعديل السلوك، والعلاج المعرفي السلوكي (CBT)، والعلاج العقلاني الانفعالي، والإرشاد النفسي والأسري.
وبيّن أن من أبرز التحديات التي تواجه المصاب اختلال التوازن داخل الأسرة نتيجة تغير الأدوار، وهو ما قد ينعكس في صورة توتر أو خلافات، الأمر الذي يبرز الحاجة إلى تدخل الأخصائيين الاجتماعيين لنشر الوعي وتقديم الإرشاد للأسرة والمصاب معًا.
واستعرض حالة لمصاب منذ أكثر من عشرين عامًا انتهت به إلى طريح الفراش، موضحًا أن العمل لم يقتصر على الجانب الصحي، بل شمل دعمه نفسيًا واجتماعيًا، وإشراكه في الأنشطة والمناسبات لتجنب العزلة. وكان المريض يعمل معلمًا وداعية قبل أن تتدهور حالته تدريجيًا ويحال إلى التقاعد المبكر، ما أدى إلى تغير جذري في نمط حياته. وأكد أن مثل هذه النماذج تعكس حجم التحولات الاجتماعية التي يفرضها المرض، وتبرز أهمية الاستمرارية في الدعم.
أبرز الانعكاسات الاجتماعية
أقل من 81 % نسبة رضا المرضى عن المواعيد وبنية بعض المنشآت الصحية في الرياض
وأشار الغانم إلى أن انعكاسات المرض على الحياة الاجتماعية تتجلى في عدة محاور رئيسة، من أبرزها، تغير الأدوار داخل الأسرة، وما قد يصاحبه من توتر في العلاقة بين الزوجين أو بين الوالدين والأبناء، والميل إلى العزلة نتيجة الإرهاق أو الألم، أو بسبب سوء فهم المحيطين بطبيعة المرض، والتأثير في القدرة على العمل أو الدراسة، بما ينعكس على الاستقلالية المالية والاجتماعية، إضافة إلى تراجع المشاركة في الأنشطة اليومية التي كان المريض يمارسها سابقًا، والحاجة إلى دعم نفسي مستمر يساعد على التكيف مع التحديات الجديدة.
وأوضح أن العزلة قد تكون نتيجة مباشرة لأعراض المرض، مثل التعب المزمن، وقد تكون أيضًا انعكاسًا لسوء فهم المجتمع، حين يُختزل المصاب في حالته الصحية أو يُستبعد من المشاركة الاجتماعية بدافع الشفقة أو الجهل بطبيعة المرض.
تأثير المرض على العلاقات
وفيما يخص العلاقات الأسرية، بيّن الغانم أن المرض قد يفرض إعادة توزيع للأدوار داخل الزواج، بحيث يتحول أحد الطرفين إلى مقدم رعاية، ما يتطلب نضجًا وتفاهمًا لتفادي التوتر. كما قد ينعكس على الأبناء، سواء من حيث القلق أو تحمّل مسؤوليات إضافية، ما يستدعي احتواءً نفسيًا وتواصلًا صريحًا داخل الأسرة. أما على مستوى الصداقات، فقد تتأثر العلاقات نتيجة تراجع المشاركة في الأنشطة، ما يستوجب مبادرة من الطرفين للحفاظ على جسور التواصل.
وختم بالتأكيد على أن التصلّب العصبي المتعدد ليس نهاية للحياة الاجتماعية، بل تحدٍ يمكن إدارته بوعي جماعي، وأن الاستثمار في الدعم النفسي والاجتماعي لا يقل أهمية عن العلاج الطبي، بل يمثل ركيزة أساسية في جودة حياة المصاب واستقراره الأسري والمجتمعي.
جودة الحياة ونمط المعيشة
وعن العادات الصحية المؤثرة، أوضحت د. لمياء أن دور طبيب الأسرة يشمل المتابعة المستمرة للحالة الصحية العامة، إذ قد يحضر المريض بأعراض أخرى، مثل نزلات البرد أو السكري أو الضغط أو الاكتئاب، ما يتطلب نظرة شمولية للحالة.
وبيّنت أن التعامل ينطلق من محورين؛ الأول يتعلق بالتشخيص والإحالة للعيادة المتخصصة مع شرح طبيعة المرض وأعراض الأدوية، والثاني يرتبط بنمط الحياة، مؤكدة أنه لا توجد حمية غذائية خاصة، وإنما يُنصح بنظام صحي عام، مع أهمية ضبط الوزن وممارسة النشاط البدني والعلاج الطبيعي عند وجود شد عضلي أو خدر.
التشخيص والمتابعة
وأكدت أن تقاطع طب الأسرة مع الإعلام يسهم في بناء وعي مجتمعي مبكر، لافتة إلى أن عددًا كبيرًا من الحالات يُكتشف أوليًا عبر أطباء الأسرة من خلال ملاحظة أعراض مثل اضطرابات الرؤية، وخدر الأطراف، والدوار. وأشارت إلى أن المريض قد يتنقل بين عدة تخصصات قبل الوصول إلى طبيب الأسرة، الذي يمتاز بقدرته على الربط بين الأعراض في سياق واحد بدلًا من التعامل معها بصورة مجزأة.
وأوضحت أن مسار التشخيص يبدأ في مراكز الرعاية الصحية الأولية، حيث تُستبعد الأسباب العضوية المشابهة، مثل نقص فيتامين B12، الذي قد تتقاطع أعراضه مع المرض. كما أن الخدر قد يبدأ في القدمين أو اليدين أو حتى في طرف الأنف أو اللسان، وقد تكون البداية بإصابة في العين، ما يتطلب تقييمًا دقيقًا قبل الإحالة إلى طبيب الأعصاب.
وشددت على أن دور طبيب الأسرة لا ينتهي بالإحالة، بل يستمر عبر متابعة الجوانب النفسية، مثل الاكتئاب والعزلة، وتأهيل الأسرة لفهم طبيعة المرض والتعامل معه بوعي. ولفتت إلى أن المرض يُكتشف غالبًا في أعمار مبكرة، وبنسبة أعلى لدى الإناث، ما ينعكس مباشرة على جودة الحياة والقدرة الوظيفية.
وأكدت وجود فجوة معرفية لا تقتصر على الجانب الطبي، بل تمتد إلى الأبعاد النفسية والاجتماعية، داعية إلى تدريب أطباء الأسرة والرعاية الأولية على التشخيص المبكر والتعامل الشامل مع المرض.
الإجازات المرضية والتصنيف النظامي
وحول الإجازات المرضية، أشارت د. لمياء إلى معاناة بعض المرضى، خاصة الموظفات، في الحصول على إجازات تتناسب مع احتياجهم الصحي، حتى في غياب الهجمة الحادة، لافتة إلى أن الأنظمة الحالية قد تقيّد الطبيب في منح أكثر من يوم واحد.
وأكدت ضرورة إعادة النظر في تصنيف المرض والمطالبة باعتبار المصابين ضمن فئة ذوي الإعاقة عند الحاجة، بما يضمن مرونة أكبر في الإجازات والاستفادة من المزايا النظامية.
ودعت إلى إنشاء مسار واضح للتعامل مع التصلب اللويحي في الرعاية الأولية، على غرار المسارات المعتمدة للربو والسكري، مع تفعيل مؤشرات خاصة في الملف الطبي الإلكتروني، واعتبار مرضى التصلب من ذوي الأولوية العلاجية عند الإصابة بالنوبات في الطوارئ الطبية؛ لأن علامات المريض الحيوية قد تكون طبيعية؛ لكن الألم والتأثير الحركي والعصبي لا يقيم بصورة مناسبة للحالة، وبالتالي يتأخر العلاج.
الحوكمة وتنظيم الأدوار
وأكدت أن حوكمة ملف المرض وتنظيم الأدوار بين الجهات المختلفة يسهمان في بناء مسار واضح للرعاية، بحيث تكون مراكز الرعاية الأولية نقطة الانطلاق للتشخيص والمتابعة، نظرًا لسهولة الوصول إليها. وشددت على أهمية البعد الاجتماعي والتأهيلي، وضرورة حفظ الحقوق الوظيفية للمريض، بما يحد من الفصل أو التقاعد المبكر غير المبرر.
وبيّنت أن التدخل المبكر يقلل من تفاقم الحالة ويخفض الكلفة العلاجية على المدى البعيد، مؤكدة أن للإعلام دورًا محوريًا في رفع الوعي ودعم صناع القرار لتبني سياسات وتشريعات عادلة تعزز جودة الحياة.
«ساعد» أول جمعية سعودية متخصصة تنطلق لسد فجوة خدمية بين المريض والمنظومة الصحية
الرعاية الأولية بوابة إلزامية
وفي سياق إصلاح الأنظمة الصحية وخصخصة القطاع، أكدت د. لمياء على أهمية تناول الملف بواقعية، مشيرة إلى أن مسار التأمين الصحي يفرض مرور المريض عبر الرعاية الصحية الأولية قبل الوصول إلى الطبيب المختص، ما يستدعي تهيئة هذه «البوابة» عبر التدريب والتوعية ومنح الشهادات المهنية التي تمكّن طبيب الأسرة من التشخيص المبدئي، ومعرفة الأدوات التشخيصية المتاحة، وقنوات التحويل المناسبة.
وأضافت أن تحديد صلاحيات الأطباء في وصف وصرف بعض الأدوية – بالتنسيق مع التخصصات المعنية – خطوة ضرورية، أسوة بما هو معمول به في بعض المجالات مثل الصحة النفسية، لما لذلك من أثر مباشر على جودة حياة المريض وسرعة تلقيه الخدمة.
تمكين تخصص طب الأسرة
وأشارت إلى أن عدد أطباء الأسرة في المملكة لا يزال محدودًا، ما يستدعي تمكين هذا التخصص بصورة أوسع، مؤكدة أنه من غير المنطقي انشغال طبيب الأسرة الاستشاري بالحالات البسيطة، في حين تتطلب حالات مثل التصلب اللويحي خبرة وتشخيصًا دقيقًا قد لا يتكرر كثيرًا في الممارسة اليومية.
وبيّنت أن المرحلة الحالية تمثل فرصة مهمة في ظل الدور التشريعي لوزارة الصحة، خصوصًا مع ارتفاع التكاليف العلاجية للمرضى وتزايد أعداد الحالات. كما أن تمكين الرعاية الأولية، واعتبار المرضى من ذوي الإعاقة عند الحاجة، ومنحهم اعتبارات خاصة في بيئات العمل، وتفعيل الإجراءات الوقائية، من شأنه الحد من النكسات وتقليل الاعتماد على الطوارئ، بما يسهم في رفع كفاءة الإنفاق الصحي وتحسين جودة الخدمة، وبناء مسار متكامل ومتوازن للرعاية الصحية.
*ردة فعل المريض
وعن ردة فعل المريض عند تشخيصه بمرض التصلب العصبي المتعدد، أوضحت أ. أحلام أن الاستجابة الأولى تكون في الغالب طبيعية، يغلب عليها الخوف والقلق تجاه المستقبل؛ وهو شعور إنساني متوقَّع عند مواجهة تشخيص صحي مفصلي يغيّر ملامح الحياة. وينعكس هذا القلق على الجوانب النفسية والاجتماعية والأسرية والمهنية، بما يؤثر مباشرة في جودة حياة المريض.
وأضافت أن المريض يمرّ بعد التشخيص بمراحل نفسية متتابعة، تبدأ بالصدمة والإنكار، وقد تظهر في صورة رفض الاعتراف بالمرض، أو الامتناع عن تناول العلاج، أو تجنّب الحديث عن الحالة الصحية. تعقب ذلك مرحلة الغضب، وغالبًا ما يتجه نحو الذات، مع بروز ردود فعل انفعالية مبالغ فيها تجاه الآخرين أو النفس، نتيجة عدم استيعاب طبيعة المرض بعد.
ثم تأتي مرحلة المساومة، وهي من أكثر المراحل إنهاكًا، إذ تتكاثر التساؤلات: لماذا أُصبت؟ هل يكفي تغيير نمط الحياة للتحسن؟ هل يحقق دواء معيّن أو علاج في الخارج شفاءً تامًا؟ وإذا لم تُدار هذه المرحلة مهنيًا بصورة واعية، فقد تمهّد للدخول في مرحلة الاكتئاب.
وأكدت أن الدور المهني في هذه اللحظة حاسم؛ عبر الحوار المنهجي مع المريض، ومساعدته على تفكيك تساؤلاته، وفهم مشاعره تدريجيًا، وشرح المراحل النفسية التي يمر بها، حتى يدرك أن ما يعيشه جزء من مسار طبيعي للتكيّف. فالتعامل الواعي مع مرحلة المساومة يسهّل الوصول إلى مرحلة التقبّل، وإن ظلّ احتمال المرور بالاكتئاب قائمًا.
الاكتئاب والتصلب
وأشارت أ. أحلام إلى أن مرحلة الاكتئاب قد تتجلى في فقدان الأمل، والميل إلى العزلة، وتراجع الاستمتاع بالأنشطة المعتادة. وهنا تتأكد أهمية الدعم الشامل؛ سواء كان المريض طالبًا يحتاج إلى مساندة تعليمية، أو فردًا داخل أسرة تؤدي دورًا محوريًا في تعزيز توازنه النفسي.
وفي حال غياب الدعم المجتمعي الواسع، يظل وجود داعم مقرّب — أبًا كان أو زوجًا أو أخًا — عاملًا فارقًا في ترسيخ الاستقرار النفسي ومساندة المريض في تجاوز تقلباته. فترك المريض في دائرة مقاومة أو صراع داخلي أو استسلام ليس خيارًا صحيًا، بل الأجدى مساعدته على التكيّف الإيجابي، ومنحه مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره؛ باعتبار ذلك خطوة مركزية في رحلة التعايش مع المرض.
تطور الحالة النفسية
وحول أثر القلق والخوف والتفكير المستمر في مسار المرض، بيّنت أ. أحلام أن الضغوط النفسية الشديدة تؤثر مباشرة في الجهاز العصبي، المرتبط بدوره بالأمراض المناعية. فالقلق والتوتر والاكتئاب تترك بصمتها على الجهاز العصبي لدى الأصحاء والمصابين على حد سواء.
وقد يتمثل الأثر السلبي للضغط النفسي في إضعاف المناعة، وزيادة الألم والإجهاد، فضلًا عن تراجع الالتزام بالعلاج نتيجة فقدان الدافعية والشعور بقيمة العافية، ما قد يؤدي إلى التغيب عن المراجعات الطبية. ومن هنا شددت على أن التدخل النفسي المبكر جزء أصيل من الخطة العلاجية المتكاملة، لا عنصرًا تكميليًا.
الإجازات المرضية المقيدة بيوم واحد تضع المرضى بين الألم ومتطلبات الوظيفة
وأوضحت أن مسار العلاج يبدأ بطبيب الأعصاب، يليه التثقيف الصحي، ثم الدعم النفسي والاجتماعي، إلى جانب العلاج الطبيعي والوظيفي. وتكامل هذه الأدوار يعزز مختلف جوانب حياة المريض. كما أن الدعم النفسي يخفف الإحساس بالألم، ويزيد القدرة على التحمل، ويمهّد تدريجيًا لتقبّل المرض، في رحلة تتطلب صبرًا ومساندة مستمرة.
المرض النفسي
وفيما يتعلق بإمكانية تأثير الحالة النفسية في نشوء بعض الأمراض، أكدت أ. أحلام أن الصحة النفسية عنصر جوهري في حياة الإنسان، وقد تسهم ضمن منظومة عوامل متعددة في ظهور بعض الاضطرابات. وأشارت إلى أن العلاج النفسي لا يقتصر على الحوار، بل يشمل تدخلات علاجية متكاملة.
وضربت مثالًا باضطراب ما بعد الصدمة، حيث يبدأ التدخل بتهدئة الجهاز العصبي عبر أدوية مخصّصة للحد من القلق واضطرابات النوم، يعقبها تطبيق تقنيات للاسترخاء العميق، بهدف إعادة الاتزان العصبي، وتحسين وضوح التفكير، ومساعدة المريض على فهم ذاته.
وأكدت على أن العلاج النفسي الفعّال يقوم على علاقة علاجية قائمة على الثقة، تمكّن المريض من تقبّل التوجيه العلاجي. فالتعاطف وحده لا يكفي ما لم يصاحبه تدخل مهني منظم يعالج جذور التأثير النفسي في الصحة الجسدية.
التعامل المهني
وفي سياق متصل، أوضحت أ. أحلام، أن التعامل مع مرضى التصلب العصبي المتعدد، ومرضى الأعصاب عمومًا، يتطلب تأهيلًا متخصصًا لدى الأخصائي النفسي؛ بأن يكون أخصائيًا إكلينيكيًا متمرسًا في العمل السريري، وذا خبرة في الأمراض العصبية المزمنة وحالات التأهيل والاضطرابات النفسجسدية، ويفضّل أن يكون حاصلًا على درجة علمية متقدمة، مع إلمام بقياس القدرات الوظيفية والتقييم النفسي المتخصص.
وأكدت أن هذا التخصص لا يزال محدود الانتشار، مع حاجة ملحّة لتوفير أخصائيين نفسيين مؤهلين ومتفرغين لهذا المجال، بما يعزز جودة الرعاية النفسية ويستكمل منظومة العلاج الشامل للمريض.
بين الصدمة والتقبّل.. رحلة ثلاثة عشر عامًا
واستهلّت أ. دلال حديثها بتوجيه الشكر إلى «السلطة الرابعة» لدورها في نقل صوت مصابي التصلب العصبي المتعدد، وإتاحة منبر مهني مسؤول لطرح قضاياهم.
وعن لحظة التشخيص، أوضحت أن السؤال الأول الذي يطرق ذهن المريض هو: ما سبب المرض؟ لتأتي الإجابة الأكثر إرباكًا: السبب غير معروف. عندها ينفتح باب واسع من الذهول والأسئلة القلقة: ما طبيعة هذا المرض؟ كيف يُعالج؟ وإلى أين تمضي بي الأيام؟ وأشارت إلى أن غياب مسار واضح في البدايات قد يدفع ببعض المرضى إلى الاكتئاب، خاصة حين تتزاحم الهواجس بلا إجابات حاسمة.
وبيّنت أن مستوى الوعي يختلف من شخص لآخر، وأن البيئة الداعمة تصنع فارقًا جوهريًا في مسار التكيّف. ورغم ما حظيت به من دعم أسري واعٍ، أقرت بأن مرحلة الإحباط في البدايات كانت قاسية، فالإيمان وقوة الشخصية لا يمنعان لحظة الانكسار الأولى.
تجربة الهجمة الأولى
وذكرت أ. دلال أنها كانت في بدايات عملها الإعلامي في قناة «روتانا» عند التشخيص، مطالبةً بالثبات والظهور المهني أمام الكاميرا، فيما كانت الأسئلة الموجعة تضجّ في داخلها. مرّت بمرحلة إنكار حقيقية، بحثًا عن تفسير مختلف أو علاج حاسم يبدّد القلق.
وبعد أقل من ثلاثة أشهر، تعرّضت لهجمة شديدة في منطقة تحت المخيخ، تسببت في شلل نصفي وفقدان الإحساس بالجانب الأيسر من جسدها. أعقب ذلك تحسّن تدريجي، مع بقاء أعراض مستمرة مثل خدر الأطراف، لتدرك أن التعايش مع المرض ليس مرحلة عابرة، بل واقع ممتد.
وأكدت أن الاستمرار في المجال الإعلامي لم يكن سهلًا، لا سيما مع صعوبة نطق بعض الحروف. لكنها واجهت التحدي بالتدريب المكثف، وحفظ النصوص، واستبدال الكلمات الصعبة بأخرى أكثر سلاسة، في ممارسة واعية لإدارة أثر المرض مهنيًا.
وشددت على أن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، وأن رسالتها اليوم تتجاوز تجربتها الشخصية إلى رفع مستوى الوعي بالمرض؛ فكلما ارتفع سقف المعرفة، ارتفع معه سقف المطالبة بالحقوق.
الكشف المبكر قبل الأعراض لا يزال غير متاح... والتشخيص يبدأ من الرعاية الأولية
5إعاقة خفية» وتحوّل في الوعي
وفي حديثها عن التحولات الجسدية والنفسية، أوضحت أ. دلال أن تجربتها قبل عشرة أعوام تختلف كثيرًا عن اليوم، سواء من حيث الوعي المجتمعي أو وجود جمعيات داعمة.
وأشارت إلى أنها كانت تواجه عبارات مشوبة بالشفقة عند ظهور عرج خفيف، وحين تفصح عن سبب حالتها تشعر وكأنها تعيش مع «إعاقة خفية»، في ظل تفسيرات مغلوطة وصلت أحيانًا إلى ربط المرض بالحسد.
وبيّنت أن الأعراض كانت تتفاقم مع الإرهاق والضغط النفسي، ما جعلها أكثر انتباهًا لإشارات جسدها. وقالت إن المرض «هذّبها» ومنحها وعيًا أعمق بأهمية التوازن بين الجهد والراحة، وبين المشاعر والصحة الجسدية.
وأوضحت أنها كثيرًا ما تستيقظ بإرهاق داخلي وآلام عضلية، تحتاج معها إلى وقت لاستعادة طاقتها قبل العودة إلى إيقاع الحياة المعتاد، إلى درجة قد لا يلحظ الآخرون إصابتها.
وأشادت بالمنظومة الصحية الحالية، مشيرة إلى توفير أدوية مرتفعة التكلفة تُصرف مجانًا، قد تتراوح قيمتها بين 60 و100 ألف، معتبرة ذلك دعمًا نوعيًا يعكس اهتمامًا حقيقيًا بالمريض.
وفي المقابل، لفتت إلى تحديات تتعلق بالإجازات المرضية في الدراسة والعمل، مؤكدة أن المريض ليس مطالبًا بشرح تفاصيل حالته أو استدرار التعاطف للحصول على حقه المشروع في الراحة.
وشددت على أحقية مريض التصلب العصبي المتعدد في الحصول على إجازة مرضية مناسبة دون حرج، داعيةً المرضى إلى عدم إخفاء إصابتهم، سواء في بيئة العمل أو في سياق الزواج، إذ إن الإخفاء — برأيها — نتاج جهل مجتمعي لا نقص في المصاب.
وأكدت أهمية إرساء معايير واضحة وعادلة، ورفع سقف حقوق مرضى التصلب العصبي المتعدد، بما يضمن لهم حياة مستقرة وكريمة، وجودة حياة حقيقية، بعيدًا عن الشفقة أو المنّة، وفي إطار من الوعي والإنصاف.
المداخلات
تفاوت الحالات والمضاعفات
وتداخل أ. هاني بعدد من التساؤلات تناولت جوانب مختلفة من المرض، حيث تساءل عمّا إذا كانت شدة الهجمات ترتبط بنوع الفيروس وحدّته، وعن احتمالية تطوّر الحالة إلى مضاعفات جسيمة كفقدان البصر أو الشلل، وما إذا كانت هذه المضاعفات تختلف باختلاف طبيعة كل حالة.
وأوضح د. أحمد أن مسار المرض يختلف من مريض لآخر، وله وجهان رئيسيان: التهابي، وتقدّمي تزداد فيه الأعراض بمرور الوقت. وأكد أن الالتزام بالخطة العلاجية عامل حاسم في الحد من المضاعفات. مشيرًا إلى أن مضاعفات مثل العمى أو الشلل أصبحت أقل شيوعًا بفضل التطور الطبي وأدوية تعديل مسار المرض، مبينًا أن الإعاقات الشديدة غالبًا ما ترتبط بإهمال العلاج لفترات طويلة.
وفيما يتعلق بالتغذية، أكد أن التغذية تؤثر في جهاز المناعة عبر البكتيريا المعوية، إلا أنه لا توجد حمية خاصة مثبتة للمرض. وينصح بتجنب الأطعمة المثيرة للأعراض، والاهتمام بفيتامين (د)، والحذر من الحميات القاسية غير المثبتة علميًا. كما أشار إلى أن بعض الأدوية القوية قد تتطلب نمطًا غذائيًا داعمًا لتحمّل آثارها.
وأكد د. أحمد على أن التصلّب العصبي المتعدد ليس مرضًا معديًا، وأن ارتباطه ببعض الفيروسات لا يعني انتقاله بالعدوى، موضحًا أن فيروس إبشتاين–بار موجود لدى نسبة كبيرة من الناس دون أن يُصابوا بالمرض. وبيّن أن الحالة النفسية تؤثر في شدة الأعراض، كما يؤثر المرض في الحالة النفسية للمريض، إلا أن اعتبارها سببًا مباشرًا يظل أمرًا غير محسوم علميًا.
أما بشأن الإجازات المرضية، فأوضح أن منحها يخضع للتقييم الطبي الفعلي، مع أهمية وعي المريض بحقوقه النظامية. وأشار إلى أن تصنيف المرض كإعاقة مسألة دقيقة، إذ إن التشخيص المبكر والالتزام بالعلاج يمكّنان كثيرًا من المرضى من ممارسة حياتهم بصورة طبيعية، فيما يؤدي التأخر إلى مضاعفات أوسع.
وفي ردّه على سؤال أ. هاني حول أولوية التعامل مع الهجمات الحادة، أكد د. أحمد أن أقسام الطوارئ مهيأة للتعامل مع الهجمات الحادة، مع وجود تنسيق مباشر بين أطباء الأعصاب والطوارئ. وأشار إلى ما يُعرف ب«الهجمة الكاذبة» التي تتفاقم فيها الأعراض دون وجود التهاب جديد، مبينًا أن التعامل معها يتم وفق بروتوكولات واضحة.
الكشف المبكر وتباين النسب
وتداخل أ. خالد الربيش بعدد من التساؤلات، تمحورت حول إمكانية وجود كشف مبكر لمرض التصلب العصبي المتعدد يمكن إجراؤه لأي شخص، وما إذا كانت هناك تعليمات توعوية عامة تساعد على معرفة الاستعداد للإصابة بالمرض، إضافة إلى تساؤله حول تباين نسب الإصابة باختلاف البيئات، وما إذا كانت ترتفع في بعض الدول مقارنة بغيرها. كما وجّه سؤالًا إلى الأستاذة دلال حول تجربتها الإعلامية في مواجهة المرض على مدى ثلاثة عشر عامًا.
وأوضح د. أحمد أن الكشف المبكر قبل ظهور الأعراض لا يزال تحديًا، ولا توجد فحوصات معتمدة لذلك حتى الآن، رغم وجود مؤشرات تساعد في التشخيص المبكر عند ظهور العلامات الأولى.
وأشار إلى اختلاف نسب الإصابة جغرافيًا، حيث تزداد في المناطق البعيدة عن خط الاستواء، مع قلة التعرض لأشعة الشمس ونقص فيتامين (د)، إضافة إلى دور العوامل الوراثية. وقد تصل النسب في بعض الدول إلى أكثر من 100–140 حالة لكل مئة ألف نسمة.
بين المسار الشخصي والمهني
أ. دلال أنها عاشت المرض في مسارين متوازيين: شخصي ومهني. فعلى الصعيد الشخصي، أدركت أن العاطفة لا تتعارض مع المهنية إذا أُحسن توجيهها، بل قد تعزّز صدقية الرسالة.
وأكدت أن الكلمة في الإعلام مسؤولية، وأن دقة النطق وحضور الصوت عنصران محوريان في عملها، لاسيما أنها لم تعتمد على نصوص جاهزة بقدر اعتمادها على ذاتها بوصفها منطلق الرسالة. وبيّنت أن تمسّكها بالإعلام نابع من إيمانها بحمل قضية، وتقديم نموذج واقعي يعكس القدرة على التعايش، رغم تحديات جسدية كالإجهاد البصري وصعوبة القراءة أحيانًا.
وأضافت أن الإعلام بطبيعته مواجهة مباشرة، ما دفعها إلى تجاوز مخاوفها في كل ظهور، واضعة الرسالة فوق أي اعتبارات شخصية. وعند مشاركاتها في الندوات والجمعيات، تحرص على الشفافية والثقة، مؤكدة أن الخطأ وارد، لكن تصحيحه واجب، وأن «أول الغيث قطرة».
وشددت على أن دورها اليوم يتمثل في نشر الوعي، من خلال استضافة المختصين والجمعيات، وتوظيف صوتها وتجربتها لخدمة القضية، معتبرة أن الإعلام رسالة قبل أن يكون حضورًا.
تحديات ميدانية وثقافة الإخفاء
ولفتت إلى تحديات ميدانية تتعلق بسهولة التشخيص وسلاسة الإجراءات والحصول على الوصفات، مؤكدة أن تجربة المريض تبدأ من أول خطوة في المسار الصحي، لا من صرف الدواء فقط.
التصلّب العصبي المتعدد ليس مرضًا معديًا... والالتزام بالعلاج يقلل خطر الشلل وفقدان البصر
وبيّنت أن بعض الأسر تميل إلى إخفاء المرض بدافع الخوف أو الحرج الاجتماعي، مستشهدة بحالة أم أخفت إصابة ابنها عند تقدّمه للزواج. واعتبرت أن هذا السلوك يعكس مفاهيم مغلوطة تحتاج إلى تصحيح، وأن القضية أوسع من المرض ذاته، وترتبط بثقافة مجتمعية تتطلب إعادة بناء الوعي بالأمراض المزمنة بوصفها حالات صحية قابلة للإدارة، لا وصمة اجتماعية.
البحث العلمي والشراكة العلاجية
وتداخل أ. ناصر العماش بسؤالين؛ وجّه الأول إلى د. أحمد حول الدور المنتظر من البحث العلمي في تحسين مستقبل علاج مرض التصلب العصبي المتعدد، وكيف يمكن بناء شراكة علاجية ناجحة وطويلة الأمد بين الطبيب والمريض..
وفي إجابته، أوضح د. أحمد ردًا على سؤال أ. ناصر، أكد د. أحمد أن البحث العلمي يمثل ركيزة أساسية لتحسين مسارات العلاج، مشيرًا إلى دعم المملكة السخي للأبحاث عبر الجهات الوطنية. وذكر أن مركز الملك عبدالله للأبحاث دعم أحد أبحاثه بمبلغ (1,400,000) ريال لدراسة العلاقة الفيروسية بالمرض.
وشدد على أن الشراكة العلاجية الناجحة تقوم على المعرفة، والثقة، والمتابعة طويلة الأمد بين الطبيب والمريض، بما يعزز جودة الحياة ويحد من المضاعفات.
توصيات ندوة «الرياض» حول مرض التصلب العصبي المتعدد:
1. التوصية بتطوير مسار وطني موحّد للتشخيص المبكر يبدأ من مراكز الرعاية الصحية الأولية، مع تأهيل أطباء الأسرة وتمكينهم من أدوات الكشف والإحالة السريعة إلى التخصصات الدقيقة.
2. التوصية بإنشاء وتوسيع عيادات متخصصة للتصلب العصبي المتعدد داخل المستشفيات، لضمان استقرار المسار العلاجي وتقليل معاناة التحويل وتباين الإجراءات.
3. التوصية بدمج الدعم النفسي والاجتماعي ضمن الخطة العلاجية الإلزامية وتوفير أخصائيين نفسيين إكلينيكيين مؤهلين للتعامل مع الأمراض العصبية المزمنة.
4. التوصية بمراجعة الأنظمة المتعلقة بالإجازات المرضية والتصنيف الوظيفي بما يحفظ حقوق المصابين، ويحد من الفصل أو التقاعد المبكر غير المبرر.
5. التوصية بتكثيف التوعية المجتمعية والإعلامية
6. التوصية بدعم البحث العلمي وتعزيز الشراكة العلاجية طويلة الأمد بين الطبيب والمريض.
ضيوف الندوة
الدكتور أحمد أبو لبن
الأستاذ عبدالله الحربي
الدكتور غانم الغانم
الدكتورة لمياء الإبراهيم
الأستاذة أحلام بنت إبراهيم
الأستاذة دلال سالم
حضور الندوة
هاني وفا
خالد الربيش
صالح الحماد
ناصر العماش
سارة القحطاني
صالحة العتيبي
تركي بن منصور


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.