- الرأى - بدرية عيسى - جازان : في جازان، لا يُقاس التاريخ بما كُتب فقط، بل بما بقي شاهدًا على الأرض: نقشٌ لم يُمحَ، حجرٌ لم يُهمل، ومكانٌ قاوم النسيان. ومن بين الذين أنصتوا للأرض قبل أن يدوّنوها، يبرز اسم الدكتور علي عواجي العريشي، بوصفه أحد الذين حملوا همّ الذاكرة، وحوّلوا الشواهد الصامتة إلى معرفة موثّقة. وُلد الدكتور علي بن محمد عواجي قهار عريشي في قرية الجرادية، ونشأ في كنف والده الشيخ محمد عواجي – رحمه الله – أحد رجالات التعليم، فكان للعلم حضوره المبكر في مسيرته. تلقّى تعليمه الابتدائي في مدرسة الجرادية حتى الصف الرابع، ثم انتقل إلى مدرسة الأحد بمنطقة نجران بحكم عمل والده، وأكمل فيها المرحلة الابتدائية، قبل أن يواصل تعليمه الثانوي. في عام 1401ه / 1981م التحق بفرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في أبها، وتخرّج عام 1405ه / 1984م متخصصًا في التاريخ، بتقدير ممتاز والأول على دفعته، ليُعيَّن بعدها معيدًا في الجامعة. واصل دراساته العليا فحصل على درجة الماجستير في التاريخ الإسلامي بتقدير ممتاز، وكانت رسالته بعنوان «العلاقة بين أوروبا وشمال أفريقيا في القرن الثامن الهجري»، ثم نال درجة الدكتوراه من الجامعة نفسها بمرتبة الشرف عن رسالته «مواقف نصارى الشام ومصر من الحملات الصليبية». عمل الدكتور علي في جامعة الإمام بأبها في عدد من المهام الأكاديمية والإدارية، ومع اندماج فرعي جامعتي الإمام والملك سعود تحت مسمى جامعة الملك خالد، كُلّف بالإشراف على العلاقات العامة والإعلام، وتولى رئاسة تحرير مجلة آفاق الجامعة كأول رئيس تحرير لها. وفي عام 1430ه انتقل إلى جامعة جازان، حيث كُلّف برئاسة قسم السياحة والآثار، والإشراف على قسم الصحافة والإعلام، لتبدأ مرحلة أكثر التصاقًا بالمكان والهوية. وقد عُرف عنه اهتمامه العميق بالآثار، فكانت له إسهامات علمية وبحثية متخصصة، وشارك في اكتشاف وتوثيق عدد من النقوش الأثرية في مواقع متعددة، إضافة إلى مشاركته في الأمسيات والمحاضرات التاريخية. وترأس الفريق العلمي لموسوعة آثار منطقة جازان، في مشروع يُعد من أبرز الجهود التوثيقية التي خُصصت للمنطقة. كما تقدّم بمشروع بحثي إلى دارة الملك عبدالعزيز حول الجهوة، نال عنه جائزة ومنحة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز للدراسات التاريخية في مجال تاريخ الجزيرة العربية، وأثمر لاحقًا كتابه: «الجهوة: تاريخها وآثارها ونقوشها». ولم تتوقف علاقته بالتراث عند البحث الأكاديمي، إذ أنشأ متحفًا خاصًا يضم مجموعة نادرة من القطع الأثرية والفنية، تشمل أدوات وحِرفًا يدوية وأواني ومزهريات يعود تاريخ بعضها إلى أكثر من خمسة آلاف عام، في محاولة واعية لحفظ الشاهد المادي للتاريخ من الضياع. تقاعد الدكتور علي عواجي العريشي عن العمل الأكاديمي في جامعة جازان عام 1442ه، بعد مسيرة امتدت لنحو 37 عامًا، غير أن التقاعد لم يكن نهاية الحضور، بل انتقالًا من المنصب إلى الأثر، ومن الوظيفة إلى الذاكرة. فبعض الأسماء لا تُختصر بسنوات الخدمة، بل بما تتركه خلفها… وهذا ما فعله د. علي عواجي العريشي في ذاكرة جازان.