الحرص على سلامة فريضة الحج من أي مخالفة كان شعار الصالحين. وقد أكد السيد حامد بن عمر- رحمه الله- على قبطان السفينة التي ركب فيها في البحر الأحمر، قاصدًا بيت الله الحرام أن ينبهه عند الوصول إلى محاذاة يلملم، وهو ميقات حجاج اليمن، لكي يحرم منه. لكن القبطان سها عن ذلك. وحصل المحذور، وجاوزت السفينة الميقات. فما كان أمام الناسك سوى اللجوء إلى ربه تبارك وتعالى. واستجاب الله دعاء الرجل الصالح. قالوا: لقد اضطرب البحر وثارت أمواج بفعل ريح قوية، لا يملك أمرها إلا الله. واستمرت الريح والأمواج تتلاطم بالسفينة حتى تقهقرت وعادت إلى الميقات. فأحرم السيد من المكان الصحيح. أما قصة الرجل الذي قدح النار فهي أعجب. قالوا كانت سفينة في البحر بحاجة إلى نار لطبخ الطعام، سمك أو غيره. ولم يكن عندهم وسيلة لذلك، وكان معهم رجل عليه سيما الصلاح، فاستشاروه. فقال هل في السفينة راعي أيتام؟ قالوا نبحث. وفعلًا وجدوا رجلًا بهذه الصفة. فدعاه ووضع أمامه أعوادًا صغيرة، أو قل نشارة من الخشب وقال له: انفخ. فنفخ. فقال زد. فزاد. فقال: بكل قوتك انفخ ففعل. وإذا شرارة صغيرة تبدو. ومن هذه الشرارة استطاع قدح زنادها في أعواد أكبر، وبذلك صنعوا الطعام. قال الرجل أخذت ذلك من قول الله- تعالى- إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا. قال لي أحد العلماء: هذا النافخ في النار رجل صالح؛ فلولاه لهلك أهل السفينة جوعًا. والشيء بالشيء يذكر؛ إذ نوى السيد عطاس حبشي، وقد عرفته من بعيد، نوى عندما جاء للحج قبل نصف قرن أو يزيد ألا يجرح حجه بأي مخالفة. وهو شافعي المذهب ينتقض وضوؤه إذا لمس امرأة. ولما كان في الطواف أصابت قدمه قدم امرأة فخرج إلى الساحة، وتوضأ ثم عاد للطواف فأصابت قدمه امرأة أخرى، فخرج من الطواف ليتوضأ أيضاً. وتكرر الموقف سبع مرات. فقال لنفسه خلاص، لقد أراد الله أن يؤدبني لأن في المذاهب الأخرى سعة. وحججت ذات مرة مع حملة من حملات السيد محمد بن صالح المحضار، وكان معنا رجل كثير النكات. وكان في الحملة أيضًا السيد علي المشهور والد عدني الداعية المعروف- رحمهم الله. فلم يكن يحرك لسانه إلا بذكر من تهليل أو تسبيح. ومهما ابتكر المنكت من طرائف فما كان السيد علي المشهور- رحمه الله- يزيد عن التبسم، من شدة حرصه على سلامة حجه؛ مما قد يجرحه. وقد تتساءل عزيزي القارئ ما الذي يدعونا للحديث عن الحج، ونحن على مشارف رمضان، فأقول: إن الهمة لرمضان تأتي معها- إن شاء الله- همّة الركن الخامس من أركان الإسلام. اعقلها وتوكل.