سبق أن قارنت بين عقلية لاعب كرة القدم وعقلية بعض الأطباء غير الملتزمين بالحضور لعياداتهم وعملياتهم والقيام بالتزاماتهم الوظيفية التي يتقاضون عنها رواتب وبدلات حكومية ضخمة، لكنني لم أتخيل أن تصل المقارنة لهذا الحد الذي تفوق فيه اللاعب على الطبيب في أمر الوعي بالوفاء بالعقود والالتزام بالعهود والإخلاص في أداء المهام المناطة التي يتقاضى عليها أجره. قد أكون من أكثر من تناولوا موضوع عدم التزام بعض الأطباء الحكوميون بتواجدهم في المستشفيات الحكومية وخروجهم نهارا جهارا للعمل في مستشفيات خاصة في ممارسة غير مرخصة ولا نظامية على حساب وقت ومواعيد وعمليات مريض المستشفى الحكومي، ولا فخر لي في تناول تلك المخالفات كوني أعمل في نفس بيئة العمل الصحي وأشاهد معاناة المرضى عن كثب (المريض الذي لا يرى طبيبه لعدة أسابيع أو تؤجل عملياته لعدة أشهر أو لا يحصل على موعد لسنوات)، وكانت الظاهرة بدأت بالسماح للأطباء من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات بالعمل في مستشفيات القطاع الخاص خارج وقت الدوام الرسمي وفي جلسات محدودة لا تؤثر على قيامه بنصابه في المستشفى الجامعي، ثم بالغ بعضهم في استغلال هذا السماح حتى أصبحت ممرات المستشفيات الجامعية تكاد تخلو في أوقات الدوام من الاستشاريين إلا من قلة من الأوفياء الأمناء المخلصين الغيورين على المهنة المتألمين مما يحدث. وما هي إلا أشهر وانتقلت عدوى الممارسة الخاطئة للمستشفيات الحكومية غير الجامعية فزادت الصورة تشويها للمهنة وأصبحت حديث المجتمع، وكنت ألقيت باللائمة على المستشفيات الخاصة التي تشغل هؤلاء الأطباء المخالفين وتشجعهم على المخالفة بل وتفسدهم بإغراءات غير نظامية على حساب مرضاهم في المستشفى الحكومي الذي تبناهم ودربهم وعلمهم وصرفت عليهم الدولة -أعزها الله- في الابتعاث والحصول على (البوردات) في مجال تخصصهم ومنحتهم رواتب وبدلات مجزية، ورجوت تلك المستشفيات الخاصة أن تدخل البيوت من أبوابها وإذا أرادت طبيبا حكوميا لشهرته أو مهارته أن تطلبه من جهته بالإعارة أو النقل لتتيح توظيف طبيب آخر يحتل مكانه في المستشفى الحكومي، لكنهم استمروا في سرقة كوادر ووقت المستشفى الحكومي. ولأن الله يمهل ولا يهمل فقد شرب المستشفى الخاص من نفس الكأس فأصبح الطبيب يعمل في أكثر من مستشفى أهلي أو خاص (بعضهم يعمل في أربعة مستشفيات) لأن الجشع والطمع لا يعرفان حدا، وما يحدث الآن هو أن مرضى بعض المستشفيات الخاصة ينتظرون أياما عديدة لرؤية الاستشاري لمعرفة حالتهم أو متابعة إجراء طبي تم منذ أيام، بل الأخطر أن بعض المرضى ينتظر قرار خروجه ولا يحصل عليه لعدم حضور الطبيب، وفي ذلك تعطيل لحق المريض في الخروج وإضافة أعباء مالية عليه دون حق، وحتى لو كان لديه تأمين صحي فإن شركة التأمين تتضرر ويستفيد المستشفى الخاص ماليا دون أدنى حق. مجمل القول أن عمل الأطباء (غير النظامي) في عدة مستشفيات أصبح ضرره شاملا ولا يقتصر على مريض المستشفى الحكومي فقط بل شمل مرضى المستشفيات الخاصة والمستشفيات الخاصة نفسها وشركات التأمين ومهنة الطب والأطباء الشرفاء الأمناء، لأن ما بني على باطل فهو باطل، ويجب التعامل معه بحزم شديد وغرامات رادعة للمخالفين ومن يشغلهم.