عندما تدخل أروقة «ماسبيرو»، لا بد أن تمر على الاستوديو القديم، حيث الراديو الخشبي الكبير، وما تبقى من الميكروفونات، ومن الممتع أن تتجول بين المكاتب التي حملت قصص البرامج، ثم تمر على قاعة البث، حيث صوت الأستاذ فهمي عمر كان يملأ المكان، يُعلّم الجدد ويستدعي الماضي، حتى تشعر بأن كل زاوية من المبنى تُرسل صدى حضوره. ومن صوت الأستاذ، هذا الأثر الأعظم للإعلام المصري على مدى عقود طويلة، لا بد أن ترى - كمستمع أو كصحفي أو إذاعي أو إعلامي- شعاعًا من الأصالة، منعكسًا في كل جيل تعلم منه، يشكل جوهر الرسالة التي حملها، ما يقودك إلى فهم أنه لم يكن مجرد إذاعي فحسب، بل جسر بين الماضي والحاضر، ومقياس أخلاقي ومهني لكل من يمسك الميكروفون اليوم. وُلد شيخ الإذاعيين في السادس من مارس عام 1928 بقرية «الرئيسية»، التابعة لمركز نجع حمادي بمحافظة قنا، في قلب صعيد مصر، في بيئة أصيلة تتسم بالقيم والتقاليد والاعتزاز بالأصل. في طفولته، تشرب من مجالس الكبار فنون الحديث والاستماع، وتعلم أن تكون الكلمة ميثاقاً غليظاً، بينما كانت قرية «الرئيسية» في ذلك الوقت عالماً قائماً بذاته، يعتمد على الزراعة والتجارة، وتسوده علاقات اجتماعية قوية مبنية على الاحترام المتبادل. تلقى تعليمه الأولي في مدارس دشنا وقنا، حيث برز تفوقه وحبه للغة العربية، وحرص على قراءة كل ما يقع تحت يده من كتب ومجلات، مستمعاً بشغف للإذاعة المصرية في بداياتها، ومندهشاً من قدرة المذيعين على نقل الأحداث والمشاعر عبر الأثير، لتكون طفولته مدرسة حقيقية تعلم فيها الصبر والجلد، الصفتان اللتان صنعتا منه لاحقاً أسطورة إذاعية لا تلين أمام الصعاب. بعد حصوله على الشهادة الثانوية، انتقل إلى مدينة الإسكندرية، والتحق بكلية الحقوق بجامعة فاروق الأول، وأتاح له هذا التنقل في مدينة واسعة الأفق الفرصة لتوسيع مداركه الثقافية واللغوية، وكان حلمه أن يصبح وكيل نيابة ثم قاضياً، لكن الصدفة قادته إلى الإذاعة المصرية، بعد قراءته إعلاناً عن طلبها مذيعين جدد، فتقدم للاختبارات التي خضع لها أمام لجنة ضمت عمالقة مثل محمد محمود شعبان وحافظ بدوي. ورغم أن لهجته الصعيدية شكلت عائقاً، لم يستسلم، حيث عمل على إتقان اللغة العربية الفصحى بلكنة رصينة، حتى تم تعيينه رسمياً في عام 1950، ويبدأ رحلة الألف ميل مع الميكروفون. في فجر 23 يوليو 1952، كان «الأستاذ» المذيع المسؤول عن استوديو الإذاعة في شارع الشريفين، واستقبل بفخر بيان الثورة الذي أذاعه محمد أنور السادات، ليكون شاهداً على ولادة الجمهورية، وتظل تلك اللحظات محفورة في ذاكرته، يعيد روايتها بفخر واعتزاز بالدور الوطني الذي لعبته الإذاعة المصرية في دعم حركة الضباط الأحرار، ونقل صوتهم للشعب. بعد الثورة، أطلق برنامج «ساعة لقلبك» عام 1953، الذي أصبح مدرسة فنية للكوميديا، حيث اكتشف وقدم أجيالاً من الفنانين الكبار، مثل فؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي ومحمد عوض وخيرية أحمد وأمين الهنيدي ونبيلة السيد، وكان هو المايسترو الذي يدير هذه الكوكبة، يكتب أحياناً ويخرج أحياناً، ويقدمهم بأسلوب يجمع بين الجدية والفكاهة. كان «ساعة لقلبك» مدرسة للشخصيات الكوميدية التي أثرت في الثقافة الشعبية، بناءً متكاملًا لوعي ساخر، ومعملًا إذاعيًا أعاد تشكيل العلاقة بين الكوميديا والواقع، وجعل من الصوت أداة قراءة اجتماعية بقدر ما هو أداة إمتاع. في هذا النسق المتكامل، تشكّلت الشخصيات الكاريكاتيرية كرموز مكثفة لطبائع إنسانية، وسلوكيات يومية يعرفها المستمع، ويصطدم بها في حياته العادية. في مركز هذا التكوين، وقف «شيخ الإذاعيين» العقل المنظّم والإيقاع الخفي، المشرف الذي يرى ما وراء النكتة، والمقدّم الذي يدير الحوار بوعي المخرج أكثر من حياد المذيع. كان ينسج الشخصيات، كما تُنسج الحكايات الشعبية، بخيط من الواقع وخيط من المبالغة، مع حرص دائم على أن تظل البسمة مشبعة بدلالة، والضحكة قادرة على كشف المستور. وظهرت شخصيتا «الخواجة بيجو» التي أداها فؤاد راتب، و«أبو لمعة» بصوت محمد أحمد المصري، كثنائية شديدة الذكاء، صراع ساخر بين الفهلوة المصرية المتجذرة، وصورة الآخر الأجنبي كما يتخيله الوعي الشعبي. الحوار بينهما لم يكن تبادل قفشات، بل لعبة مرايا تعكس مفاهيم الزيف والادعاء، وتضحك المستمع من ذاته قبل أن تضحكه من الآخر. إلى جوار هذه الثنائية، تشكّل طيف واسع من الشخصيات التي منحت البرنامج عمقه وتنوعه: «الدكتور شديد» بأداء محمد فرحات عمر بنبرته الملتوية، و«المعلم شكل» بصوت محمد يوسف القادم من قلب الحارة، و«فتلة» التي قدّمها أحمد الحداد بطاقة جسدية وصوتية قريبة من المزاج الشعبي. كل شخصية بدت كأنها قطعة في فسيفساء اجتماعية واسعة، لا تكتمل الصورة إلا بها. في رؤية «الأستاذ» هؤلاء لم يكونوا مجرد مؤدين، كانوا «جنود بهجة» يحملون مهمة ثقيلة في زمن صعب، مهمة تخفيف وطأة اليومي، وتحويل الضحك إلى فعل مقاومة ناعمة. لهذا وفر لهم نصوصًا مشغولة بعناية، وإخراجًا منضبط الإيقاع، ومساحة حرية تجعل الأداء حيًا وغير مصطنع. هكذا خرج البرنامج من حدود النكتة العابرة إلى أفق كوميديا الموقف، ذلك النوع من الضحك الذي يترسخ في الذاكرة، ويظل قادرًا على الحياة حتى بعد انطفاء الصوت. في مجال الرياضة، ابتكر فقرة «الساعة السابعة وخمس دقائق»، التي أصبحت موعداً مقدساً لعشاق كرة القدم في مصر، يقدم فيها ملخصاً لأحداث المباريات، وتحليلاً فنياً دقيقاً بأسلوب أدبي راقٍ، مؤسساً إذاعة «الشباب والرياضة» عام 1975، لتكون أول إذاعة متخصصة في الشأن الرياضي والشبابي في الوطن العربي، ومؤكداً أن الرياضة وسيلة لبناء الإنسان وتهذيب الأخلاق، وأرسى قواعد التعليق الرياضي والتحليل الكروي، مراعياً الحياد والموضوعية، ومرتكزاً على اللغة العربية السليمة. قدّم «الأستاذ» نموذجًا مختلفًا للتعليق الإذاعي، قراءة أخلاقية للعبة قبل كونها وصفًا لحركة أو نتيجة. نظر إلى الرياضة كمساحة لتهذيب النفس العامة، وتدريب غير مباشر على الانضباط والروح الرياضية، فابتعد خطابه عن كل تعبير قابل لإشعال التعصب، واختار لغة هادئة تضع المنافسة في إطارها الإنساني. خلال مباريات القمة بين النادي الأهلي ونادي الزمالك، بدا صوته أقرب إلى ميزان دقيق، يمنح التقدير المستحق للأداء الجيد أيًا كان مصدره، ويقرأ المباراة بعين تعرف التاريخ وتفهم اللحظة. في تعليقه، بدا الماضي حاضرًا عبر استدعاء مسيرة الأندية، وسير اللاعبين، وتحولات اللعب، فتحوّل الاستماع إلى تجربة معرفية، وجبة ثقافية مشبعة بالمعنى. كان يؤمن بأن المذيع الرياضي صاحب معرفة شاملة، وإلمام بقوانين اللعبة، وإحاطة بظروف اللاعبين، وفهم لنفسية الجماهير، ووعي بتأثير الكلمة في المزاج العام. بهذه الرؤية، ارتقى التعليق الإذاعي إلى فن مستقل، خطاب قادر على المنافسة من حيث الجاذبية والتأثير، مستندًا إلى الصوت والمعرفة والاتزان. لم يقتصر دوره على الترفيه والتحليل الرياضي، بل كان مثقفاً يقترب من كبار الأدباء والفنانين، مثل عباس محمود العقاد الذي كان يثق في قدرته على نقل أفكاره للجمهور بدقة وأمانة، وأم كلثوم التي كان المذيع المفضل لديها لتقديم حفلاتها الشهرية، وعبد الحليم حافظ الذي دعمه في بداياته، وظل صديقاً وفياً له، مقدمًا له الدعم والتشجيع عبر برامج الإذاعة. تدرج في المناصب حتى وصل إلى رئاسة الإذاعة المصرية بين 1982 و1988، فعمل على تطوير الإذاعات المحلية، لتكون صوتاً حقيقياً للأقاليم. كما حرص على تحديث الاستوديوهات وتدريب الكوادر الشابة، مؤكداً أن «المذيع هو مثقف قبل أن يكون صوتاً»، وواصل تطوير الإعلام الإقليمي من الإسكندرية إلى أسوان، ليكون قناة للتنمية الثقافية والمجتمعية، محافظة على التراث الشعبي. من اللحظات التي يلتقي فيها الإنساني بالوطني، وتتشابك فيها المهنة مع المعنى العام، تبرز محطة «قطار الرحمة» علامة حاسمة في سيرة فهمي عمر، تجربة كاشفة لمعنى الصوت العام حين يتحول إلى طاقة فاعلة، وحين تغادر الكلمة حدود الأثير، لتستقر في ضمير الجماعة. في أعقاب يوليو 1952، ومع تشكل وعي جديد بفكرة العدالة الاجتماعية والتكافل، انطلق القطار جامعًا التبرعات للفلسطينيين المهجّرين، ممتدًا في الوقت نفسه إلى أقاليم مصر المثقلة بالفقر. في هذا المسار الطويل، كان فهمي عمر حاضرًا صوتًا مرافقًا للرحلة، عابرًا بالمحطات من الشمال إلى الجنوب، حاملًا رسالة تتجاوز التعريف بالمبادرة إلى استنهاض الإحساس بالمسؤولية المشتركة. الرحلة جمعت رموزًا كبرى من فناني مصر في ذلك الزمن، أسماء كانت كفيلة وحدها بتحريك الشارع: يوسف وهبي بثقله الرمزي، وليلى مراد بصوتها الممزوج بالعاطفة، ومحمد فوزي بحيويته الفنية، وشادية بحضورها القريب من الناس. وسط هذا الزخم، تولّى فهمي عمر إجراء اللقاءات الإذاعية الحية من فوق أرصفة المحطات، محولًا الضجيج اليومي إلى خطاب عام، والدقائق العابرة إلى فعل وطني. في شهادته عن تلك الأيام، يتوقف «الأستاذ» أمام مشهد التلاحم الشعبي، سباق الناس إلى العطاء، اندفاعهم لتقديم ما في أيديهم دعمًا لفلسطين، مشاركة صادقة في تخفيف أوجاع الداخل المصري. التجربة شكّلت اختبارًا قاسيًا ومكثفًا، تعلّم خلاله كيف يصبح الإعلام أداة تحريك اجتماعي، وكيف يتحول الصوت الصادق إلى جسر يصل بين الناس ومعنى الوطن، فاتحًا أفقًا أوسع لفكرة البناء المشترك. بعد التقاعد، دخل العمل السياسي ممثلاً لدائرة نجع حمادي في مجلس الشعب، حيث لم يكتفِ بإلقاء الخطب، بل عمل بصمت لتوفير الخدمات الأساسية، وإنشاء المدارس والمراكز الصحية ومرافق الصرف والكهرباء، مدافعاً عن حقوق الفلاحين والعمال، حتى لُقب ب«حكيم البرلمان» و«عمدة الإذاعيين». كان يرى في العمل السياسي امتداداً لرسالته الإعلامية، وخدمة للوطن والمواطنين. حياته الشخصية كانت نموذجاً للوفاء والمودة، حيث كان متزوجاً من ابنة عمه لأكثر من ستين عاماً، وأباً وجداً حنوناً، حافظ على تواضعه وبساطته رغم شهرته، وحرص على تعليم أبنائه وأحفاده قيم الصدق والأمانة والاعتزاز بالأصل، مؤكداً أن «الأصل هو الذي يبقى». كما ترك إرثاً كتابياً غنياً عبر مؤلفاته مثل «نصف قرن مع الميكروفون»، الذي صدر عن دار المعارف، موثقاً التاريخ الإذاعي المصري، وعلاقاته مع العمالقة في الفن والأدب والسياسة، حيث جمع بين الدقة التاريخية واللمسة الإنسانية. عاش «الأستاذ» حروب مصر الحديثة، من نكسة 1967 إلى نصر أكتوبر 1973، مشاركاً في إعادة بناء الروح المعنوية عبر الإذاعة، ناقلاً أخبار الجيش والبطولات، وموثّقاً اللحظات التاريخية. في أيامه الأخيرة، حافظ على ذاكرته القوية وحبه للحياة والعمل، وقدم وصاياه للأجيال الجديدة من الإعلاميين، مؤكدًا أهمية الثقافة واللغة السليمة والمصداقية، وحب الوطن، معتبراً الإعلام رسالة سامية لا تتجزأ عن المسؤولية الاجتماعية، وموصياً بالاستماع قبل الكلام، والاحترام كأساس لكل حوار ناجح. رحل شيخ الإذاعيين في السادس والعشرين من فبراير 2026 تاركاً إرثاً إعلامياً وسياسياً وإنسانياً هائلاً، وذكراه محفورة في ذاكرة المصريين كصوت للحق والجمال والبهجة، وجبل شامخ في الإعلام المصري، وسيظل تاريخه منارة لكل من يطمح للعمل في مجال الإعلام، ودرساً في الوطنية والأمانة والوفاء للأصل والرسالة، قصة وطنية تتجسد في صوت إنسان خالد في الذاكرة، متجذر في القلب. تمثل سيرة فهمي عمر ملحمة كفاح وصعود، حكاية إنسان آمن بموهبته، وأخلص لمهنته، وربط صوته بالوطن منذ البدايات الأولى. من قرية صغيرة في صعيد مصر، شق طريقه بثبات نحو قمة المشهد الإذاعي والبرلماني، معتمدًا على الصبر، وقوة الاحتمال، واتساع الثقافة، وإيمان راسخ بقيمة المعرفة والعمل. كان مدرسة قائمة بذاتها في الإعلام، نموذجًا يُحتذى في الممارسة العامة، عنوانًا للاتزان في الرياضة، وصوتًا يحمل معنى القدوة في الشأن العام. علّم أجيالًا كاملة أن الكلمة مسؤولية، وأن الصوت أمانة، وأن الشهرة اختبار للوفاء للجذور لا مبررًا للابتعاد عنها. ظل قريبًا من الناس مهما اتسعت دائرة حضوره، محافظًا على بساطة الأصل ونبل الرسالة. في رحاب الرحمة الإلهية يستقر الجسد، وفي وجدان الوطن تستقر السيرة، حكاية إخلاص وتفانٍ وتميز، تُروى جيلًا بعد جيل بوصفها درسًا ومعنى صادقًا للعطاء العام.