ثمة أرواحٌ لا تُقاس بأعمارها، بل بأثرها الذي يمتد في شرايين المكان والناس، حتى يصير جزءا من هوية المدينة نفسها. وحين يرحل صاحب هذا الأثر، لا تفقد الأرض إنسانا وحسب، بل تفقد معنىً كان يسري في أزقتها وبيوتها ومجالسها، معنىً اسمه العطاء بلا حساب. يوم الأحد، التاسع عشر من أبريل، أسلمت الخالة قوت القعيط الشمري روحها إلى بارئها، بعد عامين قضتهما طريحة الفراش في صراع مع مرض أنهك جسدها، لكنه لم يُنهك ذكراها، ولم يمحُ من صدور أهل حائل ذلك الحب العميق الذي زرعته فيهم على مدى عقود من الكرم والإحسان. لم تكن قوت - رحمها الله - امرأةً عابرة في سيرة هذه المدينة العريقة. كانت مؤسسة بذاتها، مؤسسة لا تحمل لافتة ولا سجلا تجاريا، بل تحمل قلبا واسعا لا يعرف الضيق، ويدا ممدودة لا تعرف الانقباض. أطلق عليها أهل حائل، حاضرتها وباديتها على السواء، لقب «أم الأيتام»، وهو لقبٌ لا يُمنح بمرسوم ولا يُنال بوجاهة، بل يُكتسب بدموع اليتيم حين يجد من يمسحها، وبجوع المحتاج حين يجد من يسدّه، وبوحشة الغريب حين يجد من يؤنسها. كانت قوت تذهب بنفسها تتفقد جيرانها، لا تنتظر أن يأتيها السائل، بل تسعى هي إلى أبوابهم. تطرقها بلطف من يعرف أن الكرامة أغلى من اللقمة، فتُقدم العون وكأنه واجبٌ عليها لا مِنّةٌ منها. لم تفرق يوما بين سعودي وأجنبي، ولم تسأل الجائع عن هويته قبل أن تُطعمه. كان عطاؤها كالمطر لا يختار أرضا دون أرض، ولا يسأل الزهرة عن نسبها قبل أن يسقيها. وإن لم تجد الكثير، وكثيرا ما لم تجد، صنعت من القليل كثيرا. تلك هي عبقرية الكرم الحقيقي، ليست في وفرة ما تملك، بل في سخاء ما تبذل حين لا تملك. كلمتها الطيبة كانت تسبق يدها، ودعواتها كانت تلاحق كل من أحسنت إليه كأنها تستكثر على نفسها فضل الإحسان وترده إلى الله. كانت قوت دبلوماسية بالفطرة، رفيعة الطبع من غير تكلف، حصيفة الرأي من غير ادعاء. تجمع القلوب المتنافرة بكلمة، وتُطفئ نار الخلاف بابتسامة. عرفها أهل حائل جميعا، واتفقوا على حبها، وقلما يتفق الناس على حب أحد إلا إذا كان ذلك الأحد قد أحبهم أولا بصدق لا رياء فيه. ولعل أعظم ما تركته هذه المرأة الاستثنائية ليس ما بذلته من مال أو طعام، بل ما غرسته في أبنائها وبناتها من قيم، حملوها وارتقوا بها في سلالم العلم وخدمة الوطن. فقد دفعتهم بعزيمة الأم الحكيمة نحو التعلّم والبناء، فكانوا خير خلف لخير سلف، يحملون في أرواحهم شيئا من نورها، وفي سلوكهم شيئا من نبلها. اليوم، تفقد حائل لبنةً من لبناتها الأصيلة، وإنسانةً عظيمة تركت بصماتها في كل بيت عرفها، وكل قلبٍ أحبها. لكن العزاء، كل العزاء، أن من يزرع الحب في القلوب لا يموت حقا، بل ينتقل من دار الفناء إلى دار البقاء، وتبقى سيرته حيّةً تُروى في المجالس وتُحكى للأجيال. رحم الله الخالة قوت القعيط الشمري أم بدر رحمةً واسعة، وأسكنها فسيح جناته، وألهم ذويها ومحبيها الصبر والسلوان. ورحم الله كل يدٍ امتدت بخير، ولم تنتظر شكرا، فتلك هي الأيادي التي تُبنى بها الأوطان حقا. ولا يسعنا أن نقول إلا «إنّا لله وإنّا إليه راجعون».