في تحول سياسي لافت يعكس محاولة استعادة القرار السيادي وسط تعقيدات الحرب، أعلن الرئيس اللبناني جوزيف عون إطلاق مسار تفاوضي مباشر مع إسرائيل، في خطوة توصف بأنها الأكثر جرأة منذ اندلاع المواجهات الأخيرة، وتأتي على وقع هدنة هشة وضغوط داخلية وخارجية متزايدة. وأوضح عون أن المفاوضات ستُدار عبر وفد رسمي برئاسة سيمون كرم، مشدداً على أن لبنان "لن يقبل بأي بديل عن تمثيله المباشر"، في إشارة واضحة إلى سعي الدولة لتكريس احتكارها لقرار الحرب والسلم، وإعادة تثبيت موقعها كمرجعية وحيدة في إدارة الملف مع إسرائيل. التحرك اللبناني يتزامن مع هدنة مؤقتة لمدة 10 أيام، أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عقب اتصالات مكثفة، في محاولة لاحتواء التصعيد بين إسرائيل وحزب الله، الذي أسفر منذ الثاني من مارس عن سقوط آلاف الضحايا ونزوح واسع، خصوصاً من مناطق الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت. لكن هذا الخيار لا يخلو من تعقيدات داخلية، إذ يواجه معارضة من حزب الله الذي أعلن التزامه المشروط بالهدنة، لكنه رفض التفاوض المباشر "تحت النار"، معتبراً أن أي اتفاق لا يحظى بإجماع وطني لن يكون ملزماً له، مما يعكس استمرار الانقسام حول إدارة الصراع وحدود التسوية الممكنة. ميدانياً، تبقى الوقائع أكثر صلابة من المسار السياسي، في ظل استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي داخل عمق الجنوب، وسعي تل أبيب لفرض منطقة عازلة، الأمر الذي يضع المفاوضات أمام اختبار مبكر بين الطموح السياسي والتوازنات العسكرية. في المحصلة، يحاول لبنان عبر هذا التحرك استعادة زمام المبادرة بعد أشهر من الانكفاء تحت ضغط الحرب، واضعاً نفسه أمام خيار دقيق: إما تحويل التفاوض إلى مدخل فعلي لفرض الاستقرار واستعادة السيادة، أو مواجهة خطر انهيار المسار تحت وطأة الانقسام الداخلي واستمرار التصعيد.