لم يعد استقرار الشرق الأوسط مسألة سياسية تخص دول المنطقة وحدها، بل أصبح عنصرًا مؤثرًا في معادلة النمو العالمي. فالأسواق الدولية، منذ عقود، تسعّر ما يُعرف ب"علاوة المخاطر الجيوسياسية" ضمن أسعار الطاقة والشحن والتأمين البحري، في انعكاس مباشر لحساسية المنطقة باعتبارها مركزًا رئيسيًا لإنتاج النفط والغاز وممرًا استراتيجيًا للتجارة العالمية. وفق وكالة الطاقة الدولية، تنتج دول الشرق الأوسط نحو 31 % من النفط العالمي و18 % من الغاز الطبيعي. هذا الوزن الإنتاجي يجعل أي توتر إقليمي عاملًا مؤثرًا فورًا في الأسعار. وتشير تقديرات محللين اقتصاديين يستشهد بها صندوق النقد الدولي في تقارير آفاق الاقتصاد العالمي إلى أن التوترات الجيوسياسية قد تضيف ما بين 5 إلى 10 دولارات كعلاوة مخاطر على سعر برميل النفط. إزالة هذه العلاوة، في حال تحقق استقرار مستدام، لا تعني فقط انخفاضًا في أسعار الوقود، بل تمتد آثارها إلى تكاليف النقل والإنتاج الصناعي وسلاسل الإمداد عالميًا. وتُظهر نماذج الصندوق أن انخفاض أسعار النفط بنسبة 10 % يمكن أن يرفع نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 0.1 % إلى 0.2 %، وهو أثر يبدو محدودًا رقميًا، لكنه كبير في اقتصاد عالمي بحجم عشرات التريليونات من الدولارات. ولا يقتصر تأثير الاستقرار على الطاقة وحدها. فقرابة ربع التجارة البحرية العالمية تمر عبر مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس. وقد أظهرت أزمة البحر الأحمر الأخيرة كيف يمكن لاضطراب محدود جغرافيًا أن يرفع تكاليف الشحن بين آسيا وأوروبا بأكثر من 200 % في بعض الفترات، وفق بيانات البنك الدولي. مثل هذه الارتفاعات تنعكس سريعًا على أسعار الغذاء والسلع الاستهلاكية والصناعية، وتضغط على معدلات التضخم في اقتصادات بعيدة جغرافيًا عن المنطقة. في المقابل، يفتح الاستقرار المجال أمام تفعيل مشاريع الربط الإقليمي التي تعيد رسم خريطة التجارة العالمية. فالممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، الذي أُعلن عنه خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي عام 2023، يُتوقع أن يجعل حركة التجارة أسرع بنحو 40 % وأقل تكلفة بنحو 30 % مقارنة بالمسارات التقليدية، وفق تقديرات أولية. هذا التسريع لا يعني فقط تقليص زمن الشحن، بل تقصير دورة رأس المال للمصانع العالمية، وخفض تكاليف التمويل، وتعزيز القدرة التنافسية. وفي سياق أمن الطاقة الأوروبي، يُطرح في الأدبيات الجيو-اقتصادية مشروع خط أنابيب غاز يربط قطر مرورًا بالسعودية والأردن وسوريا وصولًا إلى تركيا ومنها إلى أوروبا. في بيئة مستقرة، يمكن لمثل هذا المشروع أن يوفر مسارًا بريًا منخفض التكلفة مقارنة بالغاز المسال، ويحد من تكاليف التسييل وإعادة التغويز والشحن البحري، بما ينعكس على استقرار أسعار الغاز في الأسواق الأوروبية ويعزز تنويع مصادر الإمداد. يتزامن ذلك مع تحول اقتصادي أوسع داخل المنطقة. فصندوق النقد الدولي يشير في تقاريره الإقليمية إلى تسارع الاستثمارات الخليجية في القطاعات غير النفطية، من الصناعة إلى التكنولوجيا والسياحة. الاستقرار الإقليمي من شأنه أن يحفز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، ويحول المنطقة من سوق عالية المخاطر إلى مركز جذب استثماري، خصوصًا في ظل التوجه نحو إنتاج الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة، وهو ما تعتبره وكالة الطاقة الدولية عنصرًا محوريًا في التحول العالمي نحو اقتصاد منخفض الكربون. من هذا المنظور، فإن استقرار الشرق الأوسط لا يمثل مكسبًا سياسيًا بقدر ما يشكل متغيرًا اقتصاديًا عالميًا. فكل دولار يُزال من علاوة المخاطر، وكل يوم يُختصر من زمن الشحن، ينعكس على تكلفة الإنتاج في مصانع آسيا وأوروبا، وعلى معدلات التضخم، وعلى ثقة المستثمرين في الأسواق العالمية. في عالم مترابط اقتصاديًا، يصبح استقرار العقدة الجغرافية التي تربط القارات الثلاث عاملًا مضاعفًا للنمو، يتجاوز حدوده الإقليمية ليؤثر في معادلة الاقتصاد الدولي بأكملها. عبدالله القطان