لم تعد القهوة السعودية مشروبًا يتصدر المجالس في الحياة اليومية داخل المجتمع السعودي فحسب، بل أصبحت أيضًا علامة على هوية هذا المجتمع التي تمتد إلى أكثر من ثلاثة قرون ، وتشابكت مع تاريخ الدولة السعودية طوال هذه القرون. ومع إعلان المملكة العربية السعودية العام 2022 عامًا للقهوة السعودية، ثم اعتماد هذا المسمى رسميًا، برزت الحاجة إلى قراءة تراث القهوة السعودية بوصفه جزءًا من الذاكرة الوطنية الحيَّة، وركنًا من أركان الثقافة السعودية التي صاغتها التجربة التاريخية، وتناقلتها الأجيال، وتعبر عن نفسها في ممارسات القهوة في الحياة اليومية. ومن هذا المنطلق يأتي كتاب «القهوة السعودية: تاريخ وشواهد، قصة القهوة السعودية خلال ثلاثة قرون»، لمؤلفه يوسف بن عبد الرحمن الشارخ، والكتاب - كما يتضح من عنوانه الفرعي – عمل يوثق المسار التاريخي والاجتماعي للقهوة السعودية، ويعيد تتبع المسار التاريخي الطويل لهذا التراث، من لحظات تشكل بداياته الأولى التي يمكن تبينها قبل بداية العهد السعودي، مرورًا بتبلوره في الدرعية، ثم اكتمال ملامحه في عهد المؤسس الملك عبد العزيز، وصولًا إلى حضوره الراهن بوصفه عنصرًا حيًا في الحياة اليومية، ومكونًا ثقافيًا، أخذ يتجاوز حدود المكان إلى فضاء عالمي أوسع مع المشروعات الاقتصادية، والثقافيّة، والاجتماعية، والسياحية الكبري الطموحة المرتبطة بالقهوة وتراثها الثقافي والاجتماعي من القيم، والتقاليد، والكتابات الأدبية بحيث أصبحت المملكة تملك وتدير ما يمكن تسميته بالمفهوم الواسع "اقتصاد القهوة". ويقدّم الكتاب القهوة السعودية باعتبارات متعددة، بوصفها تقليد ضيافة راسخ، له ممارسات تجسد تقاليد اجتماعية وقيم ثقافيّة أصيلة، وبوصفها نصًا اجتماعيًا مفتوحًا على التاريخ، والأدب، والاقتصاد، ورموز الثقافة، تتقاطع فيه دلالات الكرم والتسامح والحماية والانتماء والوجاهة، وتتجاور فيها الشواهد التاريخية مع الذاكرة الشعبية، في سردٍ يحاول أن ينصت إلى تفاصيل التجربة كما حفظتها المصادر التاريخية والأدبية، ورآها الرحالة، وعبّر عنها شعراء العامية السعوديون منذ مدار القرون الثلاثة الأخيرة. ويستند المؤلف إلى منهج السرد التاريخي المتسلسل، جامعًا ما تفرق من الشواهد في بطون الكتب والمصادر، ليعيد تركيب الصورة الكبرى للقهوة السعودية ضمن سياقها الاجتماعي والسياسي والثقافي، مع مراجعة التصورات الشائعة حولها، والإنصات إلى ما قاله عنها المؤرخون والرحالة والدبلوماسيون والباحثون المعاصرون. ويضم الكتاب ثمانية فصول تتوزع على محطات هذا التاريخ؛ من القهوة قبل العهد السعودي، إلى حضورها في الدولة السعودية الأولى والثانية، ثم في عهد الملك عبد العزيز، ودور العقيلات في تجارة البن، وشبكات الأسواق والمواصلات، وصورة القهوة في أعين الرحالة والدبلوماسيين، ثم دلالاتها في المعاملة اليومية والشعر الشعبي. بهذا المعنى، لا يكتفي الكتاب بتوثيق تاريخ القهوة السعودية، بل يقدّمها بوصفها ذاكرةً ثقافية تختصر علاقة المجتمع بنفسه، وتكشف كيف تحوّل فنجان القهوة إلى شاهدٍ على التاريخ، وملمح من ملامح شخصية المجتمع، وعنوانٍ لحضورٍ سعوديٍّ أصيلٍ في الماضي والحاضر معًا. يوسف الشارخ