من أقدم الشبهات التي أثيرت حول مصدر القرآن، دعوى أن محمدًا صلى الله عليه وسلم تلقّى هذا الكلام عن معلّم من البشر، ثم نسبه إلى الوحي. ويتناول الدكتور محمد عبدالله دراز هذه الدعوى لا بالاكتفاء برفضها، بل بتفكيكها من داخلها، وبيان ما تنطوي عليه من اضطراب وتناقض. فأول ما يُسأل عنه أصحاب هذه الدعوى: من هو هذا المعلّم؟ إذ لا يكفي الادعاء المجمل في قضية خطيرة كهذه، بل لا بد من تعيين الشخص، وبيان قدرته، ولغته، وثقافته، ومدى اتصاله بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكيف خفي أمره عن أعدائه قبل أصحابه. وقد عجز المعاندون قديمًا وحديثًا عن تقديم اسم واحد يصمد أمام الفحص التاريخي الجاد. ثم إن البيئة التي عاش فيها النبي صلى الله عليه وسلم كانت بيئة مكشوفة، تراقب حركاته وسكناته، وتتربص به أدنى زلة. ولو كان يتلقى عن معلّم، لكان ذلك أول ما يُستثمر للطعن فيه، لا مجرد تلميحات عامة متناقضة. وقد تنوعت أقوالهم في هذا الباب تنوعًا يكشف عجزهم؛ فتارة يرمونه بالكهانة، وتارة بالشعر، وتارة بالتعلم من أهل الكتاب، دون أن يستقروا على قول واحد. بالإضافة إلى أن مضمون القرآن نفسه ينقض هذه الدعوى؛ فالقرآن لا يعكس ثقافة شخص واحد، ولا مدرسة معينة، بل يشتمل على تشريع، وقصص، وجدال عقدي، وبناء أخلاقي، ولغة بيانية معجزة، في نسق واحد متماسك. فافتراض معلّم بشري قادر على إنتاج هذا كله، ثم اختفائه التام، افتراض أبعد عن العقل من الإيمان بالوحي. كما أن القرآن لا يتردد في تصحيح ما حرّفه أهل الكتاب، وكشف ما كتموه، وهو موقف لا يصدر عادة عن تلميذ تجاه معلمه، بل عن مصدر أعلى يملك ميزان الحق. وهكذا تنقلب الدعوى على أصحابها، وتتحول من شبهة إلى دليل على أن القرآن ليس مأخوذًا عن بشر، بل صادر عن علم إلهي مستقل.