يمثل صلح الحديبية نموذجًا بالغ الدلالة على الفرق بين التدبير البشري للنبي صلى الله عليه وسلم، وبين التوجيه الإلهي الذي كان يصحح هذا التدبير أو يسمو به إلى أفق أوسع. ففي ظاهر الأمر، بدا الصلح مجحفًا بالمسلمين، صادمًا لتوقعاتهم، ومخالفًا لما ألفوه من نصر ظاهر، حتى شقّ ذلك على كبار الصحابة أنفسهم. ويُبرز الدكتور محمد عبدالله دراز في كتابه أن موقف النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية لم يكن موقف واضع تشريع أو مؤلف نص، بل موقف عبدٍ ممتثل لوحي، وإن خفي عليه وجه الحكمة الكامل في لحظته الأولى. فقد قبل بشروط الصلح رغم ما فيها من تنازلات شكلية، لأن التوجيه الإلهي كان حاضرًا، وإن لم يُكشف سره بعد. ويكشف القرآن لاحقًا هذا السر في وصف الصلح بأنه فتح مبين، وهو توصيف لم يكن يخطر ببال العقل السياسي المباشر. فالنصر هنا لم يكن نصر سيف، بل نصر مآلات، ونصر تثبيت للدعوة، وكسر للحاجز النفسي بين الإسلام وخصومه، وفتح لباب الانتشار السلمي. ويؤكد دراز أن هذا المشهد يكشف بوضوح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يسوق القرآن لتبرير قراراته، بل كان القرآن يأتي أحيانًا مصححًا لفهم الناس للأحداث، لا مبررًا لها وقت وقوعها. فلو كان النص تابعًا للاجتهاد البشري، لنزل حينها مفسرًا ومهدئًا، لا بعد انقضاء الحدث وظهور آثاره. كما يظهر في الحديبية بُعد تربوي عميق؛ إذ يُعلّم القرآن الأمة أن الموازين الإلهية أوسع من الرؤية العاجلة، وأن الهزيمة الظاهرة قد تكون فتحًا حقيقيًا، وأن طاعة الوحي مقدمة على اندفاع العاطفة. يتجلى صلح الحديبية شاهدًا عمليًا على أن القرآن يقود الواقع ولا يُقاد به، ويُفسر التاريخ بدل أن يكون انعكاسًا له.