مع دخول شهر رمضان، في كل عام، يعود الجدل التعليمي إلى الواجهة، حول طبيعة اليوم الدراسي وجدواه، وحول التوازن بين الانضباط المدرسي ومراعاة خصوصية هذا الشهر. القضية لم تعد مجرد نقاش عابر في منصات التواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى سؤال جوهري يطرحه أولياء الأمور والطلاب معاً: هل تُدار العملية التعليمية بروح تربوية مرنة، أم بعقلية تنظيمية جامدة لا ترى في الحضور سوى رقم في سجل الغياب. المشهد الذي يتكرر في المدارس يختصر الإشكال. يوم دراسي يُستدعى فيه الطلاب لأداء اختبار في حصة واحدة، ثم تمتد بقية الساعات فراغاً بلا دروس فعلية أو أنشطة تعليمية ذات قيمة. الطلاب ملتزمون بالحضور وفق أنظمة وزارة التعليم، لكنهم لا يتلقون محتوى حقيقياً بعد انتهاء الاختبار. من منظور تربوي بحت، يصبح السؤال مشروعاً: ما جدوى إلزام الطالب بالبقاء ساعات في بيئة لا تقدم تعلماً فعلياً، خصوصاً في شهر تتغير فيه طبيعة الطاقة اليومية والنمط الصحي؟ الإشكالية هنا لا تتعلق برفض الاختبارات، ولا بالتقليل من أهمية الانضباط، بل بإدارة الزمن التعليمي. حين يتحول اليوم الدراسي إلى حضور شكلي، تتآكل قيمة المدرسة في وعي الطالب. ومع تكرار التجربة، يضعف الارتباط النفسي بالعملية التعليمية، ويتعزز الشعور بأن الالتزام المطلوب إداري أكثر منه معرفي. في الجهة الأخرى من الصورة، يبرز ملف الغياب والحرمان. تنص لوائح المواظبة على حد أعلى للغياب في العام الدراسي، وقد يترتب على تجاوزه حرمان الطالب من دخول الاختبارات النهائية، خصوصاً في المرحلة الثانوية. النظام موجود ومعلن، غير أن الاعتراضات المجتمعية لا تستهدف وجوده بقدر ما تنتقد طريقة تطبيقه. فالتعامل الصارم مع النسبة دون قراءة ظروف الطالب الصحية أو الأسرية، أو دون تدخل مبكر لمعالجة أسباب الغياب، يجعل الحرمان يبدو عقوبة نهائية أكثر منه إجراءً إصلاحياً. التساؤل الذي يطرحه كثير من المختصين تربوياً: هل يؤدي الحرمان إلى رفع الانضباط فعلاً، أم يدفع الطالب إلى مزيد من العزلة والشعور بالفشل؟ حين يُهدد الطالب بفقدان حقه في الاختبار، بينما يشعر في الوقت ذاته أن يومه الدراسي غير مستثمر تعليمياً، تتشكل مفارقة تربوية عميقة تضعف الثقة في فلسفة النظام نفسه. ولا يمكن فصل هذه الإشكالات عن سياق أوسع يتعلق بآلية إصدار الخطط التعليمية وتعديلاتها. تتكرر شكاوى من صدور تغييرات في التقويم أو آليات التقييم دون تمهيد كاف أو شرح تفصيلي للميدان. وعندما لا يواكب القرار تدريب شامل وتوضيح دقيق، يظهر ارتباك في التطبيق وتفاوت بين المدارس، ما ينعكس مباشرة على الطالب والأسرة. الأثر النفسي لهذه التراكمات لا يُستهان به. ضعف الدافعية، ارتفاع القلق من الاختبارات، تراجع الشعور بالعدالة، كلها نتائج طبيعية حين يشعر الطالب أن صوته غير مسموع وأن واقعه اليومي لا يُؤخذ في الاعتبار. وفي رمضان تحديداً، تتضاعف حساسية القرارات بحكم التغير في نمط النوم والتغذية، ما يستدعي مرونة أعلى لا انضباطاً أشد. القضية في جوهرها ليست صراعاً بين المجتمع ووزارة التعليم، بل فجوة في الثقة تحتاج إلى ردم. إعادة بناء هذه الثقة لا تتطلب إلغاء الأنظمة أو التراجع عن الانضباط، بل إعادة النظر في فلسفة التطبيق. استثمار حقيقي لليوم الدراسي في فترات الاختبارات، مرونة مدروسة في معالجة الغياب، شفافية أكبر في شرح اللوائح، وإشراك الأسرة في تقييم التقويم الدراسي، كلها خطوات تعيد التوازن بين التنظيم والإنسانية. التعليم ليس جداول حضور وغياب فحسب، بل تجربة متكاملة تُبنى فيها القيم قبل الدرجات. وحين يشعر الطالب أن وقته محترم، وأن النظام يعمل من أجله لا ضده، تتحول المدرسة من التزام ثقيل إلى مساحة تعلم حقيقية. هنا فقط تستعيد المؤسسة التعليمية رسالتها، ويستعيد المجتمع ثقته في أن القرارات تصاغ بروح تربوية تراعي الحالة المجتمعية. مفضي الخمساني