ما زالت روسيا مثلما قال عنها شاعرها الأكبر بوشكين"غير مكتملة". فعلى رغم تفكيك الإتحاد السوفياتي وانكفاء الروس داخل حدودهم"القومية"ظلت أطراف الإمبراطورية السابقة تبصرغلياناً شبه دائم وتقلبات ما فتئت تعدَل ملامح الخريطة الإقليمية. لا بل هي ألقت بظلالها حتى على الأوضاع الداخلية الروسية وكذلك على العلاقات مع الولاياتالمتحدة. وأتت فصول التمرد الأوزبكي الذي خلخل حكم إسلام كاريموف في مثابة مؤشر إلى أن الصيغة التي أرستها أميركا في المنطقة والقائمة على إنهاء الولاء لروسيا من دون تغيير الأنظمة الإستبدادية لا يمكن أن تفضي إلى الإستقرار ولن تمنع حدوث هزات أو أعمال عنف من النوع الذي تضعه واشنطن في خانة"الإرهاب". فقد كان واضحاً أن المتمردين في أنديجان رفعوا مطالب سياسية رمت لإقالة كاريموف وإنهاء مؤسسات نظامه، بدليل أن الهدف الأول للتمرد كان فتح أبواب السجن الكبير وإطلاق المعارضين المحتجزين داخله. وكانت بلدان مجاورة أبصرت انتفاضات مشابهة إلا أن حذر واشنطن من دعمها لم يكن يعادله سوى قلق موسكو ومخاوفها المعلنة من انتقال الشرار إلى الجمهوريات الإسلامية الصغيرة الواقعة في خاصرتها الجنوبية. والمتأمل في خطابات بوش خلال جولته الأخيرة يلحظ الإصرار على تفكيك ما تبقى من"إمبراطورية الشر"السابقة، مع الحرص على عدم قطع شعرة معاوية مع"صديقه"بوتين. فهو تحاشى تقديم دعم علني لطلب الرئيس الجورجي ساكاشفيلي إجلاء القاعدتين الروسيتين من بلده وإن أشاد بجورجيا بوصفها"منارة للديموقراطية"، مؤكدا في الوقت نفسه دعم جهودها لاسترجاع أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. أكثر من ذلك لم يخف بوش تشجيعه لتطوير التعاون بين الحلف الأطلسي وجورجيا مدلَلاً على المضي في محاصرة روسيا بالوصول إلى اتفاقات بين جيرانها و"الأطلسي". لكن العين الأميركية تغدو عن كل عيب استبدادي كليلة كلما قدَم حكام قواعد عسكرية أو تسهيلات لاسرائيل أسوة بكاريموف الذي أهدى واشنطن قاعدة جوية لدعم عملياتها في أفغانستان وللدولة العبرية سفارة في طشقند. ويمكن القول إن بصمة رايس واضحة في السياسة الأميركية الحالية في آسيا الوسطى، فهي تتابع الملف مذ كانت مسؤولة عن شؤون المنظومة السوفياتية سابقاً في مجلس الأمن القومي. وأتى كلامها الأخير عن"مساوئ"الإمبراطورية السوفياتية التي لم تحترم بنود معاهدة يالطا، على ما قالت، دليلاً على أن بوابة الديموقراطية هي مفتاح واشنطن السحري لكسب ود النخب والشعوب التي كانت خاضعة للهيمنة الروسية، فهي أشارت إلى أن المعاهدة نصت على إجراء انتخابات ديموقراطية في المناطق التي كانت من حصة الروس لدى تقاسم النفوذ في نهاية الحرب العالمية الثانية. إلا أن كل حديثها في هذه المسألة انصب على أوروبا الشرقية والوسطى من دون إقامة وزن يذكر للإضطهاد الذي تعرضت له شعوب آسيا الوسطى على أيدي الأنظمة الديكتاتورية. وعلى رغم الحماسة التي تظهرها رايس لنشر الديموقراطية في مناطق مختلفة من العالم ما زالت خطواتها تتسم بالرصانة والمسؤولية مع المستبدين إذا كانوا من الحلفاء في الحرب على الإرهاب ومن أصدقاء اسرائيل. واستطراداً كان في وسع واشنطن أن تقف من أحداث أوزبكستان موقفاً مشابهاً للدعم الذي منحته للمعارضة الأوكرانية أو اللبنانية أو الجورجية، إلا أنها عالجت الموضوع بما لا يعكَر المصالح الإستراتيجية في ذلك البلد الصغير. مع ذلك، لن تتوقف حركات التمرد ضد كريموف وزميله نزارباييف لأن الشعوب الآسيوية التي كانت تتأهب لمعانقة الحرية بعد ابتعاد الروس، وجدت نفسها تحت أحذية الطغاة أنفسهم بعدما استبدلوا شعارات الشيوعية بديماغوجية جديدة. ولأن هناك تداخلاً بين الحدود السياسية والتقسيمات العرقية في وسط آسيا وجنوب القوقاز فإن الظاهرة مرشحة للتوسَع بدليل أن السلطات في أوزبكستان سارعت إلى منع السكان من التقاط الفضائيات الأجنبية في أعقاب التمرد الأخير، معتقدة أنها ستغمض عيونهم وتصمَ آذانهم عن رؤية وسماع ما يجري من حولهم، وبخاصة ما تنقله وسائل الإعلام الأجنبية عن تطورات الأحداث في بلدهم. وفي هذا المناخ ستلعب الحركات الأصولية دوراً بارزاً في المقاومة كما حصل في تمرد أنديجان لأن أجواء العداء لأميركا وتزايد الحضور الإسرائيلي يشحذان المشاعر الدينية، وبذلك ستصل أميركا إلى عكس الأهداف التي رمت لتحقيقها.