كانت الخوارزميات أكثر المفردات تداولًا في أروقة وجلسات المنتدى السعودي للإعلام، وشدّني كثيرًا النقاشات التي دارت حول تأثيرها على الإعلام، إذ تتجاوز الخوارزميات كونها تقنية صامتة في خلفية المنصات الرقمية، لتصبح لاعبًا رئيسًا في تشكيل المزاج العام، وتوجيه الاهتمامات بل وصناعة القناعات، فما يظهر للمستخدم وما يخفى عنه وما يضخم وما يهمش، كل ذلك يخضع لمنطق رياضي تحكمه مصالح وأجندات غير مرئية له في كثير من الأحيان. في ظاهر الأمر، تبدو الخوارزميات كخدمة ذكية تهدف إلى تخصيص المحتوى وتحسين تجربة الوسيلة الإعلامية وعلاقتها مع جمهورها، لكنها في العمق تقوم بدور المحرر الخفي، الذي يقرر أي الأخبار تستحق الانتشار، وأي الآراء يجب أن تبقى حبيسة الظل، ومع مرور الوقت، يتحول هذا التخصيص إلى فقاعات معرفية مغلقة، تعيش فيها الوسيلة. الأخطر من ذلك أن مفاتيح هذه الخوارزميات ليست في أيدي المؤسسات الإعلامية، ولا الصحفيين، ولا حتى الجمهور، بل لدى شركات تقنية عابرة للحدود، تتحكم في تدفقات المعلومات وفق نماذج ربحية بحتة، وهنا تصبح وسائل الإعلام -من حيث لا تدري- تابعةً لإيقاع المنصات، تلهث وراء "الترند"، وتعيد صياغة أولوياتها التحريرية بما يتلاءم مع ما تفضّله الخوارزميات لا مع ما يحتاجه المجتمع! هذا الواقع يطرح سؤالًا جوهريًا: من يصنع أجندة الرأي العام اليوم؟ هل هي غرف الأخبار أم غرف الخوادم؟ فحين تعتمد المؤسسات الإعلامية اعتمادًا شبه كامل على المنصات الاجتماعية للوصول إلى جمهورها، فإنها عمليًا تتنازل عن جزء من سيادتها التحريرية، فقرار إبراز قضية ما أو تغييبها قد لا يكون نابعًا من قيم مهنية، وإنما من معادلات تقنية تقيس التفاعل وزمن المشاهدة وقابلية المشاركة، ومع الوقت، تُعاد هندسة المحتوى ليصبح أكثر إثارة وأقل عمقًا، وأكثر قابلية للاستهلاك السريع، وأبعد عن التحقيقات الجادة والتحليل الرصين. ولا يقف الأمر عند حدود التأثير غير المباشر، فامتلاك الخوارزميات يعني امتلاك القدرة على توجيه السرديات، وتضخيم أصوات بعينها، وإسكات أخرى، وخلق موجات رأي عام قد تكون مصطنعة بالكامل، وفي عالم تتشابك فيه السياسة بالاقتصاد بالإعلام، تصبح هذه القدرة أداة قوة ناعمة هائلة، يمكن توظيفها للتأثير في وعي الجمهور وإعادة رسم صورة الواقع. من هنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته ب"الأرض الصلبة": المنصات الإعلامية المستقلة، والبنية الرقمية الخاصة، وقواعد البيانات المحلية، والعلاقة المباشرة مع الجمهور، فالاستثمار في هذه الأصول ليس ترفًا تقنيًا، بل ضرورة استراتيجية لحماية استقلالية الإعلام، وضمان ألا تتحول المؤسسات الإعلامية إلى مجرد موزّعين لمحتوى تتحكم به أطراف أخرى! الإعلام الذي لا يملك منصته، ولا بيانات جمهوره، ولا أدوات توزيعه، هو إعلام قابل للاختراق والتوجيه، مهما حسنت نواياه! والخوارزميات قد تكون سحابة صيف مغرية، لكنها لا تصلح أساسًا تُبنى عليه رسالة الإعلام، والأساس الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان، والمحتوى، والبنية التحتية، والثقة، وما لم تدرك المؤسسات الإعلامية هذه الحقيقة مبكرًا، فقد تجد نفسها يومًا ما تتحدث بصوت غيرها، وتخدم أجندات لم تخترها!