في حروب الجيل الخامس، لم تعد الرصاصة الأداة الأشد فتكًا بالاستقرار، بل غدت «الاستعارة اللغوية» هي القنبلة الموقوتة التي تُبذر في وعي المواطن لتنفجر قلقًا وارتيابًا.. وهنا تبرز «اللسانيات الأمنية» بوصفها مِجسّنا الاستباقي لرصد هذه الانفجارات قبل وقوعها. إن الإرجاف اليوم ليس مجرد تزييف للحقائق، بل هو عدوانٌ على البناء الإدراكي للمجتمع، غايته خلخلة الثقة وشلُّ القدرة على الفصل بين اليقين والتأويل؛ إذ لا تكمن خطورته في منطوقه المباشر، بقدر ما تكمن في غاياته الخطابية المبيتة؛ إذ يتحول من مجرد خطاب عابر إلى أداة اختراق للأمن الفكري، تُمارَس عبر اللغة، والتوقيت، والتأطير النفسي، واستثمار اللحظات الحرجة، وفي ضوء ذلك، لا يمكن التعامل مع الإرجاف بوصفه مشكلة إعلامية طارئة أو شائعة يمكن نفيها، بل يجب فهمه بوصفه سلوكًا لغويًا منظمًا يسعى إلى إنتاج أثر نفسي ومعرفي مهدد للأمن الفكري، فخطاب المرجفين غالبًا ما يبتعد عن الادعاءات القابلة للتحقق المباشر، ليعتمد بدلاً من ذلك على الإيحاء، والاحتمال والمصدر الغامض، واللغة المشحونة؛ وهي عناصر تجعل من مجرد التكذيب أداة قاصرة، بل قد تتحول في بعض الأحيان إلى عامل تضخيم غير مقصود. ومن هنا، يصبح تحصين المجتمع والوعي العام من الإرجاف مسألة تتجاوز الردود الآنية، لتدخل في نطاق بناء «المناعة الخطابية» وتحقيق الأمن الفكري؛ ببناء حصانة لا تقوم على منع التداول أو مصادرة التعبير، وإنما على تمكين الفرد من قراءة الخطاب بوصفه «بنية» لا بوصفه «خبرًا» فقط، فعندما يتعلم المتلقي كيف يُفكك اللغة، ويُميّز بين المعلومة والتأطير، وبين الخبر والإيحاء، يصبح أقل عرضة للانسياق خلف المرجفين؛ لأن الخطاب يفقد قدرته على العمل في منطقة الغموض والدهشة. ويتحقق هذا التحصين المجتمعي حين يُعاد تشكيل الوعي الجمعي ليصبح مدركًا بأن بعض الخطابات لا تهدف إلى الإخبار، بل إلى إدارة الانفعال، فالإرجاف ينجح حين يُقنع المتلقي بأن ما يُخفى أخطر مما يُدارُ، وأن الصمت المؤسسي دليل تواطؤ، وأن الغموض علامة مؤامرة، فالمعنيُّ ببناء الأمن الفكري يقوم بتفكيك هذه الآليات أمام الناس بلغة عقلانية هادئة، تحوّل الإرجاف من خطاب مُخيف إلى نموذج مكشوف، فاقد للتأثير، ولا يقل تحصينُ الكوادر الأمنية والإعلاميين أهمية عن تحصين المجتمع، بل لعلّه أشدُّ حساسية؛ كون هذه الفئات تمثّل الواجهة الخطابية للدولة ومؤسساتها، فالمختصون في الجهات الأمنية، أو الإعلامية لا تنقل المعلومة فحسب، بل تُسهم في تشكيل الإطار الذي تُفهم من خلاله الأحداث. ومن هنا، فإن تحصينهم لا يكون عبر التعليمات العامة أو التحذيرات، بل عبر تأهيلهم لسانيًا لفهم آليات الاستدراج اللغوي، وكيف يمكن لبعض الردود غير المحسوبة أن تتحول إلى مادة للإرجاف بدلاً من أن تكون أداةً لإخماده، وهنا تضطلع اللسانيات الأمنية بدور محوري؛ إذ تُمكّن هذه الفئات من إدراك أن بعض الخطابات المرجفة تُصاغ خصيصًا لاستفزاز ردود فعل معينة، وأن التحكم في اللغة لا يقل أهمية عن التحكم في المعلومة، فحين تمتلك الجهات الأمنية، والإعلامية ذات الاختصاص وعيًا ببنية الخطاب، تصبح قادرة على الرد بطريقة تُفرغ الرسالة المرجفة من شحنتها، عِوضًا عن إعادة إنتاجها أو توسيع أثرها. أما على مستوى الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي؛ فإن تحويل الأمن الفكري إلى قوة ردع حقيقية يتطلب الانتقال من منطق النفي إلى منطق التفكيك؛ فبينما يكتفي النفي بالإجابة عن سؤال: هل هذا صحيح؟ بينما التفكيك يغوص في أسئلة أعمق: لماذا صِيغ هذا الخطاب بهذه الطريقة؟ وكيف يسعى للتأثير؟ وما هي فرضياته الضمنية حول المتلقي؟. إن هذا التحول يمثل جوهر الردع الفكري؛ لأنه لا يواجه المرجف في محتوى رسالته فقط، بل في بنيتها وآلياتها، وحين يُمارَس هذا التفكيك بشكل منهجي وعلني، يتحول الخطاب المُرجف إلى عبء على مُنتجه، بدلاً من أن يكون أداة قوة، فالجمهور الذي يرى الخطاب وهو يُحلَّل، ويُكشف تلاعبه اللغوي، ويتضح له كيف تُستثمر مخاوفه، يصبح أكثر حصانة وأقل قابلية للتأثر به مستقبلاً. وهنا يتجاوز الأمن الفكري كونه مجرد حالة دفاعية؛ ليصبح أداة «تعطيل واحتواء»، وهذا يفرض توسيع مفهوم الأمن الفكري؛ ليشمل إدارة المعنى في الفضاء العام، لا الاكتفاء بحماية الثوابت، فالأمن الفكري، في هذا السياق، هو القدرة على ضبط السرديات، وتوجيه التأويل، ومنع تشكّل المعاني الخطِرة قبل أن تتحول إلى قناعات راسخة أو سلوكيات عدائية، ومن ثم يصبح الأمن الفكري ممارسة إستراتيجية مستمرة، لا استجابة ظرفية، ويغدو قوة ردع حاسمة ضد للإرجاف. إن الانتقال بالأمن الفكري إلى طور «قوة الردع» يستوجب دمج أدوات تحليل الخطاب في صُلب العمليات الأمنية والسيادية؛ لأن المرجف متى أدرك أن خطابه مرصود ومفكك لسانيًا، وأن أساليبه في التخفي خلف الاستعارات والتلميحات أصبحت مكشوفة، فإنه سيفقد أهم أسلحته وهو «الغموض»، إن اللسانيات الأمنية تمنحنا القدرة على التنبؤ بالتحولات الفكرية قبل مخاضها؛ فكل اضطراب أمني يسبقه دائمًا «اضطراب لغوي» ممهد؛ لذا، فإن رصد أنماط القلق اللغوي وتفكيكها يمثل خط الدفاع الأول، فالأمن الفكري المستدام هو الذي يستطيع مواجهة الإرجاف بلغةٍ أقوى وأكثر إقناعًا، لغةٍ تستند إلى الحقائق، وتُصاغ ببراعة لسانية تسحب البساط من تحت أقدام المرجفين. وفي هذا السياق يمكن للأمن الفكري أن يستثمر باللسانيات الأمنية؛ لتسهم في كشف «البصمة الفكرية» للمرجفين؛ فلكل تيار أو جهة معادية نمط لغوي خاص، واستخدام محدد للمفردات، وطريقة معينة في بناء الحجج الواهية، ومن خلال تحليل هذه البصمات، يمكن للأمن الفكري يفعل الآتي: - تحديد مصادر الإرجاف بدقة. - استشراف أهدافه البعيدة. - صياغة رسائل مضادة تستهدف تفكيك تلك الحجج في مهدها. إن قوة الردع الحقيقية تكمن في إدراك المرجف أن لغته لم تعد مجرد كلمات عابرة، بل غدت «أدلة مادية» تكشف زيفه وتفضح نواياه، وانطلاقًا من التخصص في تحليل الخطاب واللسانيات الأمنية، يمكن بناء إستراتيجية لسانية قابلة للتطبيق، تقوم على المحاور الآتية: - الرصد المبكر، تتبع أنماط الإرجاف. - تحليل التحولات اللغوية، رصد التغيرات في بنية الخطاب الرقمي وتوجهاته. - استخراج المؤشرات اللسانية التي تدل على تصاعد الخطاب المربك أو التحريضي، واستخدامها كأدوات للتدخل الوقائي لا للإدانة فقط. - صناعة الخطاب البديل، إنتاج خطاب عقلاني يُعيد ترتيب الوقائع، ويملأ الفراغ المعرفي الذي يتغذى عليه الإرجاف. يجب أن ندرك أن حماية الأمن الفكري عملية مستمرة تتطلب تطويرًا دائمًا للأدوات، فاللسانيات الأمنية هي الأداة الأكثر حداثة وفاعلية في مواجهة حروب الجيل الخامس التي تعتمد على تزييف الوعي، إن المجتمع المحصن لسانيًّا هو مجتمع يمتلك «مناعة ذاتية» ضد الإرجاف، حيث يصبح كل فرد فيه قادرًا على تمييز الخطاب المسموم ورفضه. إن دمج اللسانيات الأمنية في إستراتيجيات الأمن الوطني ليس مجرد خيار، بل هو مسار إجباري؛ لضمان استقرار الدول وحماية عقول أبنائها من التلاعب، فاللغة هي حصننا الأخير، وباللسانيات الأمنية نجعل من هذا الحصن قوة ردع لا تُقهر في وجه كل من يحاول العبث بأمننا الفكري واستقرارنا المجتمعي. وبهذا، يتضح أن مواجهة الإرجاف لا تكون بالصوت الأعلى، ولا بالإنكار المجرد، بل ببناء وعي لغوي، وتأهيل متخصصين، وتحويل الأمن الفكري إلى منظومة ردع ناعمة، قادرة على كشف الخطاب قبل أن يُصدّق، وتفكيكه قبل أن ينتشر، وإفراغه من أثره قبل أن يُحدث اضطرابه، وبهذا المعنى تصبح اللسانيات الأمنية ليس مجرد إضافة معرفية، بل ركيزة أساسية في تحصين المجتمع، وحماية الوعي، وصيانة الاستقرار.