في رحلة الحياة التعليمية، ما زلتُ أتذكر أيامًا وأحداثًا من دراستنا في الصف الثاني الابتدائي بكل تفاصيلها، ويشاركني في ذلك أغلب زملائي؛ إذ تكوّنت علاقة قوية بين طلاب الصف الثاني الابتدائي، فكلما جمعتنا مناسبة كان حديثنا عن زمالة الصف الثاني الابتدائي في المدرسة السعودية الابتدائية بمحافظة أملج، التي كنا ندرس فيها سويًا عام (1395ه). وسبب هذا التذكّر، رغم مرور سنوات تجاوزت نصف قرن، هو الأثر العميق الذي أحدثه في نفوس طلاب الصف آنذاك المعلم الفاضل الأديب الأستاذ زارع حسين الشريف، بما قدّمه من أداء معرفي ومهاري، وتعلّمٍ وتعليمٍ غير مسبوق، قائم على أسس علمية تنافسية وإستراتيجيات إبداعية سبق بها مرحلة التعليم التقليدي السائدة في ذلك الوقت، وابتكر ممارسات تعليمية أحدثت أثرًا واضحًا ومخرجات تعليمية عالية المستوى، أسهمت في ارتقاء طلاب الصف في رحلتهم التعليمية؛ حتى وصلوا إلى درجات متقدمة في مسيرة الحياة. وكان من أبرز ما ميّز تدريسه للمحتوى الدراسي، أنه جعل التفكير جزءًا أصيلًا من عمليتي التعلّم والتعليم؛ حيث مارس الطلاب مهارات التحليل والمقارنة والاستنتاج، والكتابة والتصحيح لبعضهم البعض، والعمل التشاركي في البحث عن المعلومة والحل الصحيح أثناء تعلمهم لمختلف المواد. كما ركّز معلمنا المميز على التعليم؛ من أجل التفكير من خلال الأنشطة المتنوعة، مثل "المعلم الصغير" و"رائد الفصل اليومي"؛ إذ يُخصَّص لكل طالب يوم يتولى فيه دور المعلم، فيصحّح لزملائه ويتابع أداءهم. وكان لكل طالب مهمة محددة؛ فهذا يصحح لزميله، وذاك يكتب مفردات الدرس على السبورة، وهكذا تنوّعت الأهداف التعليمية والإستراتيجيات المتبعة يوميًا وأسبوعيًا. وكان للفصل نشيدٌ خاص، إلى جانب العديد من المثيرات التعليمية الأخرى التي أحدثت أثرًا تربويًا واضحًا. وهذا جزء يسير من أساليب ومثيرات تعليمية كثيرة أثّرت في طلاب الصف الثاني الابتدائي وميّزتهم عن غيرهم، حتى إن من سمع عن طريقة تدريسه في ذلك الوقت كان يتمنى أن يكون ضمن طلاب هذا الفصل. وفي ختام هذه التجربة، يمكن القول: إن هذا نموذج لأثر معلم ناجح بكل المؤشرات العلمية والتعليمية، سبق بطرقه وأساليبه المرحلة التعليمية في ذلك الزمن. وبعد أن واصلنا مسيرتنا التعليمية، وكان لي الشرف أن أكون معلمًا، ظلت طرقه نبراسًا في رحلتي التعليمية. وحين تولّيت مسؤوليات إشرافية واطلعت على كثير من طرائق التدريس الحديثة والإستراتيجيات التعليمية المعاصرة، وجدتها هي ذاتها التي أحدثت أثرًا علميًا غير مسبوق، وطبقها معلمنا في الصف الثاني الابتدائي أثناء دراستنا في المدرسة السعودية، أقدم مدرسة في أملج، التي أُسست عام 1344ه. وإلى اليوم، ما زال معلمنا مشاركًا لنا في إثراء المعرفة التاريخية والأدبية والآثارية، حيث أثرى الساحة الأدبية والمكتبة بعدد من الكتب، منها: لمحات من تاريخ الحوراء ومعالمها، ورواية مالك ولبنى، وغيرها من المؤلفات، ولا يزال يثري الساحة الثقافية بالكتب والمعلومات والمحاضرات. حفظ الله أستاذنا زارع حسين الشريف. وفي نهاية ذكريات طالب الصف الثاني، تمثل هذه السطور نافذة ضوء على معلم أخلص في مهمته، وترك أثرًا ما زال باقيًا وذكرى عظيمة، نال عليها الكثير من الثناء وشهادات الشكر في ذلك الوقت، ولا تزال محفورة في ذاكرة طلاب الصف الثاني الابتدائي، لتكون نبراسًا وتجربة تعليمية ناجحة في الرحلة التعليمية لكل من أراد أن يستفيد من تجارب الآخرين الناجحة.