لا يقدم المتحف الوطني السعودي تاريخه بوصفه تسلسلًا زمنيًا جامدًا، بل يكتبه كسردية معرفية مفتوحة، تبدأ من تشكل الأرض، وتمر بتكون الوعي الإنساني، وتنتهي عند بناء الدولة الحديثة. في هذا الفضاء، تتحول القطع المعروضة من شواهد صامتة إلى علامات دالة على علاقة الإنسان بالمكان، وعلى تحول الجغرافيا إلى هوية. في قاعات الإنسان والكون، يبدأ السرد من الأرض ذاتها من الصخور الأولى والدورة الصخرية التي شكلت ملامح الجزيرة العربية، ومن فهم الإنسان المبكر للطبيعة بوصفها أصل الوجود ومصدر الحياة. هنا، لا تُعرض الجيولوجيا كعلم جامد، بل كبداية حكاية طويلة كان الإنسان أحد فصولها، يتعلّم من الأرض كما يسكنها. ومع الانتقال إلى بدايات الكتابة في الجزيرة العربية، تتبدى إحدى أهم لحظات التحول في تاريخ الإنسان: لحظة انتقال الذاكرة من الشفاه إلى الحجر. فالنقوش والرموز الأولى لم تكن تزيينًا، بل محاولة واعية لتثبيت الوجود وتوثيق التجربة. الكتابة هنا إعلان مبكر عن الوعي، وعن إدراك الإنسان لقيمة الأثر في مواجهة الزمن. وفي قاعات ما قبل الإسلام، يعيد المتحف قراءة هذه المرحلة بعيدًا عن الاختزال، فالتحف المعروضة تكشف عن مجتمع امتلك نظمًا اجتماعية وتجارية، ونشاطًا اقتصاديًا مرتبطًا بالقوافل والأسواق، لم تكن الجاهلية فراغًا حضاريًا، بل مرحلة تشكلت فيها ملامح الإنسان العربي قبل التحوّل الكبير. وتظهر أدوات الحياة اليومية بوصفها سجلًا صامتًا للاقتصاد المعيشي المبكر؛ أواني فخارية، وأدوات معدنية، وبقايا صناعات يدوية تعكس وعيًا بقيمة العمل وتنظيم الموارد. هذه القطع لا تحكي عن السلطة، بل عن الإنسان في تفاصيل عيشه، وعن الحرفة بوصفها أساس الاستقرار ونواة المجتمع. في قاعة البعثة النبوية، يبلغ السرد ذروته الفكرية والأخلاقية، هنا لا يُقدم الحدث بوصفه انتقالًا دينيًا فحسب، بل بوصفه تحولاً أعاد تعريف الإنسان والعلاقة مع الآخر، ومن هذه اللحظة، لم تعد الجزيرة العربية فضاء قبليًا متفرقًا، بل مركزًا لرسالة وحدت المعنى ومنحت التاريخ بوصلة جديدة. وتستكمل قاعة الإسلام والجزيرة العربية هذا التحول، حيث ينتقل السرد من التعدد إلى الوحدة، ومن العُرف إلى النص، ومن الانتماء القبلي إلى الانتماء القيمي، في إعادة تنظيم شاملة للمجتمع والمعرفة. وفي قاعات الممالك العربية القديمة والوسطى، يستعيد المتحف دور الجزيرة العربية بوصفها مركزًا حضاريًا فاعلًا. ممالك كِندة والأنباط تظهر ككيانات سياسية واقتصادية أدارت طرق التجارة وأسهمت في تشكيل المشهد الإقليمي، تشهد عليها النقوش واللقى المعروضة. ويصل السرد إلى محطته الأخيرة في قاعة توحيد المملكة العربية السعودية، حيث تتكثف الفكرة الكبرى: من التعدد إلى الدولة. توثق هذه القاعة مسيرة التوحيد بقيادة الملك عبدالعزيز –طيب الله ثراه– بوصفها مشروعًا حضاريًا أعاد صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان، وأسس لدولة حديثة تستند إلى التاريخ دون أن تُثقلها به. في المتحف الوطني السعودي، لا تُعرض الهوية كحالة مكتملة، بل كرحلة مستمرة، تبدأ من الحجر، وتستقر في الدولة، وتبقى مفتوحة على سؤال المعرفة والمستقبل.