قلتها وأقولها دوما: "أغلب ما ننعم به في هذا العهد الزاهر مرده للجدية والحزم في مكافحة الفساد".. فقد أعلنت نزاهة كعادتها عن جملة من صور الفساد التي اكتشفتها وأوقفت مرتكبيها ومن بينهم القضية رقم 11 لموظف بهيئة تطوير إحدى المناطق قام بتوظيف زوجته بإحدى الشركات المتعاقدة مع جهة عمله وحصولها على رواتب شهرية دون حضورها، وبالصدفة كنت قد ذكرت في مقالي السابق هذه الصورة كمثال للفساد الإداري، وهنا أؤكد لكم أن مرتكب مثل هذا الانحياز الإداري الفاسد يكون له علامات منها أنه يكون مجحفا في حق موظفيه المخلصين قاسيا عليهم في التقييم والترقية. أغلب ما كنت أتلقاه من شكاوى إحباط صغار الموظفين المجتهدين كان بسبب ظلمهم في التقييم وعدم الحصول على ترقية وانتداب ومكافأة وبدلات وتعويضات مثل غيرهم، وكانت تلك الشكاوى تردني سواء من زملاء عمل في الدوائر التي عملت بها أو تصلني ككاتب حتى يومنا هذا، وكان العامل المشترك الأعظم لهذه القضايا المحبطة وجود تفرقة واضحة وبجيحة بين موظف مخلص مجتهد يؤدي عملا شاقا بكفاءة ولا يحصل على تقييم منصف ولا ترقيات، وموظف متقاعس خامل أو لا يحضر أصلا مثل زوجة المتهم في القضية رقم 11، ومنهم على شاكلته ويحصل على تقييم مرتفع وترقيات وبدلات. أغلب من يشتكون هذا الانحياز الفاسد يذكرون أن التحيز ناجم عن مصلحة للمدير المتحيز إما لقرابة مباشرة (زوجة، ابن أو بنت أو صهر) أو صديق وصديقة، أو أن الموظف المدعوم يقدم خدمات خاصة للمدير الفاسد (توصيل أطفاله للمدارس، شراء مستلزمات البيت ومقاضيه، متابعة أسهم وعقارات ومراحل بناء وغيرها من الخدمات الخاصة)، وغالبا فإن من يرتكب هذا الشكل من الفساد يكون متعاليا متشددا في تعاملاته ويضع بينه وبين موظفيه حواجز تمنع الوصول إليه أسميتهم (الأنوف الشائكة) في أكثر من مقال ومهمتهم شم ما يدور حوله والحول دون مقابلته حتى لا تنكشف تعابير وجهه عند سؤاله: لماذا فلانة لا تداوم وتقييمها أعلى، أو تمنح مميزات أكبر وأعلى؟ هذا النوع من المديرين يكثر الحديث عنه في مجالس صغار الموظفين همسا لأنه يخيفهم، وهم يعلمون أن مصيرهم وظيفيا مرتبط بقرار منه، لذا قلت كثيرا إنه لا بد من فتح قنوات شكوى مستقلة وسرية يصل عبرها صوت أصغر موظف للمدير الأعلى، وأن على المدير الأعلى أن يعقد اجتماعات مغلقة مع صغار الموظفين وأخرى انفرادية مع من لديه شكوى، وأن يفتح أذنه وجواله وإيميله لتلقي الشكاوى والبلاغات من كل من سيحاسبه الله عن حقوقهم، ولو تم ذلك فإن الظلم الوظيفي سيقل وأكثر صور الفساد ستنكشف للمدير الأعلى وستقل الشكاوى لديوان المظالم والبلاغات لنزاهة وسيحمي المدير الأعلى نفسه من السؤال عمن "تتسلم دون أن تحضر".