في كل فترة، يتصدر خبر صحي ومقاطع فيديو تُبشر الناس بالشفاء السريع من أمراض معقدة. عناوين جذابة، لغة واثقة، ونتائج "مذهلة" تُنسب لاكتشافات غير موثقة. آخر هذه الموجات حديث عن "مشروب عشبي" يعالج الزهايمر خلال ليلة واحدة. القصة تجمع مصطلحات علمية في سياق خاطئ، لتخرج باستنتاجات لا يسندها دليل، ولا مصدر، ولا أسماء. هذا النمط لا جديد فيه؛ تتبدل العناوين ويبقى الجوهر واحداً: أعشاب "تعالج السكر نهائيًا"، وصفات "تنظف الكلى"، خلطات "تغسل القولون"، ومشروبات "تزيل سموم الكبد بالكامل". المشكلة ليست في الأعشاب كمنتجات طبيعية لها فوائدها العامة المعروفة، ولا في الاسترشاد بالطب النبوي، الذي قام على أسس التداوي بالعلم والأخذ بالأسباب، بل في تحويل هذه القيمة الجليلة إلى بدائل وهمية للطب الحديث، وفي القفزة المنطقية من فائدة نباتية محدودة إلى وعد علاجي متكامل ومضمون لأمراض مستعصية. يُجمع المختصون من أطباء وصيادلة على أن الأمراض التي تستهدفها هذه المقاطع معقدة بطبيعتها؛ فالسكر مرض استقلابي طويل المدى، والكلى عضو حساس يتأثر بعوامل حيوية دقيقة، أما الكبد فهو العضو المسؤول عن التنقية الكيميائية في الجسم. لذلك، فإن تبسيط هذا التعقيد في "مشروب سحري" يمثل تسطيحاً للواقع وتجاهلاً لخطورة التداخلات الكيميائية. تشير دراسة أمريكية إلى أن المكملات العشبية والغذائية مسؤولة عن نحو 20 ٪ من حالات تسمم الكبد المسجلة، وتزداد هذه النسبة في البيئات التي يشيع فيها تداول الوصفات غير الموثوقة. كما قد تؤثر بعض الأعشاب على مفعول أدوية القلب، أو تزيد خطر النزيف عند تناولها مع مميعات الدم دون إشراف طبي. من جهة أخرى، تؤكد جمعية الزهايمر الدولية (المملكة المتحدة) أنه لا يوجد أي مكمل عشبي ثبت علمياً قدرته على علاج الزهايمر أو إيقاف تقدمه وإرجاع الحالة لما كانت عليه سابقاً، وأن الوعود ب"الشفاء الليلي" تفتقر إلى أي أساس علمي. تعمل هذه الأخبار وفق قالب تسويقي متكرر: لغة علمية مجتزأة تعطي انطباعاً بالثقة، وقصصاً فردية تُقدَّم كحقائق عامة. النتيجة غالباً أمل يتبعه حيرة أو تجربة فاشلة، وقد يصل الأمر إلى ضرر صحي جسيم نتيجة تأخير العلاج. المسار العلمي الصحيح يؤكد أن الاكتشافات الحقيقية تُختبر لسنوات في المختبرات، وتُراجع بدقة، وتُنشر في مجلات علمية مثل لانست ونيتشر والجامعات، ولا تُعلن عبر مقاطع ترويجية أو طلباً للشهرة والانتشار. وسط هذا الزخم، يبقى الوعي الصحي خط الدفاع الأول. فالأعشاب قد تدعم العافية العامة أو تحسّن الإحساس المؤقت، لكنها لا تُلغي علاج الأمراض المزمنة في وصفة واحدة. في المقابل، تواصل الجهات الرسمية المتابعة والتوضيح والتنبيه، والفصل بين ما هو مفيد وما هو مضلل اعتماداً على العلم والخبرة والاختصاص، فالالتفات إلى هذا الدور يخفف الالتباس ويجعل التعامل مع الصحة أكثر اتزاناً وأقرب للواقع. أخيرًا، إذا بدا الحل سهلاً أكثر من اللازم وسريعاً أكثر من المعقول، فالتريث واجب. بين عاطفة الأمل ومنطق العلم، مساحة يجب أن يُدركها الفهم لا المنشورات أو المقاطع عبر وسائل التواصل؛ فالصحة أغلى من أن تُدار بمنطق التجربة أو تُسلّم للأوهام الرقمية. محمد بن مساعد العصيمي