عندما كنت صغيراً كنت أرى تلك الدعاية "تعال إلى حيث النكهة"، لقد كانت دعاية مشهورة جداً، وهي دعوة صريحة لممارسة عادة التدخين الخطيرة!. العجيب أنّ صانع السجائر الشهير "بوب نوريس" والذي توفّي عن عمر ناهز التسعين عامًا في مزرعته في "كولورادو سبرينجز" لم يدخن السجائر أبداً في حياته!. "نوريس" تخلّى فجأة عن العمل بعد أن أدرك أنه كان قدوة سيئة لابنتيه وابنيه، خاصة بعد مطالبته لأبنائه بعدم التدخين، وفوجئ بهم يسألونه: "إذا كنت لا تريدنا أن ندخن، فلم تقوم بإعلانات السجائر؟"، وفي اليوم نفسه أرسل نوريس استقالته إلى مديره، الذي يمتلك العلامة التجارية. هذه الدعاية ومثيلاتها -ولله الحمد- تم منعها حتى لا تكون دعاية لممارسة عادة التدخين المؤذية والخطيرة، والتي ثبت ضررها وعظم خطرها حيث إنّ هذه الدعايات لها أثرٌ بالغٌ في الجرأة على دخول ميدان التبغ. لقد كان منعها أمراً مهمُاً للغاية، ولكن الغريب اليوم أننا نرى دعايات للتدخين من نوعٍ آخر هي أشدُّ أثراً وتأثيراً على أبنائنا، إنَّه الإعلان المخفيُّ وغير المباشر للتسويق عبر المحتوى. قد اعتاد الناس رؤية المدخّن في الأفلام والمسلسلات الأجنبيّة، وأيضاً -للأسف- في بعض الأفلام والمسلسلات العربيّة؛ ولكن اللافت للانتباه أنّه رغم التميّز للأفلام والمسلسلات السعوديّة وصعودها إلا أنّه من المؤسف أنه لا يكاد يخلو مسلسل وفلم من إدخال عادة التدخين. منذ بدايات القرن العشرين، وتأثّراً بالأفلام والمسلسلات الغربيّة ارتبط -وللأسف- التدخين بالرجولة والهيبة في شخصيات لافتة كشخصيات عصابة، أو محقِّقين، أو سياسيّين، وكذلك ربما ارتبط أحياناً بالجاذبية والرومانسية ويظهر ذلك من خلال مشاهد الحب كانتظار شريك أو تذكّره، وربما جاء عن طريق التمرّد على القيم، والقامات، والاستقلال، والذاتيّة، حتى أصبح التدخين -وللأسف الشديد- في وعي بعض الجماهير يوحي بالقوة والكاريزما والأناقة أحياناً. لقد استطاع السعوديّون إثبات هويُتهم وثقافاتهم المنوّعة وإرسالها للعالم بأسره عبر الأثير في كلّ الميادين دون الحاجة إلى المساس بالثوابت ومنها الثوابت الصحيّة. تستطيع الدراما السعوديّة والخليجيّة والعربيّة أن تضفي جواً دراميا ذا طابع عالمي واقعيٍّ دون الحاجة لأن يظهر أحدهم ليدخّن السيجارة بشراهة. تستطيع الدراما السعوديّة والخليجيّة أن تثبت أنّها قادرة على التميّز دون ملاحقة ومحاكاة المسلسلات الأجنبيّة وأخذ الغثّ والسمين. الدراسات الطبيّة تشير وتؤكّد دون أدنى شكٍّ أنّ رؤية التدخين في الأفلام تزيد من احتمالية تجربة التدخين لدى المراهقين والصغار وأكثر بكثير من الإعلانات الظاهرة الصريحة. وحين يحدّد أحدهم مسلسله أو فلمه لمن هم فوق عمر "18" فهذا لا يعني أبداً أن يبرئ ساحته من تبعات هذه الدعاية؛ بل التلفزيون السعوديّ الخليجيّ حاضر في كلّ بيت، والدراما آخذة في الصعود والأفلام والمسلسلات ربما يتبادلها عدد كبير من المراهقين ويتحدّثون عن تفاصيلها وهذا يجعل المسؤوليّة أكبر. وندائي إلى وزارة الإعلام والتلفزيون السعوديّ ومنصات الأفلام والمسلسلات والسينما العربيّة والقنوات أن تنظر بعين الصادق الناصح لهذا الجيل لتمنع هذه المظاهر التي أصبح بعضها متكلّفاً ولا وجه لإظهاره. الفنُّ رسالة كغيره فلا نجعله بوابة لتحسين ما يضرّ العقول والأبدان، ما يُعرض على الشاشات يزرع في القلوب.. فلنزرع ما ينفع لا ما يضرُّ. وكما نجحنا في إيصال موروثنا العربي الأصيل عبر شتى المنصات، فنحن قادرون مع عزيمتنا وصدقنا على تقديم أنموذج فريد لمسلسلات وأفلام راقية؛ تحفظ الثوابت، وتصون القيم، وتخاطب العالم بوعيٍ ومسؤولية.