في مدينة لا تهدأ ك"الرياض"، حيث ناطحات السحاب تعانق السماء والمشاريع الكبرى تُسابق الزمن، يبرز سؤال وجودي يطرحه كل من وجد نفسه عالقاً بين مخرج (5) ومخرج (15): هل نحن نقود السيارات، أم أن الزحام هو من يقود مصائرنا؟ إن التعامل مع الحركة المرورية في العاصمة لم يعد مجرد "تحدٍّ لوجستي"، بل استحال إلى "طقس اجتماعي" واختبار نفسي يومي يقيس مدى تماسك القوى العقلية للمواطن والمقيم على حد سواء. يقول عالم النفس النمساوي فيكتور فرانكل: "عندما لا نعود قادرين على تغيير موقف ما، فإننا نصبح أمام التحدي المتمثل في تغيير أنفسنا". ويبدو أن سكان الرياض قد أخذوا نصيحته على محمل الجد، ولكن بأسلوبهم الخاص؛ فحين عجزوا عن تغيير "اللون الأحمر" في تطبيقات الخرائط، شرعوا في هندسة أنفسهم لتتواءم مع حياة "العلب الحديدية" المتراصة. تحول "الدركسون" في الرياض من أداة للتوجيه إلى منصة للتأمل، ففي زحمة طريق الملك فهد، يمر السائق بمراحل نفسية معقدة، يبدأ الأمر ب "تفاؤل الصباح"، حيث يعتقد السائق أن خروجه قبل الدوام بعشر دقائق قد يصنع المعجزة، لينتهي به المطاف وهو يحلل التركيبة الكيميائية لعوادم السيارات من حوله. هنا، يتحول السائق إلى "فيلسوف رصيف"؛ يبدأ بمراجعة قراراته المصيرية: "لماذا لم أصبح مدرسا وأعمل في مدرسة بجوار منزلي؟"، "هل كان من الضروري أن أشتري قهوة من هذا الفرع المزدحم بالذات؟"، هذا الضغط المستمر الذي لا يمكن مقاومته، كما يرى علماء النفس، يؤدي إما إلى الانهيار أو إلى "التكيف الإبداعي". خلال ساعات الذروة، يمكننا تصنيف السائقين في شوارع الرياض إلى فئات اجتماعية واضحة المعالم؛ الفئة الأولى "المحارب القديم" الذي لا يترك سنتيمتراً واحداً لغيره، مغلق النوافذ ونظرته ثاقبة للأمام. الثاني "المسالم اليائس" الذي يفسح المجال للجميع بابتسامة باهتة، ويستمع لبودكاست عن "تطوير الذات". الثالث "هواة المسار الأيمن"، يعتقد أن ممر الطوارئ هو "مسار ذهبي". الرابع "عشاق التيك توك" الذي يصور الزحام ليثبت للعالم أنه يعاني. لم تعد السيارة وسيلة نقل، بل أصبحت "غرفة معيشة" متنقلة؛ ففي الرياض، نجد من يتناول وجباته خلف المقود، ومن يذاكر دروسه، ومن يتعلم اللغة الصينية عبر التطبيقات، ومن ينهي اجتماعات العمل. لقد روض السائق الرياضي الزحام وحوله إلى "وقت مستقطع" من صخب الحياة، رغم أن هذا الوقت قد يمتد لثلاث ساعات يوميا أو أكثر. لكن؛ لهذا "الضغط الذي لا يمكن مقاومته" أثره العميق؛ يشير خبراء النفس إلى أن الاستسلام للزحام ببرود أعصاب هو ذروة "الذكاء العاطفي"، فالسائق الذي يتوقف عن مراقبة المسار المجاور (الذي يبدو دائماً أسرع من مساره بفعل قوانين ميرفي المرورية) هو الشخص الذي استطاع أن يحقق السلام الداخلي وسط ضجيج "البوارق". إن أكبر كذبة نعيشها في العاصمة هي "المسار الأسرع"، إنها خديعة بصرية تجعل السائق ينتقل من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين في مناورة تشبه ما يحدث في الأفلام، ليكتشف بعد دقائق بسيطة أن السيارة التي كانت خلفه في المسار القديم، أصبحت الآن تسبقه بمسافة، هذا الموقف تحديداً هو ما يهدم كل نظريات فرانكل عن تغيير النفس، ويضعنا أمام حقيقة واحدة: في زحام الرياض، المسار الذي تتركه هو دائماً الأسرع! الزحام في الرياض ليس علةً في جسد المدينة؛ بل هو ضريبة حيويتها ونموها المتسارع. نحن لا نعاني من "أزمة سير"، نحن نعاني من "وفرة طموح"، التعامل مع الزحام يحتاج إلى مزيج من الصبر، وروح الدعابة، وقائمة تشغيل موسيقية طويلة جداً. ويمكن أن نقول: "من صبر على الدائري، قدر على الدنيا"، فإذا وصلت إلى وجهتك بابتسامة، فاعلم أنك لم تنجح في الوصول فحسب، بل نجحت في أعظم اختبار نفسي يمكن أن تقدمه مدينة لساكنيها.