لا يتعارض مع مدافعة المخاطر الكبرى بالصغرى، فالجندي المرابط على الثغر وحرس الحدود مثلًا وسائر رجال الأمن، وكل المدافعين عن الوطن والمجتمع بالسيف أو بالقلم، هؤلاء كلهم محتاطون للسلامة حتى في حال انخراطهم في مواجهة خطيرة؛ لأنهم يحتاطون لسلامة الوطن والمجتمع، وهي السلامة الكبرى.. طلب السلامة مفهوم عامّ يندرج تحته السعي في جلب جميع المصالح، وفي درء كلّ المفاسد، ويشمل ذلك طلب السلامة من المخاطر؛ ولأجله يتعاطى الإنسان الضروريات، وطلب السلامة من المشاقّ؛ ولأجله يتعاطى الحاجيّات، وطلب السلامة من الشعور بأن هناك ما ينقصه؛ ولأجله يتعاطى الكماليّات، سواءٌ في ذلك المصالح والمضارّ المتعلقة بالمعاش، والمتعلقة بالمعاد؛ فثمرة صلاح المعاد السّلامة من سخط الله تعالى، ومن مقابلة نعمه بالكفر، ومن عذاب النار؛ ولهذا سمّيت الجنة دار السلام كما قال تعالى: (لهم دار السّلام عند ربّهم)، وإذا دخلها أهلها تلقّاهم خزنتها بأعظم العبارات طمأنةً وبشارةً قائلين: (سلامٌ عليكم طبتم فادخلوها خالدين)، وإذا كانت السلامة بهذا القدر من الأهمية والشموليّة فلا بدّ للعاقل من أن يتخذ لها احتياطات متنوعةً كفيلةً بحفظ الموجود منها، وتدابير وقائيّةً تجعل الإنسان بمنأًى عما يعكّر صفو سلامته في دينه ودنياه وأهله وماله ومجتمعه ووطنه؛ لأن المحافظة على الموجود منها أقلّ كلفةً وأضمن من محاولة استردادها بعد التفريط فيها، كما يقال: (الوقاية خير من العلاج)؛ ولأن كثيراً من أنواعها لا يستردّ بعد ذهابه، وبعضها قد يستردّ جزئيّاً لا كلّيّاً، والوسائل المعينة على ذلك متاحةٌ في نصوص الشرع الحنيف وفي موادّ أنظمتنا المرعيّة، ومتقرّرةٌ في أعرافنا وقيمنا النبيلة، فنحمد الله تعالى على ذلك، ولي مع الاحتياط للسلامة وقفات: الأولى: الاحتياط للسلامة في المعاد رسمت الشريعة المطهّرة معالمه، وذلك بتوضيح المأمورات والمنهيّات، والمنجيات ورسم معالم ذلك، ووردت بذلك نصوصٌ تعدّ من جوامع الكلم النبويّة، كما قرّرته قواعد شرعيّةٌ عامّةٌ، فمن النصوص حديث النّعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يقول: «إنّ الحلال بيّنٌ، وإنّ الحرام بيّنٌ، وبينهما مشتبهاتٌ لا يعلمهنّ كثيرٌ من النّاس، فمن اتّقى الشّبهات استبرأ لدينه، وعرضه، ومن وقع في الشّبهات وقع في الحرام، كالرّاعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإنّ لكلّ ملك حمًى، ألا وإنّ حمى الله محارمه، ألا وإنّ في الجسد مضغةً، إذا صلحت، صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت، فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب»، أخرجه مسلمٌ، ومن القواعد الكلّيّة: قاعدة سدّ الذرائع؛ فإنّ مراعاتها تبعد عن الأضرار في المعاش والمعاد، والاحتياط للدين فقهٌ عميقٌ، لا ينفع فيه التشهّي ولا التنطّع ولا الابتداع، بل أمره موكولٌ إلى العلماء الموثوقين كما قال تعالى: (فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون)، وما كان منه متعلّقاً بالشأن العامّ فالنظر فيه منوطٌ بوليّ الأمر، فهو الذي يطبّق القواعد الواردة فيه من خلال الأنظمة التي تعتمدها الدولة، ومن افتات عليه في شيء من ذلك فقد أخلّ بالسلامة العامّة الدينية والدنيويّة، ولو كان صادقاً في طلب السلامة المجتمعيّة لأدرك أن الاحتياط لها يتطلّب التقيّد بولي الأمر، والتزام الجماعة، والحرص على اجتماع الكلمة، ونبذ التحزّب وأسباب الفرقة، كما تدلّ عليه النصوص الشرعية، وتشهد له التجارب في الماضي والحاضر. الثانية: الاحتياط للسلامة في البدن والعقل والمال والعرض واجبٌ، وهي من الضروريّات، وليس للإنسان الحرية في التضحية بشيء منها، بل هو ملزمٌ بصيانتها، ومن صيانتها الاحتياط لها؛ ولوجوب الاحتياط للنفس امتنع تعريضها للهلاك كما في قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة)، وقد أخرج البيهقيّ في شعب الإيمان عن زهير السنوري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "من بات على ظهر جدار، وليس له ما يدفع رجليه فوقع فمات، فقد برئت منه الذّمّة، ومن ركب البحر في ارتجاجه فقد برئت منه الذّمّة"، وللحديث رواياتٌ أخرى وقد صححه الألبانيّ رحمه الله تعالى، وإنّما نهي عن هذا لأنّ النائم فوق مثل هذا السطح يكون عرضةً للسقوط المفضي للهلاك أو الإصابة البالغة، وأما الاحتياط للعقل فلأجله حرّمت المسكرات والمخدرات وسائر الممنوعات، كما حرّم الاستماع لمروجي الشبهات والأفكار المدمّرة والذين يفسدون بين المجتمع وبينه وبين ولاة الأمر، فهذا تسميمٌ عقليٌّ أخطر من المخدرات، وأما الاحتياط للمال فلأجله نهي عن البيوع الفاسدة؛ لما فيها من تعريض المال للخطر، وأما الاحتياط للعرض فلأجله أمر بغضّ البصر والتستّر، وسائر الأخلاق الفاضلة المأمور بها. الثالثة: الاحتياط للسلامة لا يتعارض مع مدافعة المخاطر الكبرى بالصغرى، فالجندي المرابط على الثغر وحرس الحدود مثلاً وسائر رجال الأمن، وكل المدافعين عن الوطن والمجتمع بالسيف أو بالقلم هؤلاء كلهم محتاطون للسلامة حتى في حال انخراطهم في مواجهة خطيرة؛ لأنهم يحتاطون لسلامة الوطن والمجتمع، وهي السلامة الكبرى، فإن حصلت معها السلامة الشخصية كما هو الغالب ففي ذلك اجتماع السلامتين، وإن حصل ضرر -عافاهم الله تعالى- فقد حصلت السلامة الكبرى، ودفع المشقة الكبرى بارتكاب الأدنى قاعدة شرعيّةٌ وضرورةٌ وجوديّةٌ، فلا ينبغي للمواطن أن يلتمس السلامة الشخصية بإهدار السلامة الوطنيّة.