في اليوم الثاني من أعمال المنتدى السعودي للإعلام، الذي ينعقد برعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين في الرياض، شهد سلسلة جلسات نوعية ناقشت دور الإعلام في صناعة القرار ونمو الاقتصاد، وهندسة الصورة الوطنية، وصناعة القصة في عصر المنصات المتعددة، وتأصيل الكفايات اللغوية للعاملين في الحقل الإعلامي، ومواجهة تحديات الخوارزميات والذكاء الاصطناعي. ووسّع المشاركون من قيادات إعلامية وخبراء وأكاديميين دائرة النقاش المهني، مطلّين على تداخلات الإعلام مع الاقتصاد وصناعة القرار. وقدّم المنتدى، عبر سلسلة جلساته، قراءةً عملية لواقع المهنة واتجاهاتها، مؤكداً أن دور الإعلام لم يعد يقتصر على نقل الخبر، بل يمتد ليصنع مناخ الثقة ويفكّك المعطيات المعقّدة، ويعكس التحولات المجتمعية للمملكة بواقعية ومسؤولية، مستندًا إلى منظومة مهنية تُعلي من الدقة والشفافية وحوكمة المحتوى. وانطلاقًا من هذا التصور، تناولت الجلسات محاور محورية؛ فناقشت كيفية تحويل «المعلومة» إلى قيمة مضافة للاقتصاد عبر الصحافة المتخصصة القادرة على التفسير والتحليل، واستعرضت أدوات «الدبلوماسية الحضارية» في بناء الصورة الوطنية المتوازنة التي تواكب مستهدفات رؤية المملكة 2030، ووقفت عند تحدي صياغة القصة النوعية بوصفها معيار التأثير في بيئة تنافسية ذات أدوات رقمية متسارعة. كما أبرزت تجربة نقل نجاحات المواهب السعودية في المعرض الدولي للعلوم والهندسة من أرقام إلى قصص ملهمة تشجّع الابتكار، ورسّخت أهمية تمكين اللغة العربية بمصطلح دقيق وخطاب رصين في المنصات الرقمية. وعلى الضفة التقنية، وضعت «صحافة الغد» الحقيقة تحت مجهر الخوارزميات، داعيةً إلى سياسات واضحة للتحقق وحوكمة البيانات، بما يصون المصداقية ويضمن وصول الرسالة إلى جمهور أكثر وعيًا وتمييزًا بين المحتوى الحقيقي والمصطنع. ففي جلسة «الإعلام وصناعة المعلومة.. إستراتيجيات فعالة للقيادة الإعلامية»، شدّد المتحدثون على أن دور الإعلام لا يقف عند نقل الخبر، بل يتجاوزه إلى تفسير المعطيات الاقتصادية والسياسية المعقدة للجمهور وصانعي القرار، بما يعزّز الثقة ويحدّ من التشوش. شارك في النقاش الاقتصادي وكاتب الرأي إحسان بوحليقة، ورئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام المصري سابقًا كرم جبر، والأمين العام لملتقى قادة الإعلام العرب ماضي الخميس، ونائب المدير العام لقناتي العربية والحدث زيد بن كمي، وأدارها محرر الشؤون الدولية في فرانس 24 وسيم الأحمر. واتفق المتحدثون على أن الإعلام يصنع «مناخ الاقتصاد» عبر نشر المعلومات الدقيقة، وإبراز النماذج الناجحة، وتحفيز الاستثمار، شرط تجنّب المبالغات وحفظ معايير المهنة. وأشار المتحدثون إلى أن التحوّل من الورقي إلى الرقمي، ومن البث التقليدي إلى المنصات الذكية، لا يخلق «إعلاميين» قديمًا وحديثًا، بل يؤكد وحدة المهنة وتبدّل أدواتها؛ ما يستلزم تطوير المهارات دون المساس بجوهر القيم التحريرية. كما لفتوا إلى الخلط الرائج بين مفهوم الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، مؤكدين أن امتلاك حساب أو أداة لا يجعل المستخدم صحفيًا بالضرورة، وأن توظيف هذه المنصات ينبغي أن يتم بمنهجية مؤسسية تعزّز المصداقية. وفي معرض تناولهم «وفرة البيانات»، شددوا على أن التحدي الحقيقي يكمن في التفسير والتحليل، وأن الاستثمار في الصحافة المتخصصة بات ضرورة لفهم القضايا المركبة وتقديمها بعمقٍ ومهنية. «هندسة الصورة الوطنية».. الدبلوماسية الحضارية في زمن الرؤية وفي جلسة «هندسة الصورة الوطنية: من نقل الرسالة إلى صناعة الأثر الحضاري»، برزت معالجة شاملة لكيفية تحوّل الصورة الوطنية من خطاب موجّه إلى أداة فاعلة في الدبلوماسية الحضارية وصناعة السمعة الدولية. أوضح الرئيس التنفيذي لمركز «فكر» للدبلوماسية العامة بجامعة الأمير سلطان سعود كاتب أن مفهوم القوة اتسع ليشمل القوة الثقافية والحضارية والإنجازات الوطنية، وأن هذه العناصر أصبحت من محددات التأثير في العلاقات الدولية. وربط المتحدث هذا التحوّل بحضور المملكة المتنامي في ضوء رؤية السعودية 2030 التي أعادت ترتيب مصادر القوة الشاملة وأدوات إبرازها. من جهته، أكّد الأمين العام لمركز الملك عبدالعزيز للتواصل الحضاري عبدالله الفوزان، أن الإعلام الوطني يؤدي دورًا تأسيسيًا في ترسيخ القيم وبناء الصور الحضارية للمجتمع، عبر خطاب يزاوج بين الداخل والخارج ويحوّل الرسائل إلى أثر اجتماعي ملموس. وبيّن رئيس جمعية البحوث الاجتماعية ودراسات الابتكار الاجتماعي عبدالعزيز الغريب أن عرض التحولات الواقعية للمملكة، من دون مبالغة أو تشويه، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية، يعزّز موثوقية الصورة ويجعلها قابلة للاختبار عبر التجربة اليومية. وخَلُصت الجلسة إلى توصيةٍ باستمرار تطوير المبادرات الإعلامية والثقافية لضمان وصول الصورة الحقيقية للمجتمع السعودي إلى الداخل والخارج على حد سواء. القصة النوعية في عصر المنصات.. من الخبر إلى الحكاية المقنعة وعلى «مسرح العلا» ضمن فعاليات اليوم، ناقشت جلسة «تحديات صناعة قصة نوعية في ظل زخم التقنيات الإعلامية والوجهات» كيفية الانتقال من الاكتفاء بنقل الخبر إلى بناء قصة مستدامة ومؤثرة. ركّز المتحدثون على الموازنة بين الابتكار التقني والمحتوى العميق، بحيث لا تبتلع الأدواتُ الرسالةَ، بل تخدمها. وقدّم المتحدث الرسمي لالهيئة الملكية لمحافظة العلا عبدالرحمن الطريري تجربة اتصالية توظّف الهوية الثقافية والإنسانية للمكان في صياغة الرسائل، بما يعكس خصوصية العلا ويمنح القصص أبعادًا سردية تتجاوز الترويج إلى بناء الانتماء والمعنى. وتوقّفت الجلسة عند تغيّر سلوك المتلقي وتنافسية المشهد الرقمي، مؤكدةً أن «القصة النوعية» هي معيار التفاضل بين المحتوى المتدفق، وأن صنّاع المحتوى مطالبون بترتيب أولويات السرد: ما الذي يجب أن يُقال أولاً؟ ما الحقائق التي تُثبت الثقة؟ وكيف تُصاغ الحبكة السردية من وقائع متفرقة دون إخلال بالدقة؟ «موهبة».. من الأرقام إلى قصص ملهمة في آيسف وفي محور يربط الإعلام بالتنمية البشرية، استعرضت جلسة «الإعلام ينقل آيسف والمسابقات الدولية.. من الرسمية إلى الدولية» دور الإعلام في إبراز تجربة مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع - موهبة في إعداد وتأهيل الطلبة السعوديين للمشاركة في المعرض الدولي للعلوم والهندسة ISEF. قدّم نائب الأمين العام للتواصل المؤسسي وتطوير الأعمال في «موهبة» فهد العنزي عرضًا لمنظومة اكتشاف ورعاية الموهوبين، مؤكّدًا أن المشاركة السعودية بالشراكة مع وزارة التعليم حققت على مدى الأعوام الماضية أكثر من 185 جائزة عالمية كبرى وخاصة، وأن برامج المؤسسة أهلّت آلاف الطلبة عبر مسارات تدريبية تركز على البحث العلمي والتفكير التحليلي والعمل الابتكاري. وشدّد المتحدث على أن الإعلام نقل «موهبة» و»آيسف» من خانة الأرقام إلى حيز القصص الإنسانية الملهمة، بما رفع الوعي المجتمعي بأهمية الموهبة والبحث العلمي، ورسّخ صورة المملكة بوصفها بيئة حاضنة للعلم والابتكار. وخلصت الجلسة إلى أن الأثر المستدام لهذه المشاركات يظهر في توجيه الطلبة نحو تخصصات نوعية في العلوم والهندسة والتقنية، وفي التحاقهم لاحقًا بجامعات ومراكز بحثية مرموقة داخل المملكة وخارجها، بما يدعم منظومة الابتكار الوطنية ويواكب مستهدفات الرؤية. ملكية اللغة.. تدريب متخصص لتمكين الخطاب الإعلامي وعلى مسار تعزيز الكفايات المهنية، نظّم مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية خلال مشاركته في المنتدى دورتين تدريبيتين متخصصتين للإعلاميين وصنّاع المحتوى. حملت الأولى عنوان «رحلة صناعة المصطلح الإعلامي» وقدّمتها الدكتورة أفراح التميمي، وتناولت مفهوم المصطلح ودوره في تشكيل الخطاب، ومراحل نشأته وتطوره، وتحديات توحيده وضبطه في ظل التحول الرقمي. أما الدورة الثانية «مهارات التواصل اللغوي الفعّال في حسابات التواصل الرسمية» فقدمها الدكتور عادل السلماني، وركّزت على أسس ضبط الخطاب في المنصات الرقمية وفق معايير لغوية دقيقة تراعي السياق والجمهور، مع معالجة الأخطاء الشائعة في المحتوى الرقمي وسبل تفاديها. وعرض المجمع في جناحه مجموعة من الإصدارات والمشروعات التي تدعم حضور العربية في الإعلام الحديث، مؤكدًا التزامه بتطوير قدرات الإعلاميين، وتمكينهم من إنتاج محتوى عربي رصين يليق بمنصات العصر، ويتسق مع تطلعات المملكة في تعزيز الهوية اللغوية في الفضاء الرقمي. صحافة الغد.. الحقيقة في عصر الخوارزميات وفي جلسة «صحافة الغد: الحقيقة في عصر الخوارزميات»، دار نقاش حول أثر التحولات التقنية المتسارعة على العمل الصحفي، خاصةً ما يتعلق بالخوارزميات والذكاء الاصطناعي. شارك في الجلسة رئيس تحرير صحيفة الاقتصادية محمد البيشي، ورئيس تحرير «الإندبندنت في الشرق الأوسط – النسخة التركية» محمد زاهد جول، ورئيس المجلس الوطني للصحافة في المغرب يونس مجاهد، وأدارها المدير التنفيذي للتواصل والتسويق في شركة علاقات نواف الصيعري. أكّد المتحدثون أن غرف الأخبار، لاسيّما الاقتصادية منها، تواجه مسؤوليات مضاعفة في عصر يعتمد على الأرقام والمؤشرات ويخضع في الوقت نفسه لمعادلات الوصول الخوارزمي. وأشاروا إلى أن الخوارزميات قرّبت المحتوى من الجمهور، لكنها رفعت في المقابل مخاطر التضليل وتسارع انتشار الأخبار الزائفة. وأوضح المتحدثون أن وعي الجمهور بالمحتوى المصطنع بات أعلى، وأن التقنيات ذاتها تُسهم في كشف التزييف والتمييز بين الحقيقي والمولَّد، مع التشديد على ضرورة بناء سياسات مؤسسية وحوكمة واضحة لإدارة البيانات والخوارزميات وفهم فلسفتها، بما يضمن مهنية التعامل معها في الإنتاج والتحرير والتوزيع. خريطة اليوم.. تقاطعات مهنية نحو تأثير مستدام تكشف حصيلة اليوم الثاني للمنتدى السعودي للإعلام أن «المعلومة» أصبحت مشروعًا متكاملاً يتقاطع فيه التحرير بالتحليل، والسرد بالتقنية، واللغة بالهوية، والصورة بالدبلوماسية الحضارية. فمن جهة، يرسّخ الإعلام مهامه كجسر ثقة بين الأسواق والجمهور عبر الصحافة المتخصصة القادرة على تبسيط المعقد وشرح المتداخل. ومن جهة ثانية، تُبنى الصورة الوطنية بأدوات مهنية تقدّم الواقع كما هو، وتُترجم التحولات إلى إنجازات قابلة للقياس، مستفيدةً من زخم الرؤية الوطنية ومكتسباتها. وفي قلب المشهد، تتقدّم «القصة النوعية» معيارًا للجودة وسط وفرة متزايدة من الأدوات والمنصات، فيما يواصل الإعلام تحويل الأرقام الجافة إلى حكايات إنسانية ملهمة كما في تجربة «موهبة» وآيسف؛ وتعمل المؤسسات اللغوية على تأطير الأداء التحريري بمصطلحات منضبطة وخطاب رصين. أما على الضفة التقنية، فتبدو المواجهة مع الخوارزميات والذكاء الاصطناعي رهينة وعي غرف الأخبار وسياساتها؛ إذ لا بدّ من تفعيل أدوات التحقق، وتطوير معايير حوكمة البيانات، والتزام الشفافية في عرض مصادر المحتوى وأساليب إنتاجه. بهذه المقاربات المتعددة، رسّخ المنتدى -المنعقد في الرياض- صورته منصةً مهنية للحوار حول مستقبل الإعلام في المنطقة، مؤكدًا أن القيادة الإعلامية تُبنى بمنهجية تراكمية تستند إلى الدقة والعمق والابتكار، وتستحضر في الوقت ذاته رسالتها الوطنية والإنسانية. ومع تواصل جلساته في الأيام المقبلة، تبدو الأسئلة الكبرى التي طُرحت اليوم -من «كيف نصنع الثقة؟» إلى «كيف نحكم الخوارزميات ولا تحكمنا؟»- مفتوحةً على عمل مؤسسي يتجاوز قاعات المنتدى إلى غرف الأخبار وقواعد الممارسة في الميدان. حضور لافت للمنتدى برعاية خادم الحرمين الشريفين نقاشات مهنية حول تداخلات الإعلام مع الاقتصاد وصناعة القرار استعراض أدوات «الدبلوماسية الحضارية» في بناء الصورة الوطنية