على مدى أكثر من ثلاثة عقود راهنت الإدارات الأميركية المتعاقبة على استقرار العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع الصين باعتبارها مصلحة كبيرة للاقتصاد الأميركي. في المقابل ظلت الصين تلقي بعبء المحافظة على هذا الاستقرار على عاتق واشنطن، من خلال استغلال المبادرات الأميركية بالتأرجح بين الخطاب التصالحي والتهديد بالردود الانتقامية على محاولة أميركية لممارسة الضغط عليها. وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأميركية تحت عنوان "كيف تستطيع أميركا وقف تلاعب الصين بها" قالت ليزا توبين مديرة إدارة الصين في مجلس الأمن القومي الأميركي خلال ولاية الرئيس دونالد ترمب الأولى وخلفه جو بايدن، وأديس جولدمان الباحثة المستقلة المعنية بالعلاقات الأميركية الصينية إن القمة التي جمعت بين الرئيس ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ في بوسان بكوريا الجنوبية أواخر أكتوبر الماضي لم تكن سوى أحدث مثال على وهم الانخراط مع بكين، فقبل الاجتماع، لوح ترمب بأنه قادر على استخدام القوة المفرطة، مهددا بفرض قيود شاملة على صادرات البرمجيات إلى الصين، إلا أن الإدارة الأميركية رضخت في نهاية المطاف أمام قيود بكين على صادراتها من المعادن الأرضية النادرة، ولم تسفر القمة إلا عن هدنة هشة تتضمن تجميد لمدة عام واحد لأي إجراءات تجارية عقابية جديدة مقابل تعهدات غير ملزمة من الصين بالتعاون في الحد من تدفقات مخدر الفنتانيل إلى الولاياتالمتحدة واستئناف مشتريات محدودة من المنتجات الزراعية الأميركية. في المقابل، خرجت بكين أكثر جرأة، حيث تفاخرت وسائل الإعلام الصينية الرسمية علنا بأن بكين تُحكم قبضتها على "شريان الحياة الصناعية الأساسي" لواشنطن. في الوقت نفسه لم يتبق أمام ترمب وقت طويل قبل زيارته المقررة إلى بكين في أبريل المقبل. وبدون تقييم دقيق وواضح للنيات الحقيقية للحزب الشيوعي الحاكم في الصين، تخاطر واشنطن بالوقوع في فخٍ مفاجئ والوقوع ضحية خداعٍ جديد. ولتعزيز موقفها خلال الاجتماع على النحو الأمثل، تحتاج الإدارة إلى تطبيق أدوات السياسة الحالية بفعالية أكبر لترسيخ مزاياها الاقتصادية والتكنولوجية. وبينما يجري العمل على بعض هذه الخطوات بالفعل، تحتاج واشنطن إلى تسريع وتيرة إعادة تنظيم التجارة العالمية بعيدًا عن الصين، وتعزيز ريادتها وحلفائها في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال توسيع نطاق قيود التصدير على أشباه الموصلات المتقدمة والعمل مع الحلفاء لسدّ الثغرات، وتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد التي تسيطر عليها الصين للمعادن الحيوية، والتي تُعدّ نقطة الضعف الأبرز للولايات المتحدة. وتقول ليزا توبين وأديس جولدمان في تحليلهما إن الأوان آن للولايات المتحدة وغيرها من الدول الديمقراطية لكي تدرك أن تقديم الاستقرار على كل شي في ظل وجود نظام شيوعي يصر على الهيمنة العالمية هو موقف عبثي. وكان أبريل الماضي نقطة تحول حاسمة. فقد فرضت إدارة ترمب تعريفات جمركية على جميع شركاء الولاياتالمتحدة التجاريين تقريبا فيما أطلق عليه ترمب اسم "يوم التحرير". وردت الصين بفرض تعريفات مماثلة، مما أشعل فتيل سلسلة من الإجراءات الانتقامية التي بلغت ذروتها بفرض ترمب تعريفات جمركية بنسبة 145 % على البضائع الصينية، في إشارة واضحة لبدء حظر تجاري. ولكن للمرة الأولى، استخدمت بكين كامل قوتها الصناعية المهيمنة ضد الولاياتالمتحدة بقطع صادرات المعادن الأرضية النادرة، في خطوة تهدف إلى شل قطاعات رئيسة من الاقتصاد الأميركي، من السيارات إلى الصناعات العسكرية، خاصة وأن الصين تسيطر على ما يقارب 85 % من إنتاج المعادن الأرضية النادرة عالميا، ونسبة مذهلة تبلغ 95 % من طاقات معالجة وتكرير هذه المعادن في العالم. وتوالت التنازلات الأميركية، ففي يوليو تراجعت الإدارة الأميركية عن قيود التصدير التي فرضتها على الرقائق الإلكترونية إتش 20 من شركة إنفيديا إلى الصين. وبعد شهر، أرجأت إدارة ترمب أيضا إعادة فرض الرسوم الجمركية المرتفعة لمدة 90 يومًا أخرى، معللة ذلك ب"المفاوضات المثمرة"، مما منح بكين فعليا وقتًا لتعزيز نفوذها الاقتصادي. وفي سبتمبر، بدأ نهج إدارة ترمب التصالحي يتزعزع عندما عدلت وزارة التجارة الأميركية قواعد مراقبة الصادرات، مغلقة الثغرات التي استغلتها الشركات الصينية للوصول إلى التكنولوجيا الأميركية الخاضعة للرقابة عبر الشركات التابعة والوسطاء. ووصفت واشنطن "قاعدة الشركات التابعة" بأنها إصلاح تنظيمي طال انتظاره، لكن بكين اعتبرتها تراجعا غير مرغوب فيه. وأدانت وزارة التجارة الصينية هذا التغيير ووصفته بأنه "خطوة بالغة الخطورة" تقوض بشكل خطير أمن واستقرار سلاسل التوريد الصناعية العالمية. وعلى أرض الواقع، أبقت بكين على شروط ترخيص تصدير المعادن الأرضية النادرة، بل وشددتها، مستخدمة إياها لجمع بيانات سلاسل التوريد والأسرار التجارية من الشركات الأجنبية. علاوة على ذلك، واصلت منع الشركات الصينية من شراء الرقائق الأميركية، في حين قدمت تنازلات تكتيكية مثل شراء المزيد من فول الصويا الأميركي، لاسترضاء ترمب، مع تعزيز تفوقها والسعي لتحقيق أهدافها طويلة الأجل. وتجسد الخطة الخمسية الخامسة عشرة للتنمية في الصين التي تغطي الفترة من 2026 إلى 2030، سعي الرئيس شي جين بينغ الحثيث لإخضاع قضايا الاقتصاد لاعتبارات الأمن القومي. وتشير التوجيهات بإنشاء "آلية أمن قومي ذات صلة بالشؤون الخارجية" و"نظام ضمانات أمنية خارجية" إلى نية بكين تعزيز عزل اقتصادها عن الضغوط الخارجية، مع توسيع قدراتها على ممارسة أساليب القسر والإكراه. وفي الوقت نفسه، يوجه البيان المصاحب للخطة الجيش الصيني صراحة إلى "الاستعداد للحرب"، ما يمثّل قطيعة مع الخطط الخمسية السابقة التي كانت تركز عادةً على التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وتسهم الصين حاليا بنحو ثلث الإنتاج الصناعي العالمي، أي أكثر من ألمانيا واليابان والولاياتالمتحدة مجتمعة، لكنها تطمح إلى حصة أكبر، وتعتبر الذكاء الاصطناعي عنصرا حاسما لتحقيق ذلك. وتؤكد الخطة الخمسية على كيفية تعزيز التحول الصناعي القائم على الذكاء الاصطناعي لقدرة الصين على "تهيئة بيئة خارجية مواتية"، مما يعزز سيطرتها على سلاسل التوريد الحيوية التي تستطيع استخدامها للضغط على منافسيها. لذا، ينبغي على الولاياتالمتحدة وغيرها من الاقتصادات الديمقراطية التركيز ليس فقط على تقليل اعتمادها التجاري على الصين، بل أيضا على الحد من قدرة بكين على تحويل التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي إلى مزايا صناعية استثنائية. وتتطلب مواجهة بكين إعادة هيكلة نظام التجارة العالمي. ففي معظم فترة ما بعد الحرب الباردة، استندت السياسة التجارية الأميركية على افتراض أن تعزيز التكامل الاقتصادي مع الصين سيشجعها على تحرير اقتصادها. ورغم فشل انضمام بكين إلى منظمة التجارة العالمية في تحقيق إصلاح هيكلي، استمرت واشنطن في التعامل مع آسيا كمساحة إنتاج مفتوحة واحدة، حيث غلبت الكفاءة وحرية الوصول إلى الأسواق على المخاطر الاستراتيجية التي تمثلها الصين. وعندما بدأت الولاياتالمتحدة أخيرا في تغيير مسارها خلال ولاية ترمب الأولى، نقلت بعض الشركات الأميركية إنتاجها إلى جنوب شرق آسيا والمكسيك لتجنب الرسوم الجمركية المرتفعة على الواردات الصينية. لكن سرعان ما حذت الصين حذوها، فأعادت بناء سلاسل التوريد في دول الجنوب العالمي، واستخدمت قنوات الشحن العابر والتحويل للحفاظ على وصولها إلى السوق الأميركية. وترى ليزا توبين وأديس جولدمان أن قرار إدارة ترمب في ديسمبر الماضي السماح بتصدير رقائق إتش 20 الأميركية إلى الصين خطأً فادح. فبينما تم تصويره على أنه مكسب تجاري للولايات المتحدة، فإنه في الواقع تنازل كبير لبكين، وهو ما يتناقض تماما مع منطق استراتيجية الأمن القومي وخطة عمل الذكاء الاصطناعي التي وضعتها الإدارة نفسها، والتي تدعو إلى "حرمان خصومنا الأجانب" من الوصول إلى موارد الحوسبة لأسباب اقتصادية وأمنية. وحتى الآن تشكل محدودية القدرة الحاسوبية عائقا رئيسا أمام طموحات الصين في مجال الذكاء الاصطناعي. ووفقا لكريس ماكجواير، الباحث البارز في مجلس العلاقات الخارجية والذي شغل منصبا في مجلس الأمن القومي خلال إدارة بايدن، فإن أحدث رقائق الذكاء الاصطناعي الأميركية أقوى بخمس مرات تقريبا من أفضل منتجات هواوي الصينية. ومن المتوقع اتساع هذا التفاوت إلى 17 ضعفا بحلول عام 2027. وتزداد فجوات الإنتاج وضوحًا، إذ تستطيع الولاياتالمتحدة وشركاؤها إنتاج معالجات الذكاء الاصطناعي بمعدل يزيد على 35 ضعفا عن الصين. أخيرا لا تزال واشنطن تعاني من المعضلة نفسها التي واجهت إدارة الرئيس الأسبق بيل كلينتون، وهي أن التنازلات التكتيكية لا تضمن تعاونا مستداما من جانب الصين وإنما تفتح أمامها الباب أمام المزيد من استغلال الولاياتالمتحدة والتلاعب بها. كما أن الاستقرار في ظل دكتاتورية شيوعية ضرب من الخيال. لذلك على الولاياتالمتحدة كسر هذه الحلقة المفرغة ببناء نفوذ وقدرة على الصمود لا تستطيع بكين التحرر منها متى شاءت.