في سوق الخرطوم المركزيّ، عاد الباعة لعرض الفاكهة والخضار أمام المارّة في أكوام صغيرة افترش الجزء الأكبر منها الأرض، "ولكن لا شيء كما كان قبل الحرب"، بحسب بائع الفواكه هاشم محمد. بالقرب من ذلك السوق قبل نحو ثلاث سنوات، استيقظ سكان وسط العاصمة السودانيّة على أصوات معارك سرعان ما حولتها إلى ساحة حرب دمّرت منشآتها وبناها التحتيّة. واندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023. وفرّ من الخرطوم نحو أربعة ملايين شخص، أي نصف عدد سكانها. وقبل اندلاع الحرب، تحالف الجيش والدعم السريع للإطاحة بالمدنيين من حكومة انتقالية لم تعش طويلا، تولّت الحكم بعد احتجاجات أنهت ثلاثين عاما من حكم الرئيس السابق عمر البشير. لم يكن محمد، بائع الفاكهة، بين من فروا من الخرطوم، بل واصل عمله في السوق ولكن "بحذر شديد لأن الهجمات كانت متكررة" ولا سيما على المتاجر. ويفيد سكان الخرطوم بأنهم عاشوا في خوف مستمر من النهب والاعتداءات التي يرتكبها المقاتلون المتجولون في الشوارع. وفي مارس من العام الماضي شن الجيش هجوما على العاصمة ومناطق وسط السودان، انتهت بإحكام السيطرة على الخرطوم وإخراج مقاتلي الدعم السريع إلى غرب البلاد، ما كشف عن حجم الدمار الذي خلفته الحرب. طريق طويل للتعافي يجلس آدم حماد تحت مظلة تحميه وبضاعته من الشمس مؤكدا في حديثه مع مراسلي وكالة فرانس برس أن "السوق ليس كما كان، لكنه أفضل بكثير مما كان عليه عندما كانت قوات الدعم السريع هنا". في أزقة السوق الضيقة المتربة تتراكم الفواكه والخضراوات على أكشاك مؤقتة أو أغطية بلاستيكية على الأرض. لم تعد الخرطوم، التي أنهكتها المعارك وحوصرت بعض أحيائها لأشهر، مهددة بالمجاعة التي تجتاح ساحات المعارك في مناطق أخرى. ولكن مع انهيار الاقتصاد ما زال توفير احتياجات الحياة اليومية أمرا صعبا. ويقول محمد لفرانس برس "يشكو الناس من الأسعار ويقولون إنها باهظة. يمكنك أن تجد كل شيء لكن التكاليف في ارتفاع مستمر، المؤن والعمالة والنقل". ويوضح حماد أن ارتفاع الأسعار سببه صعوبة وصول البضائع إلى الخرطوم. وتشهد معظم مناطق السودان قطعا للطرق والاتصالات، ما يجعل الانتقال بين المدن أمرا صعبا ومكلفا. ومنذ سنوات، يشهد السودان معدلات تضخم تتجاوز 100%. في عام 2024 وصل التضخم إلى 151% بعد ذروة بلغت 358% عام 2021. وتعاني العملة المحلية انهيارا حادا حيث انخفضت قيمتها من 570 جنيها سودانيا للدولار الأميركي قبل الحرب إلى 3500 جنيه مقابل الدولار في عام 2026 وفقا لسعر السوق السوداء. ويقول مُدرّس تحدث لمراسلي وكالة فرانس برس إنه كان قادرا على تحمل نفقات عائلته قبل سنوات قليلة، لكنه اليوم لم يعد قادرا على دفع إيجار منزله براتبه الشهري البالغ 250 ألف جنيه سوداني (71 دولارا أميركي). ومن أجل تحمل تكاليف إطعام طفليه وتوفير رسوم التعليم والرعاية الصحية يضطر إلى "العمل في السوق أو في أي مكان آخر" في أيام عطلته. ويضيف، طالبا عدم ذكر اسمه حفاظا على خصوصيته و"تجنبا للمشاكل مع الأجهزة الأمنية" أنه "لا بد من العمل في وظيفة أخرى لتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية". ويرى البائع آدم حماد أن طريق التعافي سيكون طويلا، ويقول "لا نملك موارد ولا أيد عاملة ولا سيولة كافية في السوق" بالإضافة إلى الانقطاع المستمر للكهرباء. ويضيف "تسعى الحكومة لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه. إن شاء الله ستعود الكهرباء قريبا وترجع الخرطوم إلى ما كانت عليه". السودانيون يعيشون في جحيم كان المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك حذر الأحد من ارتفاع وتيرة "عسكرة المجتمع" من قِبل طرفي النزاع في السودان، معربا عن قلقه من تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان فيما يعيش السودانيون في "أهوال وجحيم". وقال تورك في مؤتمر صحافي في بورتسودان بعد زيارة شملت مدنا سودانية عدة هي الأولى منذ بدء الحرب، "أدى انتشار المعدات العسكرية المتطورة ولا سيما الطائرات بدون طيار.. إلى تعزيز القدرات العسكرية لكل من قوات الدعم السريع والجيش ما أدى إلى إطالة أمد الأعمال العدائية وتعميق أزمة المدنيين". وأعرب تورك عن "قلق بالغ" تجاه ارتفاع وتيرة "عسكرة المجتمع.. بما في ذلك تسليح المدنيين وتجنيد الأطفال واستخدامهم". وتستمر الحرب بين الجيش السوداني بقيادة عبدالفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة نائبه السابق محمد حمدان دقلو منذ أبريل 2023. وأودت بعشرات الآلاف وشردت أكثر من 11 مليونا في "أسوأ أزمة إنسانية في العالم" بحسب الأممالمتحدة. واعتبر تورك أن "من المشين إنفاق مبالغ طائلة على شراء الأسلحة المتطورة وهي أموال كان ينبغي استخدامها للتخفيف من معاناة السكان". وشدد تورك في مؤتمره الصحافي على أن السودانيين "مروا بأهوال وجحيم" خصوصا مع توسع المعارك في منطقة كردفان جنوب السودان، ما يثير مخاوف من تكرار سيناريو مدينة الفاشر التي سيطرت عليها الدعم السريع بعد 18 شهرا من الحصار. وقال تورك "تشهد ولايات كردفان حالة من عدم الاستقرار الشديد مع استمرار العمليات العسكرية والقصف المدفعي الكثيف وقصف الطائرات المسيّرة.. ما يسبب دمارا واسع النطاق وانهيارا للخدمات الأساسية". ووصف المفوض الأممي الهجمات على المرافق المدنية الحيوية بأنها "انتهاكات قد تصل إلى حد جرائم الحرب". ومنذ نهاية أكتوبر، وبعد سيطرتها على الفاشر في إقليم دارفور (غرب)، توسعت هجمات قوات الدعم السريع في منطقة كردفان المجاورة ما أدى إلى "استمرار نزوح المدنيين.. في سياق انعدام الأمن الغذائي الشديد مع تأكيد وجود المجاعة في كادوقلي واقتراب خطر المجاعة في مناطق أخرى منها الدلنغ" في جنوب كردفان، بحسب تورك. وأدت الهجمات في كردفان إلى نزوح أكثر من 65 ألف شخص بحسب أحدث بيانات الأممالمتحدة.