في اللحظة التي نختار فيها، نشعر أننا نمارس حريتنا: نغيّر الاتجاه، نقرر دراسة تخصص معين، أو الزواج ممن نحب، أو حتى البقاء في وظيفة لا نحبها. لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل: هل هذا القرار يعبر عن ذاتي الحقيقية، أم أنه انعكاس للتوقعات الاجتماعية التي تحيط بي؟ علم الاجتماع يلفت انتباهنا إلى أن ما نعدّه (اختيارًا شخصيًا) هو في كثير من الأحيان نتاج مباشر لقيم وتقاليد المجتمع؛ إذ لسنا كيانات مستقلة بالكامل، بل ذوات تمّت صياغتها تدريجيًا منذ الطفولة داخل قوالب اجتماعية وثقافية معينة. أما علم النفس، فيُخبرنا أننا لا نختار دومًا من منطقة الوعي، بل من دوافع خفيّة وغير مفحوصة: كالحاجة إلى القبول، أو الخوف من الوحدة، أو الرغبة في إثبات الذات أمام الآخرين. من هنا، تصبح الخطوة الأهم قبل اتخاذ أي قرار مصيري ليست السؤال: ماذا أختار؟ بل: من الذي يختار في داخلي؟ هل هذا القرار نابع من قناعة حقيقية، أم هو إعادة تمثيل لما يُنتظر مني؟ وهل أحتمل تبعاته إن لم تسر نتائجه كما تصورت؟ فكثيرًا ما يختار الشاب تخصصًا جامعيًا لا يميل إليه، فقط لأنه يحظى بتقدير اجتماعي عالٍ، ثم يرهقه الطريق لاحقًا، فيتساءل: لماذا لا أشعر بالرضا؟ وكثيرًا ما يدخل الشاب أو الفتاة علاقة زواج تبدو مناسبة وفق معايير الأسرة أو المجتمع، ثم يواجهان جفافًا داخليًا لا تفسير له، فيظهر السؤال المؤلم: هل كان هذا ما أردته فعلًا؟ فماذا يحدث هنا؟ ولماذا يبدو هذا النمط متكررًا في التجربة الإنسانية؟ الحقيقة هي أن ما نُسميه «اختيارًا» لم يكن اختيارًا حقيقيًا منذ البداية. فقد انطلق القرار من الذات الاجتماعية المبرمجة على «ما ينبغي أن يكون»، لا من الذات الحرة الواعية بما تريد فعلًا. هنا يظهر الفرق الجوهري: الحرية ليست مجرد أن تختار، بل أن تعي لماذا تختار، ولمن تختار، وبأي دافع تختار؟ فنحن لا نندم غالبًا لأننا اخترنا، بل لأننا لم نكن صادقين مع أنفسنا لحظة الاختيار. لم نفحص دوافعنا بعمق، ولم نتأمل السياق الذي دفعنا نحو هذا الاتجاه. وهكذا، نتخذ قرارًا يبدو حرًا، لكنه في جوهره تكرار لأصوات الآخرين داخلنا. تصبح النتائج مؤلمة، ليس لأنها مفاجئة، بل لأننا كنا نعلم احتمالها وتجاهلنا إشاراتها. الوعي بالاختيار لا يعني الغرق في التحليل أو الشك المزمن، بل يعني ممارسة ثلاث خطوات بسيطة وجوهرية: أولا: تفكيك الدافع: اسأل نفسك بصدق: هل هذا ما أريده حقًا، أم ما تعلّمت أنه الأفضل؟ هل أختار بدافع داخلي صادق، أم هروبًا من شعور مزعج: خوف، فراغ، أو رغبة في إرضاء الآخرين؟ ثانيا: قراءة التوقعات الاجتماعية: اعرف ما الذي يريده المجتمع منك، لكن لا تغفل سؤالًا واحدًا: ما الذي أريده أنا؟ الوعي هنا لا يعني التمرّد على المجتمع، بل معرفة موقعك ضمن معاييره دون فقدان صوتك الداخلي. ثالثا: اختبار الاتساق الداخلي: بعد التعرف على دوافعك وتمييز ما تريده من توقعات الآخرين، توقف لحظة واسأل: هل يعكس هذا القرار من أنا الآن؟ هل يُشبه قيمي ومبادئي؟ هل أمشي بهذا الاتجاه وأنا أشعر بالهدوء، لا بالضغط أو التوتر؟ الاتساق مع الذات لا يصنع قرارًا مثاليًا، لكنه يقلل الندم، ويجعل النتيجة - أيًا كانت - جزءًا من نموك لا صراعك. في النهاية، لا أحد ينجو من الخطأ ولكن هناك فرق كبير بين من يخطئ وهو واعي، ومن يخطئ وهو غافل؛ فالأول يتعلم، ينضج، ويتطور. والثاني يعيد نفسه كل مرة، وكأنه لم يجرّب الحياة من قبل. فالحرية لا تعني أن نختار كل شيء، بل أن نعي جيدًا ما الذي نختاره، ولماذا، وبأي ثم؟ الوعي لا يضمن الصواب دائمًا، لكنه يقلل مفاجآت الندم، لأننا حين نختار عن وعي، نكون أكثر استعدادًا لتحمّل النتائج، سواء كانت نجاحًا أو خيبة. أما حين نختار دون فحص، فنحن نترك مصيرنا يتشكّل بالنيابة عنا. وفي زمن تتعدّد فيه الخيارات وتزداد الضغوط، يصبح وعي الإنسان بذاته وقراراته ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة يومية. تذكّر: الحرية ليست أن تختار فقط، بل أن تفهم لماذا تختار، ولمن، وبأي ثمن؟ إنها نافذة لتحسين مسارات حياتك وصناعة قراراتك الواعية. * أخصائي اجتماعي