في زمن التكنولوجيا، وتغيُر العادات القرائية تتكرر الأسئلة عن مصير الكتب الورقية أمام هذا العالم الرقمي، فهل سيمحوها الاختزال المعرفي الذي نعيشه؟ هل ستتحول يومًا ما إلى قطع أثرية تُعرض في المتاحف فقط؟ وهل ستصمد أمام مهنية الأجهزة؟ في الحقيقة هي أسئلة مثيرة للقلق بالنسبة لأصدقاء الكتب، وعشاق الورق، أفكر أحيانًا عن مآل تلك الكتب في ظل هذا الزخم التقني، وأيضًا في حال مكتباتنا أمام هذا التسارع الزمني، تبادرت إلى ذهني المكتبة المنزلية للسيد (كارل) في رواية (ساعي بريد الكتب) المكتبة التي تنازل عنها مرغمًا، فقد كان كارل يعمل في إيصال الكتب إلى الزبائن وذلك بعد تغليفها على شكل هدايا، بل شملت مهمته اختيار الكتب لهم أيضًا بعد أن أعدوه قارئًا ملهمًا، ولكن حين طُرد ظلمًا من المكتبة التي قضى فيها نصف عمره لم يشأ أن يتنازل عن عمله وعالمه الورقي، فاضطر إلى بيع كتب مكتبته المنزلية ليحضر لزبائنه القدامى كتبًا بديلة دون أن يخبرهم بما حدث له ودون أن يحصل على المال منهم، حيث إن الأموال التي يدفعونها كانت تودع في حساب المكتبة التي طُرد منها، فقد ساعي بريد الكتب كتبه ومكتبته، ولكن لم يفقد حرفته فظل ساعيًا يحمل الكتب في حقيبته الخضراء العتيقة متجاوزًا الظروف والصعوبات والتكنولوجيا، أتمنى أن لا نفقد كتبنا الورقية لأجل التقنية والتي حتمًا هي مؤشر خطر رغم كل إيجابيتها، ومع ذلك وبنظرة تفاؤلية أستطيع القول: إن الكتب الورقية ما زالت تحتفظ بمكانة راسخة في الوجدان الثقافي والمشهد العلمي نظرًا لما توفره من تجربة فكرية مميزة، بل إن هذا التفاعل الحسي يُعزّز الذاكرة ويجعل عملية القراءة أكثر عمقًا، حيث يرى بعض علماء الإدراك أن لمس الصفحات والتفاعل معها يساعد الدماغ على ربط المعلومات بالمساحات البصرية والحسية، مما يسهّل تذكّرها لاحقًا، وهذا أحد أهم الأسباب التي تدفع الكثير من القرّاء للعودة إلى الورق رغم توفر بدائل أسرع، أيضًا يعد الكتاب الورقي جزءاً من الهوية الثقافية، فهو وثيقة يمكن حفظها وتوريثها، لتظل شاهدة على لحظات فكرية وتاريخية مهمّة، وفي الوقت الذي تتطور فيه الوسائط الرقمية بشكل مستمر، أتمنى أن تبقى الكتب الورقية ثابتة في شكلها وقيمتها فهي جزء من جماليات المعرفة وتراث الإنسانية، والعادات الأصيلة العميقة.