إن حالة الجرأة الكبيرة والواسعة التي نشاهدها في الوطن العربي على التصدر للتحليل السياسي، وحالة التجرّؤ العريضة على الخوض في مختلف الشؤون السياسية الداخلية والخارجية والدولية، ستكون لهما آثار سلبية كبيرة جداً على مستقبل النظم السياسية العربية واستقرار الوطن العربي.. وهل يمكن قول ذلك؟ ولماذا تحديداً في الشأن السياسي وليس في الشؤون الأخرى؟ تساؤلات عديدة يفرضها الواقع العربي الذي نعيش حاضره ونستذكر تاريخه القريب، على أقل تقدير، مُنذُ نشأة الدول العربية بشكلها الحالي بعد الحرب العالمية الثانية. واقعنا العربي القريب والحاضر يشهد علينا بقطعية الإجابة ب"نعم"، فالجميع محللون سياسيون، والواقع المؤلم والنتائج السلبية دليل وشاهد على ذلك. وكنتيجة طبيعية لهذا الواقع المُؤلم والنتائج السلبية التي نتعايش معها يومياً في وطننا العربي، أصبح الشأن السياسي مسرحاً مُتاحاً للجميع التحدث فيه، ومجالاً معرفياً استسهل الجميع الخوض في تفاصيل أحداثه وأخباره، وساحة واسعة للمتكلمين استغلها الجميع للوجود فيها وإبداء الرأي حول عناوينها الرئيسة والجانبية، وأرضاً خِصبة للأحداث اليومية المتجددة والمتسارعة وظّفها المُتطلعون للشهرة الإعلامية والاجتماعية، والمتسلقون على حساب مستقبل الوطن العربي توظيفاً عظيماً لتحقيق غاياتهم الشخصية وتطلعاتهم الذاتية. وبما أن هذه هي حال الشأن السياسي، وتلك هي النتائج العظيمة التي يحققها للدخلاء عليه؛ فقد أصبح شأناً مُتاحاً للجميع من دون استثناء، وأرضاً فسيحة لكل من أراد الوجود الإعلامي، وكسب مزيد من الشهرة الاجتماعية، وإثارة عواطف وشجون الرأي العام؛ وهذا ما لا يمكن تحقيقه في معظم، إن لم يكن في جميع الشؤون المعرفية الأخرى - في المستقبل القريب على أقل تقدير. ولعل الذي يدعو للتطرق لموضوع التحليل السياسي هو أهميته العظيمة وتأثيراتها الأكثر عِظماً على مستقبل النُظم السياسية، وعلى استقرار الدول، وعلى توجهات وتطلعات الرأي العام داخلياً وخارجياً. فالتحليل السياسي، الذي استسهل الجميع الخوض فيه والحديث حول أحداثه وأخباره، يُعتبر مرحلة متقدمة جداً من مراحل دراسة علم السياسة أو العلوم السياسية، وليس سابقاً لها. وهذا هو المنطق الصحيح والمتطلب الرئيس للتحليل السياسي؛ إذ كيف يكون التحليل السياسي صحيحاً ومنطقياً ومن يتصدر له لا يعرف المبادئ الأساسية والمصطلحات الرئيسة لعلم السياسة؟! وكيف يكون التحليل السياسي هادفاً وبناءً ومن يتصدر له لا يعرف أسس النظرية السياسية، ويجهل تاريخ وطبيعة ونوعية النظم السياسية وتركيبتها المعقدة؟! وكيف يكون التحليل السياسي قوياً ومتماسكاً ومن يتصدر له لا يعرف مدارس ونظريات العلاقات الدولية ويجهل تماماً تاريخ ومراحل تطور الدبلوماسية والسياسة الدولية؟! وكيف يكون التحليل السياسي أرضية صلبة ومنطلقاً صائباً لرسم ووضع الخطط السياسية المستقبلية ومن يتصدر له لا يعرف الفرق بين السياسة وعلم السياسة، ولا يستطيع التفريق بين النظم السياسية وخلفياتها الفكرية وتوجهاتها الأيديولوجية وتطلعاتها السياسية، ويجهل تماماً معنى أسس السياسة الخارجية ومنطلقاتها الرئيسة؟! وكيف يكون التحليل السياسي قاعدة يُبنى عليها وتنبؤاً يُستند عليه ومن يتصدر له لا يملك إلا انطباعات شخصية، ويغلِّب رغباته وأمنياته الذاتية، ويؤمن إيماناً مُطلقاً بأفكاره السطحية وتوجهاته المحدودة ورؤاه الضيقة غير العلمية؟! وإذا كانت هذه مُنطلقات رئيسة يجب العمل عليها كثيراً قبل التصدر للتحليل السياسي والخوض في غِماره وبحوره العميقة، فمن الواجب القول بدايةً إن هناك الكثير جداً الذي يجب معرفته في علم السياسة وفروعها الرئيسة قبل التفكير بالحديث في الشأن السياسي أو الشؤون السياسية، دون التوجه للتحليل السياسي. وبما أن التحليل السياسي يجب أن ينطلق من أسس صحيحة ويبنى على قواعد صلبة مصدرها المعرفة الحقيقية بعلم السياسة، فمن الواجب القول: إن علم السياسة - أو العلوم السياسية - علم أصيل له تاريخه العريق ومناهجه العلمية الرصينة ونظرياته العلمية ومدارسه الفكرية العريقة، وغيرها من أسس جعلت من السياسة علماً أصيلاً يُسيِّر السياسة الدولية ويؤثر في توجهاتها. فالسياسة علم أصيل وعريق له تاريخه، وليس كما يدعي الجُهلاء به عند قولهم إن السياسة فن الممكن؛ وفي ذلك القول الجاهل ظلم عظيم للسياسة كحقل علمي بشكل خاص، وجرأة كبيرة على العلم بشكل عام، وتسطيح للمعرفة، وتجهيلٌ للرأي العام. وبما أن التحليل السياسي يجب أن يُبنى على علم ومعرفة دقيقة بعلم السياسة، فإنه من الواجب القول: إن التحليل السياسي يعتبر مرحلة متقدمة جداً من مراحل المعرفة بعلم السياسة، إن لم يكن أعلى مراحلها. وإذا كانت مرحلة التحليل السياسي مرحلة متقدمة من مراحل المعرفة بعلم السياسة، فإن مرحلة التقييم السياسي تعتبر مرحلة أعلى من مرحلة التحليل السياسي - إذ تبنى عليها خطط رئيسة وتتخذ بناء عليها قرارات مصيرية. وبهذه المراحل المتدرجة - بداية من المعرفة الدقيقة والعميقة بعلم السياسة مروراً لمرحلة التحليل السياسي وصولاً لمرحلة التقييم السياسي - تكون الطروحات والتوقعات السياسية منطقية وبناءة، وتصبح التنبؤات والتطلعات السياسية عقلانية ورشيدة، وتحقق الخطط السياسية الأهداف الإيجابية والبناءة، وتوضع الخطوات والحلول لتجنب الوقوع في سلبيات كارثية ومُدمرة. وفي الختام نستطيع القول: إن حالة الجرأة الكبيرة والواسعة التي نشاهدها في الوطن العربي على التصدر للتحليل السياسي، وحالة التجرؤ العريضة على الخوض في مختلف الشؤون السياسية الداخلية والخارجية والدولية، ستكون لهما آثار سلبية كبيرة جداً على مستقبل النظم السياسية العربية واستقرار الوطن العربي بسبب الدخلاء على التحليل السياسي، وتواضع قدراتهم الفكرية، وضعف إمكاناتهم العلمية والمعرفية. هذا الواقع العربي المؤلم بحاجة ماسة لمعالجته سريعاً وتصحيح مساره قبل أن تصبح المسائل السياسية العربية عصية على الحل، وقبل أن يمضي الوقت الذي لا يمكن إعادته. ومسألة تحقيق هذه المعالجة والمسار في التحليل السياسي ممكنة وقابلة للتعديل والتطبيق إن تم الالتزام بالتخصصات العلمية وتصدير أصحاب العلم والكفاءة والخبرة في الشؤون السياسية والدبلوماسية والدولية، ومنع الدخلاء من الخوض في مسائل وشؤون لا يعرفون بواطنها ويجهلون نتائجها وارتداداتها. فهل يأتي هذا الوقت الذي نرى فيه الوطن العربي يقدم أصحاب التخصص والتأهيل كلاً في مجاله؟ أم أن المستقبل سيكون كما هو في الماضي: الجميع يفهم ويعلم ويحلل في كل شيء، حتى أضعنا كل شيء، وفقدنا الطريق الصواب والمسار الصحيح.