لا يتوقف مستقبل العرب على ما يفعله بهم الآخرون بقدر ما يتوقف على ما يفعلونه هم بأنفسهم، ووفقا لمعطيات السلوك العربي السياسي الحاضر فإن خيراً قليلاً يمكن توقعه في المستقبل، ولأن النتائج هي دائماً رهن بالمعطيات فإن معطيات الحال العربية السياسية الراهنة لا تجعل الغد منطوياً على أي قدر من التفاؤل. وبما أننا نعرف عندما نتحدث عن السلوك السياسي أنه السلوك المسيطر على كل سلوك آخر، من الاقتصادي إلى الاجتماعي الى غيرهما، فإن السياسة تصبح المحرك والموجه للأحداث، خصوصا في معظم البلاد العربية التي تنتقي السياسة الحكومة فيها كل المعطيات وتنفرد بتحديد النتائج، وإذا أمكنت المجادلة في شأن دور السياسة في احداث ما داخل الدولة، فإنه لا يمكن إلا التسليم بأن السياسة وحدها هي التي تتحكم في العلاقات بين الدول بالسلب او الإيجاب. ونحن عند البحث عن منابع السياسة في البلاد العربية فإننا واجدوها، وباستثناء بعض الممالك والإمارات التي تنطوي قيادتها على قدر من الجماعية، في يد واحدة، وفي معظم الأحوال شبه عسكرية. على ما تقدم فإن الانشغال بحاضر او مستقبل العلاقات العربية يتطلب العناية بدرس منبع السياسة وليس بما يحيط بها من ظروف وتقلبات، ولذلك يحسن، لفهم السلوك السياسي لمعظم دول العرب إزاء الحرب، التركيز على درس منبع القرار السياسي تكويناً وتوجهاً وطموحاً، فالعلاقات العربية هي اليوم وستظل رهناً برؤية وقرار منبع القرار، وسيظل تأثير العوامل الموضوعية في قرار السياسة العربية متواضعاً الى حد يمكن معه إهماله. إنك ترى جهداً يبذله مفكرون عرب وغير عرب في تحليل سياسات العلاقات العربية مغفلين حقيقة أن الأمور تتوقف على رؤية ونفسية وطموح منبع القرار السياسي ويجري إغفال هذه الحقيقة لبساطتها، فلا احد يصدق أن علاقات ذات أهمية بين دول متجاورة لا تعكس إلا رؤى وتطلعات فردية، ولعلنا نكتشف، لو حاولنا التركيز على درس منبع القرار، أن مثل هذه المحاولة أجدى لفهم معضلات العلاقات العربية، هذا فضلاً عن ان التسليم بهذه الحقيقة البسيطة، والتي تبدو ساذجة سيصرف الجهود الى الوجهة الصحيحة لعلاج سلبيات العلاقات العربية. لدينا ممالك وإمارات تتمتع السياسة فيها بقدر من الثبات وتتأثر الى حد ما بالمعطيات الموضوعية، الأمر الذي يبرر نسبياً درس السياسة فيها على اساس من الموضوع، لكن الذين يؤثرون في مسيرة العلاقات العربية السياسية، لأنهم الأكثر نشاطاً وجرأة، هم في الواقع منابع شخصانية للقرار السياسي، ومن ثم فإن محاولة فهم علاقات العرب، ومحاولة التأثير عليها يجب أن تحفل بمنبع السياسة الفرد وليس بالمعطيات الموضوعية، أي أن دراسة الشخص المقرر واستكشاف ما يصبو اليه من اهداف هما اكثر عونا على الفهم من الغوص في الظروف التاريخية والعصرية الاقتصادية والاجتماعية لشعب ذلك الشخص، فحاضر، كما هو مستقبل، العلاقات العربية امر رهين بعلاقات اولئك الأشخاص وليس لمصالح الناس في اتفاقها او تضاربها من شأن يذكر في تحديد نوع ومستوى تلك العلاقات. وإذ يظل الهدف من التركيز على دراسة منبع القرار السياسي أمراً لازماً لفهم ما يصدر أو يتوقع صدوره من القرارات التي تشكل عجينة العلاقات العربية، فإن ذلك الفهم يبقى الوسيلة الوحيدة للتكيف مع ما قد يحدث وهي على كل حال وسيلة لا تصلح للتأثير في سياسة عربية، فالقدرة على التأثير في سياساتنا ذات المنبع الشخصاني لا تتجاوز حد النصيحة او الرجاء، وهي امور لا يجرؤ اكثرنا على ارتكابها، وغالباً ما لا يتمتع بالصدق اولئك الذين لهم فرصة الإقدام عليها. أعرف أنني لا اقدم حلاً، ومن قال إننا نبحث عن حلول؟!، فقد درجنا على النظر الى من يقترح المساس بشخصانية السياسة مثل ذلك الذي يقترح على معاوية بن أبي سفيان إجراء انتخابات عامة تحت إشراف الاممالمتحدة. أعود الى القول إنه من الأجدى التركيز على درس منبع القرار وذلك لفهمه فقط، والفهم مرحلة مهمة لم نعبرها بعد، بل لازلنا نصرف الجهد والوقت في الخوض في معطيات موضوعية خوضاً يعيبه أمران: الأمر الأول: الغفلة عن أن لا أثر لأية نتائج نتوصل اليها او حلول نقترحها من واقع دراسات موضوعية، فلا أثر لكل ذلك على منبع القرار إلا إذا استسيغ، فالاستساغة هنا اكثر اهمية في تحديد السياسات، خصوصاً تلك التي تتعلق بالعلاقات العربية من أي واقع موضوعي. الأمر الثاني: هو النزوع الى الحلم بما يجب أن تكون عليه العلاقات العربية، وفي هذا ما فيه من الاستسهال، إذ ما على المفكر او الكاتب إلا أن يتخيل ما يتمنى ان تكون عليه تلك العلاقات من تضامن وأخوة ثم يقوم برسم اللوحة الزاهية، في حين أن الجهد الذي قد يكون له حظ من الانتاج يجب ان يبذل في درس ما يمكن أن تكون عليه علاقات العرب وليس ما يجب أن تكون عليه، فما يجب امر معروف، اما ما يمكن أن تكون عليه فأمر يظل مجهولاً ما تعلق الامر بشخصانية التوجه والقرار. والحق أن أهمية الدعوة الى درس منبع السياسة في شأن العلاقات العربية ليست مجرد أهمية آنية بل إنها تتعلق بالمستقبل، إذ يصعب على المرء أن يتصور منبعاً مشتركاً للسياسة في كثير من بلاد العرب، وكما قلت فباستثناء ممالك وإمارات يتحقق في قرارها قدر من الجماعية يتسع ويضيق وفقاً للظروف فإن بقية الأقطار تبدو وكأن الشخصانية فيها لن تتغير حتى ولو تبدل منبع القرار. إنهم نادرون بيننا أولئك الذين يرغبون حقاً في تقاسم القرار إذا ما وقع امره في أحضانهم، فالهدف عند معظم الغاضبين على منبع قرار هو الحلول محله وقد فعل ذلك دعاة قومية وفعله إسلاميون، وبالغ في فعله العساكر ولم تغب عنا إلا تجربة انقلاب ليبرالي مستحيل. وعليه، وقبل أن نفكر في محاولة إصلاح العلاقات العربية او التخفيف من وطأة سلبياتها في الحاضر والمستقبل، يجب أن ينصب جهدنا على فهم نفسية ورغبات وتطلعات منابع القرار النشطة، ففي تجاذبها وتنافرها المتواصلين تكمن سلبيات علاقات الحكم العربية والحل ليس في دراسات موضوعية لتوافق او تعارض مصالح الشعوب، بقدر ما هو في انسجام او توتر العلاقات الشخصانية، وقد شهدنا، ولو في حالات نادرة، كيف يؤدي تآلف وانسجام منابع القرارات السياسية إلى نوع من التضامن العربي، حتى ولو على حساب مصالح عربية. * كاتب. رئيس وزراء ليبي سابق.