الوعي والإدراك    استعراض تقرير "الاتصالات" أمام نائب أمير نجران    الانتماء والحس الوطني    التحول في القطاع العقاري يرتكز على رفع الكفاءة ووضوح الإجراءات    إنهاء برنامج التخصيص بعد تنفيذ واستكمال أعماله ومبادراته    بدء موسم «تخفيضات رمضان» في المنشآت التجارية والمتاجر الإلكترونية    الجيش الإسرائيلي يواصل خروقات وقف إطلاق النار في غزة    مليونا ضحية أوقعتهم حرب أوكرانيا    بوتين يؤكد دعم جهود الشرع ووحدة الأراضي السورية    أبها يعزز صدارته.. والعروبة يزاحم الدرعية    الهلال يجدد عرضه لميتي    سعود بن بندر يشدد على العمل التكاملي بين الجمعيات    الصداقة لا تربي    "السجون" و"عمارة المساجد" توقعان مذكرة تعاون    84 طالباً يفوزون بجوائز الأولمبياد الوطني    وزير الشؤون الإسلامية: ولي العهد مثال يحتذى به في القوة والشجاعة والعزيمة    الثقافة السعودية في واجهة الاقتصاد العالمي بدافوس    الشخصية المثمرة    نفتقد قلم الإبينفرين    «صحي المجيدية» يطلق «نحياها بصحة»    "سلامة المرضى" يناقش توجهات الرعاية الآمنة    لتعزيز الإنتاج العلمي والتبادل المعرفي.. «السيبراني» يشارك في الأولمبياد الوطني«إبداع»    ميتا تعلن اشتراكات مدفوعة لمنصاتها    يقتل شقيقه أثناء تشييع جثمان والدتهما    دوريات الأفواج الأمنية بمنطقة جازان تُحبط تهريب (268) كيلو جرامًا من نبات القات المخدر    ترقية (1031) فردًا في المديرية العامة لمكافحة المخدرات بمختلف الرتب    إنقاذ «مهاجر غير شرعي» في المتوسط    برعاية أمير المنطقة.. نائب أمير مكة يطلق 17 مشروعاً تطويرياً في المدن الصناعية    انطلاق هاكاثون «علوم الطوارئ » في فبراير المقبل    الأفلام السعودية إلى العالم عبر«لا فابريك-المصنع»    «الفيصل»: 50 عاماً من صناعة الوعي الثقافي    سمو ولي العهد يستقبل البروفيسور عمر ياغي بمناسبة فوزه بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025    زياد الجهني: نسعى لإسعاد جماهير الأهلي بلقب الدوري    الملاك السعوديون يحصدون مزاين «المجاهيم» و «الوضح».. فهد بن جلوي يتوج أبطال «الجذاع» بمهرجان خادم الحرمين الشريفين للهجن    في الجولة ال 19 من دوري روشن.. الهلال في اختبار القادسية.. والنصر ضيفاً على الخلود    في الجولة الختامية لمرحلة الدوري في يوروبا ليغ.. 11 مقعداً تشعل مباريات حسم التأهل لدور ال 16    تعادل الرياض والنجمة إيجابياً في دوري روشن للمحترفين    توقيع برنامج تنفيذي سعودي-صومالي لتفعيل التعاون في المجالات الإسلامية    السعودية في مواجهة الإرهاب رد بالوقائع لا بالشعارات    وكيل وزارة التعليم للتعليم العام يفتتح ملتقى نواتج التعلم «ارتقاء»     أمير حائل يُرحِّب بضيوف رالي باها حائل تويوتا الدولي 2026 من مختلف دول العالم    ما هو مضيق هرمز ولماذا هو مهم جداً للنفط؟    الشؤون الإسلامية بجازان تُهيّئ جوامع ومساجد محافظة ضمد لاستقبال شهر رمضان المبارك 1447ه    إطلاق برنامج «نور» وتكريم 95 دارساً.. الأحساء تحتفي بمحو الأمية    سانوفي تفوز بجائزة التوطين في قطاع الصحة السعودي    إطلاق بوابة "السجل العقاري - أعمال" لتمكين القطاع الخاص من إدارة الثروة العقارية    جامعة أمِّ القُرى شريك معرفي في ملتقى المهن الموسميَّة لخدمة ضيوف الرحمن    وافق على نظام حقوق المؤلف.. مجلس الوزراء: دعم «مجلس السلام» لتحقيق الأمن والاستقرار بغزة    سمو وزير الدفاع يلتقي وزير الدفاع بدولة الكويت    المبرور    إنفاذاً لتوجيهات خادم الحرمين وولي العهد.. وصول ثلاثة توائم ملتصقة إلى الرياض    7 أطعمة صحية تدمر جودة النوم ليلاً    نحن شعب طويق    متقاعدو قوز الجعافرة ينظّمون أمسية ثقافية ورياضية على كورنيش جازان    مجلس الوزراء يوافق على نظام حقوق المؤلف    النسيان.. الوجه الآخر للرحمة    نائب أمير جازان يستقبل سفيرة مملكة الدنمارك لدى المملكة    بعد الرحيل يبقى الأثر!!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"الحياة" تحاور الفكر العربي : أين نحن في العالم ؟ متى ينتهي الانحدار ؟ أي دور للمثقف ؟ . محمود عبدالفضيل : خلاص العرب بقيام قطب ثالث يقاوم شيخوخة التقدميين مقبلون على مخاض مؤلم والمال لا يتحول اقتصاداً وطنياً منتجاً بلا برامج وخبرات
نشر في الحياة يوم 01 - 02 - 2010

يعتبر الدكتور محمود عبدالفضيل واحداً من أغزر الكتّاب الاقتصاديين العرب انتاجاً، هو الذي ليس ثمة لديه تمييز كبير بين الاقتصاد والسياسة. من هنا نجده في مؤلفاته الكثيرة، من كتب ومقالات تنشر في الصحافة أو في الدوريات النظرية، يقترب من الاقتصاد اقتراباً سياسياً مباشراً، ومن السياسة اقتراباً اقتصادياً.
ومحمود عبدالفضيل، على عكس الآخرين من المفكرين العرب الذين حاورتهم"الحياة"في هذه السلسلة حتى الآن، لا يرى الأمور، من ناحية بعدها السياسي على الأقل، شديدة القتامة. فبالنسبة اليه يمكن أن تشكل ظواهر مثل حزب الله حسن نصر الله وحماس خالد مشعل، بحسب تعبيره، بصيص نور حقيقياً في نهاية النفق حتى ولو كان هذا النفق مظلماً. من هنا لم يكن مدهشاً لهذا الاقتصادي النهضوي ابن مرحلة الستينات، أن يبادر، قبل بدء الحوار، الى الشكوى"مما يفعله بنا الأميركيون". صحيح انه لا يرى أن كل الحق عليهم، لكنهم"مسؤولون الى حد كبير عما تدهورت اليه أوضاعنا". بيد أن هذا لا يدفعه الى اعفاء الزعامات والسياسات المحلية من"جزء كبير من المسؤولية". مهما يكن لا بد من القول هنا انه ما إن بدأ الحوار معه، حتى استعاد محمود عبدالفضيل علميته وقدم، للأوضاع العربية الراهنة، صورة مسهبة، من وجهة نظره كعالم في الاقتصاد.
ومحمود عبدالفضيل من مواليد القاهرة عام 1941، وهو حائز دكتوراه في العلوم الاقتصادية عام 1972. ومن الوظائف التي شغلها: معيد في كلية التجارة جامعة القاهرة،"خبير في قسم الاقتصاد التطبيقي"كما انه يشغل منصب المدير المساعد لبرنامج دراسات التنمية. وهو نال الجائزة التشجيعية في العلوم الاجتماعية من المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية في مصر في العام 1977.
ومن بين أهم مؤلفات محمود عبدالفضيل التي نشر معظمها في"مركز دراسات الوحدة العربية"وپ"دار الطليعة"في بيروت:"النفط والوحدة العربية"2001،"العرب والتجربة الآسيوية"2000 وپ"التشكيلات الاجتماعية والتكوينات الطبقية في الوطن العربي"1997 وپ"اتفاق غزة - أريحا: التحديات، المخاطر، التداعيات"1994 وپ"برنامج الاصلاح الاقتصادي الهيكلي في مصر والمغرب"1994 وپ"الفكر الاقتصادي العربي وقضايا التحرر والتنمية والوحدة"1985.
وحوار"الحياة"مع محمود عبدالفضيل يلي حوارات نشرت مع سمير أمين، جورج طرابيشي، طاهر لبيب، برهان غليون، علي أومليل، وجيه كوثراني، عبدالمنعم سعيد، محمد الرميحي، ابراهيم البليهي، سعد الدين ابراهيم، عبدالله الغذامي، طيب تيزيني وتركي الحمد.
كباحث في الاقتصاد ودارس للاقتصادات العربية منذ عقود، كيف تنظر الى الاوضاع العربية من منظور اقتصادي؟ أعني من منظور انعكاس الأوضاع الاقتصادية على الاوضاع الاجتماعية العربية، بالتالي الاوضاع السياسية؟
- سأبدأ بالحديث عن الفكر الاقتصادي العربي لأقول ان الأزمة التي يعيشها ليست سوى واحد من تجليات الأزمة التي يعيشها الفكر العربي في المجالات كافة. وأعتقد بأن ضخامة ازمة الراهن ستبدو اكبر وأشد ايلاماً إن تذكرنا الحيوية الكبرى التي كان يعيشها هذا الفكر في سنوات الخمسين من القرن العشرين، وفي جزء من سنوات الستين. حتى اليوم، اضع في مكتبي كتباً ودراسات تعود الى تلك المرحلة، اعيد قراءتها في كل مرة، لأجدها مملوءة بالاضافات والابتكارات التي قد لا تكون عميقة بما يكفي، لكنها على الأقل كانت حبلى بمشروع نهضة فكرية عربية متكاملة. قبل ذلك كان الفكر الاقتصادي العربي مجرد صدى للفكر الاقتصادي العالمي ? وفي احسن الحالات للفكر الأميركي اللاتيني او للكينرية على النمط الهندي - ثم وجد ذلك الفكر العربي الشامل، او حتى القطري الذي كان في طريقه الى الاكتمال، بل حتى للخروج عالمياً حين حلت كوارث الستينات ثم الفورة النفطية، يتوقف كل ذلك في ظل العولمة واستشراء الليبرالية الجديدة التي بدأت مع ريغان وثاتشر وماسي بتوافق واشنطن. منذ ذلك الحين اصبح جزء كبير من محترفي الفكر الاقتصادي من محترفي ذلك التوافق وفقدوا اصالتهم، فيما توقف الجيل القديم عن العطاء. وبات الحاضرون عاجزين عن حمل اية فكرة نهضوية لمصلحة افكار تكنوقراطية ضيقة الأفق. صرنا نلهث وراء اية فكرة تأتينا من الخارج، لنصل الى حد تمثل المحافظين الجدد. وهكذا ضاعت فرصة حد تمثل المحافظين الجدد، وضاعت فرصة فكرية ذهبية. لكنها لم تكن خسارة نظرية فقط، ذلك ان العقم الذي اصاب الفكر الاقتصادي كان لا بد له ان ينعكس عقماً في مؤسسات التخطيط والمؤسسات الحكومية... ما افقد الأمل ببلوغ أي تقدم او ازدهار حقيقي مخطط.
في رأيي ان ما نتخبط وسطه في العالم العربي، انما هو ناتج من هذا كله.
محاولات للنهوض
لماذا عجز هذا الفكر الاقتصادي العربي الذي كان نهضوياً ايام ما تسميه"حقبة المد القومي"اولاً عن التنظير لفترة النهوض تلك ومواكبتها بانجازات حقيقية جيدة التخطيط، ثم عن التنبه الى ما كان سيلي ذلك... أليست من وظائف الفكر الاقتصادي دراسة كل المعطيات للتخطيط لاحتمالات المستقبل؟
- من الأخطاء الشائعة في هذا المجال تحديداً، أن يعزى النكوص الى ما يسمى"حرية الفكر"... فالفكر يكون دائماً حراً في اطار ومناخ نهضويين. المشكلة هنا ان السياسة سبقت الاقتصاد، لأن ما مرّ على المنطقة العربية منذ اواسط الستينات كان عوامل متضافرة تصدت للأساسي الذي ساد قبل ذلك، وهو محاولات النهوض الاقتصادي. ما حدث عندنا كان حدث في بعض بلدان اميركا اللاتينية حيث كان صارخاً التدخل الخارجي الأميركي غالباً لضرب الانجازات التقدمية الداخلية. من هنا، عندنا كما في اميركا اللاتينية، لم يكن ما حصل فشلاً للمفكرين والباحثين الاقتصاديين، بل ضربة اتتهم من الموجة"الليبرالية"العاتية التي أدت الى انهاء دورهم في الجامعات والمؤسسات الحكومية، وكذلك في المنظمات الدولية والمنابر الفكرية. والحقيقة ان الاقتصاديين النهضويين لا يمكنهم ان يطبقوا نظرياتهم في ظل سلطات وحكومات تمنعهم من ذلك، لأن القرار الاقتصادي في هذا النوع من البلدان هو دائماً في يد السلطات.
لكننا نعرف ان بين الاقتصاديين النهضويين العرب مَن وصلوا الى السلطة، والى سلطة القرار، في انظمة غير نهضوية... اذكر مثلاً اسماعيل صبري عبدالله وفؤاد مرسي في مصر، ومحمد سلمان حسن في العراق وجورج قرم في لبنان. فكيف حدث ان فترات دخلوا فيها الحكم كانت من دون انجازات حقيقية، بل متناقضة في نتائجها مع ما كانوا ينادون به؟
- في حياة كلٍ من هؤلاء - وأتحدث هنا بصورة عامة - مرحلتان على الاقل. مرحلة أولى هي مرحلة النضال من اجل الافكار التي كانت بالنسبة الى بعضهم ماركسية الجذور، وبالنسبة الى آخرين الآخر كينرية او غير ذلك. إذ ذاك، سواء كانوا من المخطئين او من المصيبين، كانت افكارهم حرة مدروسة. ولكن حين دخلوا الحكم، أي آلية السلطة تبدلت الأمور، لأن هذه الآلية اقوى من رغبات الافراد وأفكارهم.
اسماعيل صبري عبدالله، الماركسي العريق، دخل الحكم في عهد أنور السادات، فشُلَّت حركته تماماً. دخل مأزقاً لم يكن يدري حقيقته، فلم يتمكن من تطبيق افكاره، بل فقد كذلك الحرية الفكرية وحرية الحركة اللتين كان يتمتع بهما. باختصار، لا اعتقد بأن هناك اقتصادياً عربياً حقيقياً وصل الى الحكم واستطاع ان يلعب دوراً اساسياً في اقتصاد بلاده، باستثناء بعض من وصلوا، في فترات محدودة، الى بعض المناصب التنفيذية كمحافظ للبنك المركزي هنا، او وزير للمال او للنفط او للاقتصاد هناك...
لنتوقف عند القطاعات العامة التي انشئت في بعض البلدان منذ الخمسينات في القرن العشرين. هل تعتقد بأنها انشئت انطلاقاً من دراسات اقتصادية محددة، وفي ضوء توقعات واهتمامات البيئات المحلية...؟
- على الاطلاق... انشئ معظمها انطلاقاً من ضرورات تاريخية آنية، وربما ايضاً - وهذا أدهى - انطلاقاً من عوامل ايديولوجية شعبوية كانت تؤسس في شكل مرتجل، وبعد ذلك ربما يؤتى بخبير اجنبي لدرسها وتقويمها. ثم يصطدم هذا الخبير بخبراء او باحثين محليين، ومن ثم بأزمة مع سياسيين متقلبي المزاج. مثل هذا احبط كل هذا النمط من المشاريع، حتى حين كان صاحب القرار رجلاً محنكاً. خذ مثالاً محمد سلمان حسن في العراق... انه نموذج للاقتصادي صاحب المبدأ، تمتع بمقدار كبير من الكفاءة العلمية وأصبح ذا فاعلية كبرى كوزير، لكنه لم ينسجم لا مع سياسة حزب"البعث"الحاكم، ولا مع سياسات اليسار الرسمي، فعاش مساراً انتحارياً بامتياز. ومثله في هذا ابراهيم كبه في العراق ايضاً. باختصار عرفنا اقتصاديين كثراً حاولوا وتعبوا، لكنهم في نهاية الأمر هُزموا امام السياسة فلم يفلحوا في تعميم افكارهم ولم يتمكنوا من ترشيد الحكومات، فانتهى الأمر بهم موظفين لدى منظمات اقليمية او دولية كسبتهم فيما خسرتهم اوطانهم، وأُحبِط غيرهم وانتهوا، صمتاً أو موتاً او انتحاراً.
من الاقتصاد الى السياسة
لأن أي حديث عن الاقتصاد هو في النهاية حديث عن السياسة، كيف تشخّص الواقع السياسي العربي الحالي... هل ما زلت قادراً على استخدام تعابير مثل الأمة العربية والوطن العربي والشعب العربي؟ نعرف انها موجودة في كتاباتك... الأولى على الأقل.
- نعيش نهاية مرحلة. يجب ان نعترف بأن هناك مرحلة من الصعود والنهوض سادت اواسط القرن العشرين، وكان من علاماتها جيل الأربعينات والخمسينات الذي لعب - كمثقفين - دوراً مجيداً، في الفكر والسياسة. هذه المرحلة التي يمكنني القول انها امتدت بين اواسط الأربعينات وأواسط السبعينات من القرن العشرين تلفظ الآن انفاسها الأخيرة... خصوصاً ان المرحلة التالية، لا تزال انتقالية منذ ثلاثين سنة ولا تزال تقطع انفاسنا حتى اليوم، طالما ان ما ينتهي عندنا لا يريد ان ينتهي. والرموز، بدلاً من ان يموتوا، يتحولون اشباحاً يسيرون بيننا، يعرقلون أي تغيير او الوصول الى أي جديد. ومن الظلم ان نطلب من الاشباح أي شيء!
المشكلة ان الأزمة الممتدة، في مصر وغيرها، منذ السبعينات لم توجد اجيالاً جديدة لها قوة الأجيال التي كانت تفعل بين 1945 و 1975وكفاءتها وزخمها. وهذا ينطبق على كل المجالات: على السياسة كما على الأدب، والفن والفلسفة والاقتصاد والنضال. في الزمن القديم كان لدينا في مصر وحدها اشخاص يحملون أسماء مثل طه حسين وأحمد لطفي السيد والعقاد. كانوا أناساً عاديين لكنهم كانوا جزءاً من تجربة المجتمع، ووقفوا وقفات مجيدة... هل لدينا مثلهم الآن في أي بلد عربي؟ يمكننا القول ان اجيال اليوم مظلومة بين إغراء المال السهل وفرص الهجرة وضروب القمع السياسي. نفِي من بلدانهم مفكرون ومناضلون كثر، كلهم من اصحاب الكفاءات ولو ان البقاء في اوطانهم اتيح لهم لكان من شأنهم ان ينجزوا الكثير. فالمرء قد يكون صاحب علم وجهد في بلاد الغير، أما ان يكون صاحب قرار ونظرة عملية الى المستقبل، فهذا ليس ممكناً إلا في وطنه.
هل تعبّر عن تشاؤم مطلق؟
- أبداً... هناك ظلام دامس مخيم، لكننا عرفنا ظلاماً دامساً خلال القرن التاسع عشر، ثم كانت ثورة 1919 في مصر و 1920 في العراق و 1925 في سورية، وقام جيل كامل من مثقفين وأعيان وأفندية خاض نهضة وقاد تحركاً وحقق استقلالاً. الأمر ذاته تكرر بعد 1945، ليولد زمن النهوض القومي في الخمسينات. من هنا ارى اننا مقبلون على ولادة جديدة، لكنها بالتأكيد ولادة متعسرة ذات مخاض مؤلم، خصوصاً ان ثمة فراغاً فكرياً كبيراً في أيامنا، نتج من سقوط المشروع القومي بفرعيه الناصري والبعثي ? نتيجة فقدان الحرية والديموقراطية ? كما من سقوط النموذج الاشتراكي الرسمي في الاتحاد السوفياتي وتوابعه. كل هذا لم يبقِ لأهلنا سوى نموذج واحد يجدون فيه اليوم هويتهم، هو نموذج الفكر الاسلامي. وأرى اليوم ان ظاهرة حسن نصرالله وخالد مشعل، شديدة الأهمية، لأنها مرتبطة بالفكر المقاوم، عملياً على الأرض وفي شكل ميداني. وأجدني ميالاً الى مخالفة جميع اولئك العلمانيين المبالغين في تصوراتهم لهذا الموضوع. ان رؤية هؤلاء تميل الى الاحتجاج ضد كل ما هو اسلامي أو تراثي، ينظرون اليه باعتباره سلبياً. أما انا فأنظر الى الأمر انطلاقاً من جدلية النضال ضد الاستعمار وضد الصهيونية. من هنا، استطيع التفريق بين ألف نوع ونوع من الأصوليات الاسلامية لأرى ان ظاهرة حسن نصرالله حزب الله وخالد مشعل حماس بممارستهما وخطبهما السياسية تجعلك تشعر بأن هناك شيئاً جديداً يحصل في عالمنا العربي، شيئاً يدعو الى الأمل.
الهدف والعدو
لكن الغالب على هذا النوع من الخطاب، انه خطاب رد فعل يتسم بشعبوية الشعارات، اكثر مما هو خطاب فعل مخطط ومنظم، رسم لنفسه أهدافاً واضحة محددة، لا سيما في مجال الاقتصاد السياسي والتنظيم الاجتماعي العصري.
- لا بأس... هي بداية والبدايات تكون هكذا دائماً. المهم ان يسفر هذا البصيص من النور عن وضع حد للتمترس الفكري المتزمت. هذا التمترس لا يفيد وليس له مفعول أو مستقبل، إن كان اسلوبه الانغلاق على من يريد أن يتحرك ويقاوم غير زاعم ان له خطة نظرية محددة منذ البداية. المطلوب اليوم هو الانفتاح على تركيبة جديدة متعددة التيارات، تضم الخط القومي والخط اليساري والخط الاسلامي. هناك ارهاصات كثيرة في هذا المجال. وهناك كتّاب كبار محترمون يشتغلون على هذا الصعيد. لكن المشكلة هي، حتى اليوم، أن كل فريق يقف أسير افكاره القديمة وعداواته البائدة، فالماركسي يرفض كل ما هو قومي والاسلامي يرفض الماركسي والقومي، والقومي هذا ايضاً دأبه، وهكذا... انهم جميعاً يجهلون أو يتجاهلون أن الهدف قد يكون مختلفاً، لكن العدو واحد وأسلوب النضال واحد. مهما يكن، ظواهر سليمة وصحية... وحين يخرج الناس اصحاب المصلحة من خنادقهم الضيقة سيكتشفون هذه الارصاهات، ويتعلمون كيف يسيرون في الطريق الصحيح.
لنعد الى المجال الاقتصادي الذي يشكل اساس كل بحث في نهاية الأمر... أنت تعرف ان المجتمعات لا يمكنها ان تطل على المستقبل بشعارات شعبوية أو ببرامج ردود فعل وطنية، بل ببرامج اجتماعية فاعلة. وهذا النوع من الارهاصات التي تتحدث عنها لم تقدم حتى اليوم سوى مواقف بطولية وجردات حساب ذات علاقة مباشرة بالماضي.. فما الذي يمكنها ان تقدمه الى الناس غير هذا؟
- هنا يكمن اختبار هذه الأطراف حقاً. فمثلاً حين تصبح ل"الاخوان المسلمين"كتلة في البرلمان المصري تصل الى مئة نائب، فهذا يعني انهم، حتى في صفوف المعارضة، قوة فاعلة يُحسب لها ألف حساب. وحين تصل حركة"حماس"الى الحكم في فلسطين بفضل انتخابات ديموقراطية، ستجد هذه الأطراف نفسها أمام امتحان البرنامج. عليها من الآن ان تعرفنا ما هي برامجها. هي لا تستطيع ان تعيش على أمجاد الماضي وعلى ردود الفعل أو الشعارات. عليها الآن ان تنتقل من حيز اللفظ الى حيز الفعل لتخلف فكراً وممارسة اجتماعيين قادرين على مخاطبة الناس.
وعلى رغم عواطفك، هل تعتقد كعالم اقتصاد بأن هذه القوى قادرة حقاً على خلق مثل هذا الفكر؟
- اعتقد بأنه صعب جداً عليهم ككتل، وامتحان الواقع سيقسمهم تيارين رئيسيين: تيار سيكتفي بأن يعيش على الشعارات والتعبئة السلبية للناس ضد المستعمر والصهيوني وما الى ذلك، وتيار آخر يهتم اكثر بمعالجة مشاكل الناس في شكل واقعي منطقي، لا بد له من الاعتماد على برامج ودراسات حيوية. ان الذين سيتحركون في هذا الاتجاه، يأخذون عادة خطاً لا يختلف كثيراً عن خط الليبراليين في الاشتغال على القضايا الاقتصادية ومسائل مثل التعليم والصحة والتربية وما إلى ذلك. من هنا، سيكون هناك فرز أساسي بين تيارات تفقد القاعدة الشعبية، وأخرى تسعى في إطار العدالة الاجتماعية. لكن التوليف بين كل هذه التيارات لن يكون مستعصياً إذا استبعدت الأنانيات والمصالح الضيقة.
كلام على النخبة
إذا اعتبرنا ان قادة الرأي، ولاحقاً قادة الأحزاب والتيارات، خرجوا دائماً من صفوف المثقفين، أياً يكن توجههم الفكري، وإذا أقرينا بأن ثمة أزمة فكرية وسياسية ونضالية يعيشها العالم العربي منذ ثلاثة عقود على الأقل، فهل ترى ان المثقفين، عموماً، أخطأوا في ما فعلوا أو في ما لم يفعلوا؟ هل علينا أن نحمّلهم المسؤولية أو العكس؟
- ربما يصح أن نقول ان المثقفين يتحمّلون مسؤولية التقصير. استنكفوا عن تشكيل مدارس فكرية حقيقية، وعجزوا عن أن يكونوا جزءاً من الطليعة النضالية الحقيقية. ولعل أسوأ ما فعلوه هو أنهم لم يواكبوا تجليات الحداثة والعصر في شكل منطقي ومعقول، فابتكروا إطلالات على الحداثة زادت غربتهم غربةً، ما رجّح من بينهم كفة أصحاب الشعارات والنزعات الضيقة. وهكذا ساد البعد عن الواقع وعن الاهتمامات العامة، أعمال النخبة الواعية منهم. خذ كتابات سمير أمين مثلاً، تجدها تحلق عالياً ولا تنظر الى الواقع العربي إلا من على مسافة بعيدة، بينما المطلوب هو تفكيك الخلل العربي من داخل، أضف الى هذا ان بعض الباحثين المنظرين يدورون ويلفّون كثيراً، أو يأخذون وقتهم، في شكل مبالغ فيه قبل الوصول الى لبّ المشكلة، مع اننا - خصوصاً في عالمنا العربي الراهن - على عجلة من أمرنا. فالمتغيرات كثيرة، ونلهث في شكل مؤلم من دون اللحاق بها، في عالم عربي قد يكون عنده مال وفير، لكنه يكاد أن يكون من دون أي اقتصاد على الإطلاق. فالمال لا يتحول اقتصاداً إلا متى توافرت البرامج والخبرات والمشاريع والكفاءات، ثم المؤسسات التي تلقي بظلها على هذا كله... ان العرب يشتغلون اليوم من دون خبراء حقيقيين، من دون مراكز بحث، بينما لدينا مئات من الخبراء والباحثين الذين إما أصبحوا موظفين تقليديين، وإما صاروا كالبدو الرحّل ينتقلون من مكان الى مكان عاجزين عن إقامة أي بناء ثابت وفعّال أو رافضين له، وعاجزين حتى عن نقد الواقع لتناقض هذا النقد مع مصالحهم الآنية.
رغم هذا، يقول كثر انه حدث بعد هزيمة 1967 ان قامت نهضة فكرية انتقدت كل الذي نعيشه وكادت أن تؤدي ان الى حركة نهوض فعلية...
- أجل... كانت نهضة حقيقية ضمت كثراً من المفكرين والفلاسفة، وضمت كذلك أسماء منظرين سياسيين من أمثال ياسين الحافظ وجمال الأتاسي... لكن هذا النهوض لفترة محدودة، مع انه كان عميقاً جداً في أفكاره وفي انتقاده. لكن عمقه لم يعنِ أنه كان فاعلاً حقاً...
لماذا؟
- لأن معظمه كان محاولات فردية، لا محاولات مؤسساتية. كانت هناك أفكار كبيرة ولكن لم يحتضنها حزب ولا مؤسسة ولا تنظيم، فتشتت أصحابها ولم يعد لهم وجود حقيقي فاعل، وإن ظل لبعضهم وجود أكاديمي أو نظري...
لكنك ذكرت ياسين الحافظ وجمال الأتاسي، ونعرف ان تلاميذ لهما، صاروا في هذا البلد أو ذاك حكاماً أو وزراء أو مخططي سياسة أو اقتصاد، من أصحاب القرار...
- مثل غيرهم، ما أن صاروا في السلطة حتى تغيّروا...
نحو قطب ثالث
إذاً، أنت ترى ان لا دور حقيقياً للثقافة في القرارات العامة أو الخاصة...
- أعتقد بأن الجواب وصل مرات خلال هذا الحديث. أرى اننا نعيش اليوم فترة جديدة تفرز طاقات حيّة متعددة، ذات كفاءة وحس نضالي، في المجالات الفكرية وغير الفكرية. وهناك طاقات أخرى كثيرة كامنة في مجتمعاتنا، مؤسف ان معظم من يحملها اليوم هم شباب يسعون الى الهجرة، ناهيك بالطاقات التي تضغط الأجيال القديمة على أنفاسها لتمنعها من التحرك... تلك الأجيال التي إذ وجدت نفسها تُحبَط عاماً بعد عام، لم يكن أمامها إلا أن تحبِط الأجيال التي تأتي من بعدها...
وتركت الشارع فريسة بين أنياب التطرف؟
- ليس هذا الاستنتاج دقيقاً. هناك التطرف، وهناك أصولية غير متطرفة، وهناك أيضاً صحوة إسلامية. ولنقل بوضوح ان الإسلام السياسي هو الوحيد الذي يبدو اليوم ان لديه مشروعاً سياسياً، ونراه فاعلاً قوي الحضور في النقابات والجامعات وفي النضالات الميدانية. الوحيد الذي يبدو ذا مشروعية. في المقابل تجد التيار اليساري يعيش على تاريخه، والتيار القومي يكثِر الشعارات...
في رأيك إذاً، يجب الاتكال على"الاسلام السياسي"؟
- لا أقول هذا. أقول انه تجب مقاومة الشيخوخة الفكرية والسياسية للتيارات التقدمية، من طريق وجود تيار ثالث بين القوى الحاكمة والتيار الأصولي أو الاسلامي السياسي أو سمّه ما شئت. قضية بناء تيار ثالث تبدو لي اليوم قضية مهمة جداً.
فمن يبني هذا التيار الثالث أو القطب الثالث؟
- لا يمكن أن يبنيه سوى العناصر الأكثر استنارة وعصرية في التيارات الإسلامية، إضافة الى قوى التجديد اليساري، والقوى القومية التي تعلن انتماءها الصريح الى الفكر الديموقراطي.
ديون العالم الثالث: ادارة من الباطن للاستقلال الوطني!
"تفاقمت مديونيات بلدان العالم الثالث على نحو لم يسبق له مثيل خلال حقبتي الثمانينات والتسعينات. ولسنا هنا بصدد البحث عن اسباب نمو المديونية الخارجية لبلدان العالم النامي وتفاقمها، ولكن ما يهمنا هو تسليط الضوء على الشروط المجحفة لعمليات الإقراض الخارجي وإعادة الجدولة التي تتعرض لها بلدان العالم النامي، فتسقط فريسة لجماعة الدائنين.وبصرف النظر عن مسؤولية السياسات والتوجهات الانمائية الخاطئة لمعظم البلدان النامية التي ترزح تحت عبء المديونية الخارجية، واعتمادها المفرط على النمط الاستهلاكي المستورد والتكنولوجيا المستوردة، فإن عملية"خدمة الدَين الخارجي"غدت احدى الآليات المهمة للسيطرة على مقدرات بلدان العالم النامي ونزع الفائض الاقتصادي المتاح لها، بالتالي تقويض الشروط الموضوعية لعملية التراكم الداخلي والذاتي.
ولا غرو في ذلك، فالمتفحص لأحدث الاحصاءات المنشورة بواسطة البنك الدولي عن تطور مدفوعات الفائدة الخاصة بخدمة الديون الخارجية لمجموع الدول النامية، يكشف ان مدفوعات الفائدة وحدها من دون تسديد أصل الدين كانت تلتهم ما يربو على 11 في المئة من حصيلة صادرات البلدان النامية منذ منتصف الثمانينات. كذلك، فإن مدفوعات خدمة الدين الأصل + الفوائد كانت تلتهم نحو 22 في المئة في المتوسط، من حصيلة صادرات البلدان النامية منذ منتصف الثمانينات، بعدما كانت هذه النسبة تصل الى 16 في المئة في بداية الثمانينات، الأمر الذي يهدد باستنزاف معظم حصيلة النقد الأجنبي المتاحة.
نتيجة لذلك، فإن بعض البلدان النامية، لم تعد لديه كميات من النقد الأجنبي سوى تلك الكافية بالكاد للوفاء بالتزامات خدمة الدين الخارجي، من ناحية، ولتسديد فاتورة واردات الحبوب الغذائية، من ناحية أخرى، من دون ترك أي"فائض"يذكر لتمويل برامج التنمية والاستثمارات الجديدة!
وفي أحوال كثيرة، نجد ان بعض الشروط المرتبطة بعمليات تجديد الديون وإعادة جدولتها شروط"غير مالية"وتمتد كي تفرض تصورات معينة لجماعة الدائنين حول"الإطار المؤسسي"الملائم لادارة العملية الاقتصادية في البلد النامي. بل قد يصل الأمر الى المدى الذي يجعل جماعة الدائنين تحصل على ما يشبه"عقد ادارة من الباطن"للاقتصاد الوطني المدين، لضمان حسن السير والسلوك، وفقاً ل"قواعد المرور الدولية". عندئذ نجد ان رقعة"الاستقلال الوطني"وحرية"القرار الوطني"تتقلص الى حد أن تنتفي تماماً.
لعل هذا الاستعراض الموجز لأدوات السيطرة على مقدرات بلدان العالم الثالث، يوضح هول الأوضاع المتردية التي تعيشها معظم تلك البلدان، حيث تعرضت كلها بدرجات مختلفة لعوامل التعرية، واختزِلت"رقعة الاستقلال الوطني"الى اضيق الحدود. وعبر عن ذلك الراحل الكبير أحمد بهاء الدين في يومياته المنشورة في جريدة"الأهرام"13/1/1987 بقوله: هوى"العالم الثالث"من حالق، إذ بعدما تخلص من ربقة الاستعمار، صار مغلول الأيدي والأرجل والعقل والارادة.
والسؤال المطروح الآن هو: كيف يتم فك تلك الأغلال، وتوسيع هوامش استقلال القرار الوطني، في قضايا التنمية وتوجيه الاستثمارات؟".
* من مقال لمحمود عبدالفضيل عنوانه"ماذا تبقى من السيادة الاقتصادية للبلدان النامية؟"
حول اقتصاد المعرفة
"يشكل"اقتصاد المعرفة"احد اعمدة ما يسمى"الاقتصاد الجديد"في عالم اليوم. وجاءت في العديد من الكتابات المتداولة هذه الأيام، صياغات مثل:
*"المعرفة قوة".
*"الأفكار"بمثابة"رأس مال معرفي"، سرعان ما تتحول الى"رأس مال مادي"مدرٍ للربح، مثلما كانت الحال مع شركة"مايكروسوفت"و"آبل"في عالم البرمجيات.
وهذا يعني ان"رأس المال المعرفي"اصبح احد مصادر"ثروات الأمم"، وأحد عناصر القوة في الاقتصادات والمجتمعات الحديثة الناهضة.
ولكن عند الحديث عن"اقتصاد المعرفة"، لا بد من الاشارة الى عدد من المحاذير، منعاً للخلط والالتباس في المناقشات والكتابات الجارية حول الموضوع.
أولاً: يجب عدم الخلط بين تراكم"رأس المال المعرفي"، وبين ارتفاع اعداد المتعلمين وعدد سنوات التدريس، وغيرها من المقاييس التي تستخدم في قياس مدى التقدم في مجال"التنمية البشرية".
اذ ان الرصيد التراكمي"لرأس المال المعرفي"يختلف عن رصيد"رأس المال البشري"المرتبط بعمليات التعليم واكتساب المعارف، ولا يرتبط بالضرورة بعملية تنمية القدرة على الابتكار والاختراع. اذ ان عدد"سنوات التدريس"لا علاقة له بعملية"التقدم المعرفي"، لأن هذا التقدم يرتبط اساساً بنوعية العملية التعليمية ونوعية مخرِجاتها.
ثانياً: ان نمو مجتمع"المعلومات"و"المعلوماتية"، لا يؤدي بالضرورة الى نمو"اقتصاد المعرفة"وتقدمه بالمعنى الدقيق للكلمة. اذ كي تتحول"المعلومات"الى"معرفة"، لا بد ان تمر خلال"عمليات معالجة"منطقية وإحصائية، تستند الى درجات متقدمة من النماذج التحليلية، وعلاقات السببية، والقدرة على"القياس"و"التنبؤ".
وإذا تأملنا في احوال المجتمعات والاقتصادات المتقدمة، نلاحظ ان جانباً كبيراً من"القيمة المضافة العالية"المتولدة في النشاطات الاقتصادية هذه الأيام، يكمن في الابداعات في"مجال التصميمات": Designs، سواء في مجال اعادة تصميم العمليات الانتاجية، والمنتجات، بل والعبوات، والنقوش والرسوم القمصان، النسيج، المفارش.
كذلك فإن قطاع"البحوث والتطوير"، يعتبر"القاطرة الأمامية"والمحرك الرئيس لاقتصاد المعرفة. لكن هذا القطاع اخذ يكتسب تدريجاً طبيعة احتكارية، على الصعيد العالمي، حيث توجد"حقوق ملكية"على الافكار والمعارف التطبيقية الجديدة، في ظل اتفاق"حقوق الملكية الفكرية"المنبثق عن"دورة أوروغواي"لمنظمة الغات. ويلاحظ انه قبل توقيع"اتفاق حقوق الملكية"، في اطار"اتفاق الغات"، كان القانون الأميركي، يحمى"براءات الاختراع"لمدة عشرين سنة، بخاصة بالنسبة الى:"المنتجات الصيدلانية"لشركات الأدوية، "تكنولوجيا المعلومات، الاتصالات. وكما نعلم، فإن"اقتصاد المعرفة"يعيش في اللحظة الراهنة حال"تفجر"، إذ بلغ عدد"براءات الاختراع"المسجلة في الولايات المتحدة خلال عام 1999: 161 ألف براءة، وهذا يشكل ضعف الرقم الذي سُجل منذ عشر سنوات!".
* من كتاب"من دفتر احوال الاقتصاد المصري"لمحمود عبدالفضيل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.