الوعي والإدراك    استعراض تقرير "الاتصالات" أمام نائب أمير نجران    الانتماء والحس الوطني    جامعة الملك سعود تنظم هاكاثون "علوم الطوارئ والسلامة".. الخميس    "بيئة مكة" تحدث معايير مياه الصرف الصحي المعالجة    النفط يرتفع.. ومخاوف بشأن الإمدادات الأميركية    الرئيس الأميركي: كوبا تقترب من الانهيار    جنوب السودان: تقدم المتمردين يهدد السلام    الحد من التسلح النووي لا يزال مطلباً    الهلال يجدد عرضه لميتي    آل الشيخ يعلن عودة تايسون فيوري لحلبة الملاكمة    سعود بن بندر يشدد على العمل التكاملي بين الجمعيات    الصداقة لا تربي    "السجون" و"عمارة المساجد" توقعان مذكرة تعاون    وزير الشؤون الإسلامية: ولي العهد مثال يحتذى به في القوة والشجاعة والعزيمة    الثقافة السعودية في واجهة الاقتصاد العالمي بدافوس    «ليلة عمر» يفتح حوار الإنسان والفن    الشخصية المثمرة    نفتقد قلم الإبينفرين    «صحي المجيدية» يطلق «نحياها بصحة»    "سلامة المرضى" يناقش توجهات الرعاية الآمنة    مكتسبات الرؤية للوطن الطموح.. 800 مليار ريال استثمارات مشاريع «التخصيص»    زيلينسكي يبدي استعداده للقاء بوتين.. الأراضي وزابوروجيا تعرقلان مسار السلام    لا تزال قيد الدراسة.. 3 خيارات للجيش الإسرائيلي لإخضاع حماس    دوريات الأفواج الأمنية بمنطقة جازان تُحبط تهريب (268) كيلو جرامًا من نبات القات المخدر    ترقية (1031) فردًا في المديرية العامة لمكافحة المخدرات بمختلف الرتب    بحثا مستقبل القوات الروسية بسوريا.. بوتين للشرع: وحدة سوريا أولوية ومستعدون لدعم دمشق    تكريم الفائزين بجائزة التميز العقاري    الخريف يدشن خطوط إنتاج في جدة.. السعودية مركز إقليمي لصناعات الدواء والغذاء    84 طالباً يفوزون بجوائز الأولمبياد الوطني    الأفلام السعودية إلى العالم عبر«لا فابريك-المصنع»    «الفيصل»: 50 عاماً من صناعة الوعي الثقافي    في الجولة ال 19 من دوري روشن.. الهلال في اختبار القادسية.. والنصر ضيفاً على الخلود    زياد الجهني: نسعى لإسعاد جماهير الأهلي بلقب الدوري    في الجولة الختامية لمرحلة الدوري في يوروبا ليغ.. 11 مقعداً تشعل مباريات حسم التأهل لدور ال 16    ليست مجرد كرة قدم    تعادل الرياض والنجمة إيجابياً في دوري روشن للمحترفين    توقيع برنامج تنفيذي سعودي-صومالي لتفعيل التعاون في المجالات الإسلامية    السعودية في مواجهة الإرهاب رد بالوقائع لا بالشعارات    ولي العهد يستقبل البروفيسور عمر ياغي الفائز بجائزة نوبل    وكيل وزارة التعليم للتعليم العام يفتتح ملتقى نواتج التعلم «ارتقاء»     أمير حائل يُرحِّب بضيوف رالي باها حائل تويوتا الدولي 2026 من مختلف دول العالم    ما هو مضيق هرمز ولماذا هو مهم جداً للنفط؟    إطلاق بوابة "السجل العقاري - أعمال" لتمكين القطاع الخاص من إدارة الثروة العقارية    سانوفي تفوز بجائزة التوطين في قطاع الصحة السعودي    الشؤون الإسلامية بجازان تُهيّئ جوامع ومساجد محافظة ضمد لاستقبال شهر رمضان المبارك 1447ه    جامعة أمِّ القُرى شريك معرفي في ملتقى المهن الموسميَّة لخدمة ضيوف الرحمن    وافق على نظام حقوق المؤلف.. مجلس الوزراء: دعم «مجلس السلام» لتحقيق الأمن والاستقرار بغزة    سمو وزير الدفاع يلتقي وزير الدفاع بدولة الكويت    المبرور    إنفاذاً لتوجيهات خادم الحرمين وولي العهد.. وصول ثلاثة توائم ملتصقة إلى الرياض    7 أطعمة صحية تدمر جودة النوم ليلاً    نحن شعب طويق    متقاعدو قوز الجعافرة ينظّمون أمسية ثقافية ورياضية على كورنيش جازان    مجلس الوزراء يوافق على نظام حقوق المؤلف    النسيان.. الوجه الآخر للرحمة    نائب أمير جازان يستقبل سفيرة مملكة الدنمارك لدى المملكة    بعد الرحيل يبقى الأثر!!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"الحياة" تحاور الفكر العربي : أين نحن في العالم ؟ متى ينتهي الانحدار ؟ أي دور للمثقف ؟ . وجيه كوثراني : المجتمع ، أكثر من السلطة ، وقف عائقاً في وجه دخول العرب عالم التقدم كيف يمكن الفكر ان ينتقل من النظرية إلى الممارسة في مجتمعات تسودها الأمية ؟
نشر في الحياة يوم 02 - 03 - 2008

من "الاتجاهات الاجتماعية والسياسية في جبل لبنان والمشرق العربي" عام 1976، الى"هويات فائضة مواطَنَة ناقصة"في 2004، حفلت مسيرة المفكر اللبناني وجيه كوثراني بكتب ودراسات وندوات ومحاضرات، واكبت التقلبات العربية والاسلامية خلال العقود الثلاثة الأخيرة من السنين. وهو، خلال مسيرته هذه، عرف عن قرب كثيراً من افكار التقدم، احياناً من موقع النضال الفكري المشارك، ولكن غالباً من موقع الباحث التاريخي... وإن كانت ملامسة كوثراني للتاريخ ملامسة شديدة الحداثة، تنتمي في سماتها الرئيسة الى مدرسة"الحوليات"التاريخية الفرنسية، حيث الاهتمام بتاريخ الافكار والتواريخ الثابتة المتواصلة، في حركة تغيرها البطيء، أكثر من الاهتمام بتاريخ ما يسمىپ"القطيعات الكبرى"من حروب وانقلابات وغزوات وما شابه.
ميدان وجيه كوثراني، هو في شكل اساس، الفضاء العربي، منطلقاً احياناً الى الفضاء الاسلامي، اما وسيلته في رصدهما فهي الاشتغال على تاريخ الافكار، خصوصاً تاريخ العلاقة بين الفكر والسلطة، مركزاً اهتمامه في شكل خاص على جدلية العلاقة بين المفكر وصاحب السلطة على مدى التاريخ العربي، ثم خلال القرن التاسع عشر حيث ظهر الفكر النهضوي الذي كان يبشر في ذلك الحين بتغيرات اساسية على مستوى الحركة الاجتماعية في العالم العربي على الاقل.
اما لماذا لم يتحقق ذلك فسؤال تجد في الحوار الآتي الذي اجرته"الحياة"مع وجيه كوثراني وذلك مداخل اساسية للاجابة عنه، ضمن سلسلة حواراتها مع الفكر العربي، التي نشرت منها حتى الآن حوارات مع سمير أمين وجورج طرابيشي والطاهر لبيب وبرهان غليون وعلي أومليل.
وجيه كوثراني الذي نال عن كتابه الاول"الحركات الاجتماعية والسياسية في جبل لبنان"درجة دكتوراه من جامعة باريس الأولى عام 1974، هو من مواليد بيروت 1941 لأسرة ذات اصول جنوبية تنتمي الى قرية انصار. انضم الى الهيئة التعليمية في كلية الآداب - الجامعة اللبنانية منذ عودته الى لبنان في 1975، ثم نال دكتوراه ثانية حول"سورية من الولاية العثمانية الى الدولة المنتدبة"في 1985. شارك في عدد من الندوات والمؤتمرات، كما ساهم في إصدار مجلة"منبر الحوار"الفكرية الشهرية في بيروت. ومن ابرز كتبه:"بلاد الشام"،"الخطاب السياسي والتاريخ"،"السلطة والمجتمع والعمل السياسي"وپ"التاريخ مدارسه"وپ"الفقيه والسلطان".
كيف يمكن ان نشخّص، من وجهة نظرك كمؤرخ، بالأحرى كباحث في التاريخ وتاريخ الأفكار، الواقع العربي الراهن في شكل عام؟ هل هو زمن استمرار او زمن قطيعة؟
- يمكن ان تضع عنواناً لهذه المرحلة، اجمالياً، هو: عودة الانحطاط. اننا، من دون مواربة، نعيش دورة من دورات الانحطاط في مسار التاريخ العربي. وما يصدق هنا على مجال التاريخ كله، يصدق ايضاً وخصوصاً على مجال تاريخ الافكار. وفي اعتقادي هناك اسباب يمكن التوقف عندها باعتبار انها هي ما ادى الى هذه المرحلة... لكنني افضل ان أتحدث عن الأسباب بكونها فرضيات، نظراً الى انه لا يمكن تحديد حركية التاريخ، بأسباب معينة واضحة، ذات مسار خطّي. هناك مسارات أدت، تراكمياً، الى هذه الحال التي يلاحظها الكتاب، وبقية البشر طبعاً معتبر أنها حال نكوص او تراجع... او حال انحطاط بالنسبة الى الأكثرية منهم. ومن جملة هذه المسارات تستوقفني ظاهرة تواجهنا في التاريخين العربيين، الوسيط والمعاصر. بل لفتت نظري خلال مراحل من التاريخ العربي، لا سيما في الحقب التالية لحقبة الازدهار التي تسمى"العصر الذهبي"بين القرنين الثالث والسادس الهجريين. هذه الحقب كانت، لمن يحب ان يتذكر، لحظة انكباب على القراءة والاطلاع والبحث والتجديد. كان هناك شغف بالقراءة والمعرفة. هذا الشغف كان سبباً اساسياً في تقدم الفكر العربي، بالتالي المجتمع العربي، على كل المستويات، بما في ذلك الفقهية والفلسفية والعلمية. بعد تلك المرحلة، مرحلة الشغف بالمعرفة والتي أطلق عليها الباحث محمد اركون اسم"مرحلة الانسانوية العربية"عن حق، نرصد جموداً في العقل العربي... ومن اهم سمات الجمود، احادية في الفكر وفي الثقافة. بدأ ذلك منتصف القرن الثاني عشر... ولاحقاً سنظل نلاحظ استتباب النظرة الأحادية في الفكر العربي والتي تتلخص في ميدانين وثقافتين: ثقافة فقهية احادية غير منفتحة، مقولبة ومضبوطة في أصول معينة، وثقافة صوفية. والسمة المشتركة بين هاتين الثقافتين هي انهما قائمتان على التلقين، بعيداً من أي حب بالمعرفة والاطلاع، او أي نزوع الى التجديد. في مثل هذه الثقافة يكون ثمة طرفان لا ثالث لهما: الشيخ والمريد... اما مضمون هذه الثقافة فيستعيد العلوم، والفلسفة...
نجدنا هنا في قلب قضية النقل والعقل التي لا تزال محكاً اساسياً حتى اليوم...
- أسوأ من هذا: حتى النقل يكون هنا صوفياً وفقهياً لا اكثر. والنتيجة الأساسية لمثل هذه الوضعية ظاهرة إحراق الكتب... أي ظاهرة محو المعرفة. ان مؤرخين كثراً يتحدثون دائماً عن إحراق كتب ابن رشد في الأندلس... لكن هذا كان نقطة في بحر، ومرحلة بين مراحل... إذ ان قراءة معمقة لكتب التاريخ العربي - الإسلامي ستلفت أنظارنا الى ان عمليات إحراق الكتب كانت رائجة ومتواترة. من هنا فإن كل صراع سياسي بين المذاهب والعصبيات كان يرافقه إحراق كتب فرقة على يد الفرقة الأخرى. هكذا أحرقت مثلاً كتب ابن سينا، و كتب الفلاسفة في بغداد، خصوصاً اثر مجيء السلاجقة الذين احرقوا كتب الشيعة ومؤلفات ابن سينا. كان هناك إحراق للكتب كما كان هناك ايضاً محو لهذه الكتب، أي إزالة الحبر عن الورق. وفي يقيني ان من واجبات المؤرخين اليوم العودة الى درس تلك الظاهرة، ثم السؤال لماذا سكت فكرنا العربي الانتقائي عن هذا، وهو، في رأيي، علامة أساسية من علامات الانحطاط.
من الماضي الى الحاضر
هل تعتقد بأننا اذا عدنا الى مثل تلك الأحداث والظواهر، سيكون في مثل هذه العودة إمكان لفهم ما يحصل في عالمنا اليوم؟
- حسناً... ربما أكون استطردت بعض الشيء من التقديم، وفي التوقف عند هذه الظاهرة في بعدها التاريخي... ومع هذا للإجابة عن مثل هذا السؤال، قد يكون ممكناً اللجوء الى واحد من منهجين معرفيين: المنهج الانتولوجي الذي سيوصلنا الى منهج انتروبولوجي. هذا المنهج يقول ان ثمة في تاريخ الثقافات ثوابت تقدر على تفسير سلوك اليوم... وانطلاقاً من هذا المنهج نجد ان ثمة لدى الأقوام استمرارية لها خصائص ثابتة، فهل يمكننا ان نُدخل هنا ظاهرة الابتعاد عن القراءة وعن الثقافة؟ هل يمكن إدخالها ضمن إطار هذا النكوص؟ علماء الانتولوجيا يقولون نعم، وبين المفكرين المعاصرين اليوم أولئك الذين يستخدمون الانتولوجيا لتفسير كثير من خصائص سلوك العرب والمسلمين. من هؤلاء، مثلاً، فؤاد اسحاق الخوري في كتابه"الذهنية العربية"حيث يحاول ان يجعل من هذه الظواهر خصائص ثابتة...
ألا ترى ان هذا يماثل ما كان يقول به الاستشراق"الانتروبولوجي"في شكل عام في القرن التاسع عشر، ووصل الى ذروته مع غوستاف لوبون ثم مع أرنست رينان؟
- بالتأكيد... هي نظرات استخدمها بعض الفكر الاستشراقي لدرس الشعوب في القرن التاسع عشر، ما حوّل العلم لديه الى ايديولوجيا بنى عليها ممارساته الاستعمارية. انا لا أحاول ابداً استخدام هذا المنهج في النظر او الدفاع عنه... كذلك لا اعتقد بأن المجال هنا مجال دحضه. فقط اقول ان ثمة في المقابل نظرة المؤرخ ومحلل التاريخ، ما يوصلني الى المنهج الثاني: فأنا كباحث في التاريخ لا احول هذه الظواهر، ثابتة كانت او متطورة، الى سبب يفسر الانحطاط، في صورة ميكانيكية خطّية. فقط آخذها في الاعتبار كسمة، او كعامل من عوامل التاريخ. ففي تاريخ الافكار تدور هذه وتتطور وتتبدل، طالما هناك تبدل في الاقتصاد وفي السياسة. بيد ان تغير الافكار يكون في العادة، أبطأ. التغير لا سيما في نظر مدرسة"الحوليات"الفرنسية في دراسة التاريخ ومن ابرز أعلامها فرنان بروديل ببطء هو الذي يوحي بالثبات. ولكن، لا شيء ثابتاً في التاريخ. كل شيء متحوّل، لكنه متحوّل بوتيرة مختلفة. انا لا يمكنني ان أرى الامور إلا من وجهة النظر هذه. طبعاً هناك عوامل اخرى في التاريخ العربي تدخلت لتجعل عوارض الثقافة العربية مستمرة لا تتحول إلا في بطء شديد. فمنذ تشكلت الدولة السلطانية واستقوت مع العهد السلجوقي ثم المملوكي فالعثماني والصفوي، قامت مؤسسة الدولة على ركيزتين: العصبية والدين وهو أمر نجده مشروحاً بوفرة ودقة في مقدمة ابن خلدون بحيث ان العصبية كمشروع سياسي تستقوي برجال الدين. ولتكون للدين فاعلية في مساندة السلطان، لا بد من ان يُحَوَّل أول الأمر الى ايديولوجيا سياسية عبر مؤسسات وممارسات، لا شأن لها طبعاً بالإيمان الديني والتعاليم الحنيفة. كان هذا شأن السلاجقة الذين جعلوا السلطانيات مراكز ومدارس تقوم فقط على المذاهب الأربعة فأقفلوا بذلك باب الاجتهاد. حدث شيء مماثل خلال المرحلة الصفوية في ايران والمرحلة العثمانية، حيث قامت مؤسسة مشيخة الاسلام التي صارت سداً منيعاً في وجه كل تجديد، تطلق عليه اسم بدعة وتكفّره. من هنا برزت وسادت ظاهرة احادية الثقافة والاستغناء عن شغف المعرفة وإعادة النظر في الماضي... كل هذا غاب، كما غاب النقد وفي مقدمه قراءة الحاضر في ضوء دروس الماضي، ناهيك بغياب النظر الى النصوص المعرفية في ضوء حاجات الحاضر. كل هذا غاب وحورب طوال قرون من الزمن، ثم كانت مرحلة الاحتكاك بالغرب التي وجب على العقل العربي - الإسلامي ان يصل إليها بالضرورة مع انفتاح العالم على بعضه بعضاً. وهكذا ولد الفكر النهضوي في القرن التاسع عشر كاستجابة للتحدي الذي مثّله الغرب، ما حرك جمود الثقافة العربية، وجعل ? على الأقل ? بعض النخب العربية التي اطلعت على الثقافة الغربية وما يحدث في الغرب، تبادر الى نوع من المقارنة الملحة بين أوضاعنا وأفكارنا وأوضاع ذلك الغرب وأفكاره. هذه المقارنة هي التي حركت الجدلية التاريخية، بالتالي حركت نوعاً من اعادة النظر في التاريخ... انه الوعي الذي اسميه: الوعي المقارن.
مسألة السلطة
في رأيك، هل صارت السلطة ذات يوم، في السياسة او المجتمع، بين أيدي فكر الوعي المقارن؟ مثلاً لنأخذ العصر الذي نسميه ليبرالياً في النصف الأول من القرن العشرين، كما تجلى في بعض البلدان العربية كمصر وسورية ولبنان، هل تراه كان مرتبطاً، في شكل او آخر، بأي جزء من أجزاء الفكر النهضوي؟
- ليست المشكلة، ولم تكن ابداً، ان يصبح هؤلاء المفكرون سلطة، او يصبح فكرهم فكر السلطة. المسألة الأساس هي ان هذا الفكر، وقبل ان تُطرح من حوله مسألة السلطة، كان عليه ان يصل الى وضع لم تتنبه إليه إلا في صورة جزئية... وملخصه ان افكار عصر النهضة لم تتحول الى تيارات فكرية داخل المجتمع نفسه. وهذا ما وضعني، امام اسئلة حاولت ان أجيب عنها في بعض أبحاثي، ومنها: لماذا لم يتحول فكر عصر النهضة افكار الطهطاوي والافغاني ومحمد عبده، ثم افكار الليبراليين العلمانيين من امثال شبلي الشميل وفرح انطون الى تيارات فكرية تفعل في المجتمع؟ هنا تحضرني جملة من الاسباب او الفرضيات، أهمها ان هذه الافكار النهضوية، سواء كانت ليبرالية او إسلامية إصلاحية، او حتى سلفية متنورة، كان يمكن ان تتحول الى تيارات، وان تنتقل الى المجتمع، ما كان من شأنه ان يعزز تداولها ثقافياً إن صح التعبير، بالتالي تصبح متداولة على أوسع نطاق وفاعلة، لو ان مشروعاً تربوياً تثقيفياً نجح اذ طبقته الدول والأنظمة الحاكمة، من طريق المدارس والتعليم...
هل تتحدث عن أنظمة ما بعد الانقلابات العسكرية؟
- بل عن أنظمة سبقتها كثيراً...
اذاً ماذا عن إنجازات الخديوي اسماعيل العمرانية النهضوية، وعن مشاريع طه حسين في التربية والتعليم، وما شابه ذلك؟
- كل هذه كانت مشاريع تحديثية، وكذلك حال مشاريع نفذت، جزئياً غالباً، في العصر المسمى عصر النهوض القومي. لكنها في الحقيقة كانت تفتقر دائماً الى مزيد من الحماسة والجدية والتخطيط، ثم الانتقال الى المجتمع العريض. لنأخذ مثلاً، هنا، افكار رفاعة رافع الطهطاوي. من يقرأ كتابه الاساس"تخليص الابريز في تلخيص باريز"يجد انه يحاول بصدق وأمانة ووعي ان ينقل الى القارئ العربي - قارئه - كثيراً من الافكار الدستورية والحكم الدستوري، لا سيما فكرة المُواطَنة ومفهوم فصل السلطات... بل حاول ان يوجد لهذا كله خلفية تراثية. مثلاً، حين تحدث عن القانون الطبيعي وجد مرجعية تراثية له عند المعتزلة في مفهوم التحسين والتقبيح حيث ان ما هو حسن او قبيح يمكن ان نصل اليه من طريق العقل. ولكن ما الذي اخذه الحاكم، محمد علي او اي من خلفائه، من افكار الطهطاوي؟ اخذوا اموراً عدة، ولكن ليس الأفكار السياسية والدستورية والاجتماعية. كانوا في حاجة الى بناء جيش والى صناعات عسكرية والى طب وعلوم وكادرات وظيفية... ولم يجدوا انهم في حاجة الى جوانب دستورية فظلت هذه غائبة. بل ان كتاب الطهطاوي الذي اشير اليه لم يطبع في عهد محمد علي، بل بدءاً من ستينات القرن التاسع عشر. اذاً حين حاول حكام اصلاحيون ان يطبقوا جانباً من جوانب فكر النهضة، اكتفوا بالجوانب التقنية ضاربين صفحاً عن الأمور السياسية. الحاكم المستبد يعتقد دائماً، مهما كانت درجة تنوره، بأنه هو من يصنع السياسة... لذا لا يحتاج إلا الى العلم والتقنيات فيسارع الى محاربة كل ما هو معرفي تنويري في مجال العلوم السياسية والانسانية والاجتماعية، والى حظره. ومن هنا اجدني ميالاً الى القول ان الخطأ لم يكن خطأ المفكرين والكتاب... فهؤلاء طرحوا مشاريع نهضوية متكاملة ذات أبعاد متباينة، اكتفى منها الحكام بما يريدون. اما في المجال الفكري فأعادوا الحياة دائماً الى الثقافة النقلية المرتبطة بأحادية الفكر والنظر نفسها. وهكذا استمر المجتمع العربي، على رغم وجود مفكرين نهضويين، ووجود حكام متنورين، ينتج الثقافة القديمة المنسوخة ذاها. كما ان محمد عبده والطهطاوي وغيرهما لم يُقرأوا ابداً إلا ضمن إطار نخب ضيقة جداً. والدليل سيبدو ماثلاً إن قارنا بين ما طُبِع، في حينه، من نسخ كتب الطهطاوي او عبده، وبين - مثلاً - ما طبع من نسخ كتاب صدر في الفترة عينها في اليابان لكاتب ياباني اسمه يوكيشي فوكوزاو عنوانه"تحفيز على التعلم". هذا الكتاب صدر عام 1872 ب220 ألف نسخة في طبعة اولى، ثم تجاوز ستة ملايين نسخة خلال 25 سنة. فهل نجمع هنا، على سبيل المقارنة، عدد النسخ التي طبعت من كل كتب النهضويين العرب مجتمعة؟ هل نقول انها كلها لا تتجاوز عشرة آلاف نسخة في احسن تقدير؟ جاء الكتاب الياباني ليحض الناس على العلم قائلاً ان ثمة، في ذلك الزمن، علمين لا يجوز الفصل بينهما في أي حال من الأحوال: علم فيزيائي وعلم اجتماعي... أتى الكاتب - بحسب ما يقول الكاتب الفرنسي آلان بيرفيت في معرض تعليقه عليه - ليقول بضرورة التشديد على الثقافة الجامعية كمضمون يعطي الاستقلال معناه، وأيضاً ضرورة الاهتمام بالشيء الغربي... بكل شيء غربي.
هل كان يمكن تطبيق هذا الدرس التاريخي في لحظة ما من تاريخنا الحديث، بعد هزيمة حزيران يونيو 1967 مثلاً. خلال تلك المرحلة كثرت كتب النقد والتحليل الفكري، لكن احداً لم يكن يتوقع ان"ننتهي"من تلك المرحلة النقدية بسرعة لنصل الى الانحطاط الذي نحن عليه الآن. فهل كان المفكرون العرب الناقدون يدورون في حلقة مفرغة؟
- سأجيب عن هذا السؤال مواربة، فأقول أولاً ان المرحلة التي نعيشها منذ مئة عام يمكن اعتبارها مراحل، اهمها اثنتان، ما قبل 1950 وما بعده. قبل 1950 كان يمكن ان يكون ثمة رهان قائم على شرطين، ملامح تحققهما آنذاك بدأت تظهر: ملامح الديموقراطية العربية حياة برلمانية، دساتير، مناهج تعليم، انشاء مدارس... بروز المرأة العربية كجزء اساسي من المجتمع... الخ. كان النموذج الأبرز في ذلك الحين نموذج طه حسين الذي كان يسعى الى تعميم التعليم. وكان يمكن لهذه التجربة الديموقراطية - مهما كان حجمها - ان تنجح لولا تدخل عاملين، واحد داخلي وآخر خارجي، لا اميل هنا الى رسم أي تراتبية بينهما. العامل الاول هو الانقلابات العسكرية التي عبرت عن استعجال مَرَضي للوصول الى السلطة، ودائماً عبر اعادة انتاج المفاهيم السياسية السلطوية القديمة الراسخة في العقل الاسلامي - العربي: مفاهيم امارة الاستيلاء والتغلب التي تكاد الانقلابات العسكرية في بلادنا، ان تكون نسخة جديدة منها. اما العامل الخارجي فهو الاستعمار الاجنبي الذي انتج - ووصل الى ذروته - في كارثة فلسطين. كانت هذه الكارثة قطيعة حقيقية في أي مسار نحو العصر، ليس بالنسبة الى الشعب الفلسطيني وحده، بل بالنسبة الى العرب والثقافة العربية في شكل عام... ما ادى الى اقصى درجات الاحباط والخيبة. اذاً، تضافر هذان العاملان، ليحولا حياة العرب وذهنياتهم الى كارثة فعلية... كارثة ما زلنا نرى آثارها ماثلة في التصرفات والشعارات العاجزة التي نلاحظ وجودها في تلك التظاهرات التي تعم العالم العربي بين الحين والآخر، من القاهرة الى محيط عوكر مقر السفارة الاميركية في بيروت، ومن الخليج الى المحيط... شعارات تعيد انتاج صورة العجز والاحباط واللاوعي. انها شعارات هروب الى أمام، وعجز عن التحرك، تسعى دائماً وفي شكل محزن الى احالة اسباب النكوص والتخلف الى الخارج والاستعمار والصهيونية، كأن كل شيء لدينا كان رائعاً ومزدهراً، حتى تدخل هؤلاء!
اما الفكر النقدي العربي الذي ساد لدى المثقفين خصوصاً، بعد هزيمة 1967، فكان في معظمه محاولات نقدية واعية وجدية. لكنها لم تخرج عن اطار النخب القارئة... ثم عادت الانظمة العربية واستوعبت المنتقدين، احياناً بثمن زهيد هو عبارة عن اصلاحات لفظية طفيفة، وأحياناً من دون ثمن. وهكذا عجزت الافكار هذه المرة ايضاً عن ان تتحول الى فعل خلاق وتيارات نقدية عريضة الجمهور. ولعل السبب الأساس هو - اضافة الى عناصر اخرى - الأمية المستشرية في بلادنا. فعندما يقول لنا تقرير التنمية البشرية ان لدينا 70 مليون أميّ فعلي، نسأل ما الذي يعنيه هذا الرقم؟ يعني الغياب التام للرأي العام. فالتنويريون في اوروبا والعالم عرَّفوا دائماً الرأي العام بأنه الجمهور القارئ المناقش انطلاقاً من تعريف كانط له. من هنا، لا رأي عاماً لدينا، لأن السائد هو أمية الشعب. حيث اننا اذا اضفنا ال70 مليون أميّ الى عشرات الملايين من حاملي الشهادات الذين لا ثقافة حقيقية لديهم، تصبح لدينا اميتان: واحدة حقيقية وأخرى مقنّعة تتألف من حملة الشهادات الذين يعيشون بلا ثقافة، بلا وعي وبلا انتاج.
فكيف يمكن والحال هكذا، للفكر النقدي الذي انطلق بعد الهزيمة، مع عبدالله العروي وتابعه عشرات من كتاب عرب مرموقين انتجوا وما زال بعضهم ينتج الى اليوم، على مستوى النص المعرفي عشرات الكتب ومئات الدراسات في الشرق كما في الغرب، لا سيما في الغرب، كما في بلدان الخليج العربي خلال العقدين الأخيرين، كيف يمكنه ان يحقق التواصل مع جمهوره، ليكون فاعلاً؟ زر أي معرض للكتب تجد الجواب: مئات الكتب الفكرية تطبع وتباع ولكن ليس ثمة من يشتري. في المقابل يتهافت"الجمهور"- الذي نقول اننا نعمل لأجله - على شراء كتب الأبراج والحظ والوصفات الطبية والجمالية المضحكة. كيف سيتشكل الفكر النقدي الفعال ازاء هذ الوضع؟ يبقى الفكر، اذاً، أسير النخب ولا ينتقل الى صنّاع القرار، ولا الى الأحزاب التي صارت، كلها، من دون فاعلية او هدف إلا الحفاظ على وجودها. ومهما يكن لا بد من القول ان النخبة وسط هذا كله تنتج ولا تيأس...
المسألة الثقافية في مناخ العولمة
"العولمة مسارٌ لا رجعة فيه، لكنها تمثل تحدياً للثقافات المحلية والوطنية والقومية. ان عولمة الثقافة هي من اقوى مظاهر العولمة: جماهيرية المنتج الثقافي المتجاوز القيود والحدود، وتنميط هذا المنتج، وتسويقه عبر شبكات تتحكم فيها شركات عابرة للحدود.
فهناك ملاّك عددهم محدود للجرائد الكبرى في العالم وقنوات التلفزة الاخبارية الكبرى، والبرمجيات، وشركات الانتاج السينمائي العالمية، أسماؤهم بيل غيتس، وروبرت مردوخ، وتيد نورنر، وكونراد بلاك، وجان لوك لاجارديير، هؤلاء حولوا المنتج الثقافي والإعلامي والترفيهي الى سلعة معولمة منمطة، يتحكمون بشبكات انتاجها وتوزيعها في اتجاه واحد من شمال منتج وموزع الى جنوب مستهلك.
حوّلت العولمة الثقافة الى بضاعة منمطة تستهدف اعداداً هائلة من مستهلكين على مستوى العالم، وهي منمطة لضرورة الانتاج الجماهيري الواسع، وهي تقدم على انها ثقافة عالمية لا وطن خاصاً بها على رغم طابعها الغربي او المتغرب. الا انها تخلق رد فعل مزدوجاً او متناقضاً: فهي من جهة تستهلك على مستوى العالم بمختلف اقوامه، لكنها من جهة ثانية تدفع الى الارتداد الى الثقافات المحلية التي هي الوجه العكسي للعولمة. ورغم ان رد الفعل هذا مشروع لأنه يدافع عن الخصوصيات الثقافية، الا انه لن يغير من واقع الأمر شيئاً، لأن امام أي ثقافة غير غربية مصيرين: إما ان تتحول الى ثقافة محلية، تخص قومها، والذين حتى لو اعتدوا بها فإن هذا الاعتداد لا يجنبها الانعزال والمحلية، وإما ان تكسب رهان التحديث، فتسلك طريقها الخاص الى الحداثة التي تعني ان تكتسب قيمة تبادلية في سوق الثقافات المتقدمة في عالم اليوم.
ان حوار الثقافات ليس مجرد مناظرة بين ثقافات في الأفكار والقيم والعقائد، بل هو تفاعل بينها. وهذا لا يتأتى لثقافتنا الا اذا كانت قادرة على حوار الآخر كثقافة تفرض حضورها وجدواها بالنسبة اليه.، ولا يكون ذلك ممكناً لمجرد اقتناعنا بعراقة ثقافتنا، بل لا بد أن تسندها قوة اقتصادية وسياسية تعطي للثقافة قوتها وقيمتها التبادلية في سوق الثقافات المتقدمة، ثم ان تحديث ثقافتنا يقتضي وجود قاعدة اجتماعية واسعة مندمجة في الحداثة. اما اذا ظلت هذه القاعدة خارجها فإن الذي يحصل هو الارتداد الواسع الى ثقافة محافظة، وإحياء مظاهرها الدينية المتشددة، تصوغ منها هوية منغلقة اقصائية، لا ترى في الحداثة سوى اعتداء على هويتها، فلا تسعى الى مد الجسور مع ثقافات الغير.
ان مفهوم الثقافة وطبيعتها تغيرا، وإن ما تربى عليه من سلوك وقيم يتوقف عليه مدى نجاح او فشل الاندماج في عالم اليوم والمنافسة فيه. والثقافة لم تعد ذلك الشيء الكمالي الذي نفرغ اليه بعد ان ننتهي من اعمالنا ومهامنا اليومية، بل الثقافة اليوم هي المحدد للسياسات: مبادئ السياسة الاقتصادية، اهداف التربية والتعليم، اسس التوافق على قواعد العمل السياسي والمبادئ التي تقوم عليها المؤسسات السياسية، دور الدولة في عالم اقتصاد السوق والمنافسة، والتأصيل الثقافي للديموقراطية. ثم ما هو جوابنا على التحدي الذي اصبح يلوّح به الليبراليون الجدد وهم يربطون الحداثة الاقتصادية والحداثة الديموقراطية الليبرالية ربطاً حصرياً بالقيم الثقافة الغربية؟
عاد هؤلاء الى المذهب النفعي ليفسروا به الدافع العميق للسلوك الانساني: وهو ان السلوك الأساسي للانسان هو طلب منفعته بمعناها المادي المباشر، لذلك يقيّمون الانسان بنجاحه في الاعمال والنشاطات الجالبة للثروة وما تبعثه في النفس من رضا بالنجاح وما تتيحه من تمتع. فهل كل غاية الانسان من وجوده هي هذه؟ وهل النجاح في الأعمال والمهن هو وحده الذي يعطي المعنى للحياة؟ هذه الاسئلة الفلسفية ليست هي التي تعنينا هنا، بل الذي يعنينا هو سؤال الثقافة كمحدد لمبادئ السياسات واختياراتها الكبرى في كل المجالات.
* من كتاب "سؤال الثقافة" لعلي أومليل 2005.
المأزق الثقافي ومحاولة الخروج منه
"يُلاحظ احد الكتّاب العرب ممن تابع اعمال"المنتدى الاجتماعي العالمي"في بورتو أليغري،"غياب الوعي العربي لأهمية التواصل مع مواطني العالم"، فيشير بحق الى مفارقة نشاركه في التشديد عليها، هي اننا نحن العرب"أكثر شعوب الارض احتجاجاً على ظلم النظام الدولي السائد، وأقل المشاركين بين تلك الشعوب في الجمعيات والمنظمات المناهضة لهذا النظام".
ما السبب؟
قد تكون هناك اسباب لهذه الحال المتردية. ونتساءل: هل يكمن احد الاسباب في ضعف هامش الحريات المدنية في دولنا ومحدوديته، الامر الذي يُضعف دينامية المجتمع المدني الى حد الألغاء؟ ام تراه في ضعف الوعي الشعبي بأهمية التحرك عالمياً كنتيجة لغياب"رأي عام"في مجتمعاتنا؟ وهل سبب كل هذا عائد الى نوع من الثقافة السائدة والمستدخلة الممانعة لتشكل ذاك الوعي؟
لا شك في ان الأسباب متداخلة، لكن الوقوف على طبيعة الثقافة السائدة، والتي نراها تتحرك في شكل اساسي بين حدين ثقافيين وعنوانين ايديولوجيين: اسلامي وقومي، وتحت مظلة خطاب واحد هو خطاب"الهوية"الاحادية، قد يساعد على بعض من التوصيف والتعليل. ذلك ان الانحباس داخل ثقافة تختزل عناصرها ومقوماتها في ظاهرة إثنية: لغة وتقاليد وذاكرة تاريخية، وتاريخ خاص منفرد ومتفرد، لا يؤدي، مهما كانت الاسباب المؤدية الى ذلك مفهومة ومشروعة، إلا الى حالة من العزلة عن العالم، ومعاداة له. والخطير ان هذه المعاداة نحسبها"جهاداً"او"نضالاً"باسم"المقاومة"او"الممانعة". والحقيقة انه مهما كانت مبررات هذه الممانعة مشروعة بحجة رد الفعل الجماعي على مصادر الظلم، او بفعل التبرير الوظائفي السياسي لأشكال الممانعة، فإن الذهاب بأبعاد هذه الممانعة الى حد"الممانعة الثقافية"، والتي يُعبّر عنها خطاب"مقاومة الغزو الثقافي الغربي"مثلاً، يجعل الثقافة العربية عموماً حقلاً للصراع الثنائي المكبل والمعوق وأحياناً المميت. فغالباً ما يُترجم الصراع نفسه في خطابات ثنائية تجعل ثنائيات الخير والشر، الايمان والكفر، الحق والباطل، معايير يتم سحبها على مفاهيم وعقليات ومواقف وعقائد: دين وعلمانية، تراث وحداثة، شريعة ومجتمع مدني... الخ. لكن الذهاب الى هذا الحد في فرز الاتجاهات والمواقف الثقافية فرزاً ثنائياً مطلقاً قد يؤدي بنا الى كارثة حقيقية. لأن خيار"هوية أحادية"في خضم التحولات العالمية وانكشاف الثقافات والأفكار وتداخلها، واعتبارها - أي الهوية -"عقيدة"صافية، او حقاً مطلقاً هو نوع من اختيار لپ"هوية قاتلة"على حد تعبير أمين المعلوف، او"هوية مقتولة"في آخر الامر.
صحيح ان احداث 11 ايلول سبتمبر المفجعة وما تلاها من احداث مؤلمة، هي تعبير عن اختناق عالمي وصل الى ذروته، بعد ان تأسس ونما على غياب العدل وممارسة ظلم لا يُطاق على الضعفاء في العالم، لكنها ايضاً مؤشر خطير الى استخدام الثقافة والدين في الصراع السياسي العالمي ومن ضمن تلك الثنائيات الصراعية. والمفارقة ان القوى التي دشنت هذا الاستخدام واختبرت فعاليته زمناً طويلاً هي القوى الامبريالية الغربية نفسها".
من كتاب وجيه كوثراني "هويات ناقصة مواطنة منقوصة" 2004


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.