لآجال مديدة، جرت العادة على الربط بين بداية الربيع في شهر آذار مارس وبين المرأة، خصوصاً أن هذا الشهر محمل بالمناسبات المتصلة بها، مثل اليوم العالمي للمرأة الذي يحلّ في 8 آذار، وعيد الأم في 21، ويوم المرأة المصرية في 16 منه. وترافق تلك المناسبات احتفالات لها أثواب شتى. وفي السنوات الأخيرة، طالت يد المعلوماتية والإنترنت هذه المناسبات أيضاً. ودخلت الى ثناياها العميقة. وظهرت لذلك الأمر مصطلحات مبتكرة تعبّر عن عمق التحوّل الجاري في المجتمعات المعاصرة، مثل الحديث عن الحقوق الرقمية للمرأة Women?s Digital Rights. وهكذا، فلو كان لأم كلثوم أن تشدو بكلمات الشاعر إبراهيم ناجي"أعطني حريتي أطلق يدي"في السنة التاسعة من الألفية الثالثة، لأضافت على الأرجح شطراً أو شطرين عن قدرة الإنترنت على منحها حريتها المنشودة من دون الاضطرار لهذا التوسل الذي يصل إلى حد التذلّل. ربما اعترض البعض على ذلك بالقول أن الحرية الرقمية لا تتوازى دائماً مع الحرية بمعناها المباشر السهل. وفي المقابل، فإن النوع الجديد من الحرية يشير أيضاً إلى مفهوم أعمق وأكبر وأغنى. فإذا كانت حرية المرأة في القرن الماضي تضمّنت تحرّر الحركة والتنقل والتصرف وأسلوب الحياة، فإن تلك الحرية ذاتها في الألفية الثالثة، تنحو إلى نوع من الافتراضية Virtuality التي تشمل المعلومة وأساليب التعبير والتعامل مع التقنيات الإلكترونية وغيرها. وغالباً ما يحمل آذار أيضاً كماً هائلاً من الأغاني التي تتغنى بقيمة المرأة، وحب الأم، والمعنى الحقيقي لنصف المجتمع، والسيول الإعلامية المنهمرة على مدار الساعة متحدثة عن الإنجازات التي تحققت للمرأة المصرية من معاشات وتمكينات وتعيينات وقائمة طويلة من الأشياء التي نادراً ما تمس صميم حياة المرأة المصرية العادية وغيرها. وأخيراً، بزغت الإنترنت لتصبح أداة مبتكرة تحاول المساهمة في تمكين المرأة أيضاً. واستباقاً، فقد أثبتت أنها أداة شديدة الفعالية، من دون الضجيج، قليلة التكلفة ولا تتكلف أن تتغنى أقنية الراديو والتلفزة الرسمية بمآثرها وفضائلها. رافعة التغيير: دكان معلوماتية لم تكن مريم سليمان 28 سنة تدري أن الدكان الصغير الذي تحول من محل بقالة إلى"إنترنت كافيه"سيغير حياتها بهذا الشكل الجذري. فبعد أن توفي"عم حسن"صاحب البقالة، هرع ابنه عمرو إلى تحويل نشاط المحل ليكون"سايبر"وهو اسم الدلع الذي يطلق على مقاهي الإنترنت في المناطق الشعبية في مصر. وبأربعة أجهزة كومبيوتر ووصلة إنترنت وجنيه ونصف في الساعة، فُتِح عالم جديد تماماً أمام مريم التي عاشت جلّ حياتها متنقلة برتابة من البيت الى المدرسة والعكس، ثم من البيت الى الجامعة والعكس. ولم يتجاوز أقصى ما ذهبت إليه جغرافياً الإسكندرية شمالاً لقضاء فصل الصيف، إلى أن تأزمت أمور والدها اقتصادياً ، وأسيوط جنوباً لتقديم واجبات العزاء لمن تبقى من أفراد عائلة والدتها هناك. أما اليوم، وبعد سنتين من التردد على"السايبر"فقد أصبحت أشبه ب"اينشتاين"العائلة والجيران. وصارت المرجع لشقيقتها الصغرى الباحثة عن معلومات حول نظريات علم النفس الذي تدرسه في الجامعة. وباتت طوق النجاة لزوج عمتها الباحث عن تذاكر طيران رخيصة تخدم عمله المرتكز الى الاستيراد والتصدير. وكذلك طار صيتها في المبنى الذي تقطن أحد شققه باعتبارها اختصاصية في كتابة السير الذاتية للخريجين الجدد الباحثين عن عمل ومن ثم إرسالها الى مواقع الشركات المختلفة. والأهم من كل ذلك أنها بدأت"بيزنيس"صغير يعتمد على تجارة الملابس والإكسسوارات المستعملة من خلال الإنترنت، ما يتيح لها هامشاً معقولاً من الربح مكّنها من تسديد القسط الأخير من كومبيوتر محمول متطوّر اشترته أخيراً. وإذا كان في الإمكان وصف التغيير الذي طرأ على حياة مريم سليمان بأنها أضحت شابة"أكثر تمكّناً"، فإن ذلك يفتح الباب على مصراعيه أمام مفهوم"التمكين"Empowerment ، حتى لو كان افتراضياً، الذي تمنحه الإنترنت للمرأة العربية. إذ أفرزت عقود طويلة من المحافظة والانغلاق والحرص المفرط نمطاً شبه موحد للمرأة العربية. ورسمتها الثقافة الذكورية العربية السائدة وممارساتها الراسخة تاريخياً، في صورة منمذجة للأنثى المقيدة بأغلال العادات والتقاليد، والمنصاعة للذكر، أباً كان أو أخاً أو حتى ابناً. ربما تتغير تلك الصورة أحياناً وينفتح الباب قليلاً، لكن تظل المرأة العربية حبيسة العادات والتقاليد في دنيا العرب، وبدرجات متفاوتة. التدوين الإلكتروني يدخل المعمعة على رغم صعوبة التوصّل مصرياً إلى تصنيف للمُدوّنات الإلكترونية"بلوغز"النسائية للخروج بملامح محددة للمرأة المصرية، لكن مطالعة مجموعة من تلك المُدوّنات تعطي انطباعاً مفاده أن تقنية التدوين الإلكتروني أمدت المرأة العربية بأنبوب أوكسجين شديد النقاء اسمه"حرية التعبير من دون قيد ولا حدود". وتتنوع المُدوّنات الرقمية في مصر لتشمل فتاة عشرينية تؤمن بقدرتها على المساهمة في إحداث تغيير سياسي قد يخرج بوطنها من حيز الجمود إلى فضاء الانطلاق، وفتاة ثلاثينية أعلنت الحرب على منظومة العنوسة، وسيدة أربعينية قررت تغيير تفاصيل حياتها الصغيرة بعد ما مكنتها تقنية"مصارحة الذات"من التعبير عما يجول في داخلها من اكتشاف قدراتها الكامنة، وأخرى خمسينية تكرّس طاقاتها من أجل حقوق المعوقين بحكم كونها أماً لإبن معوق وهكذا. والأرجح أيضاً أن العشرات من المُدوّنات المصريات وجدن في التدوين ميزة تجهيل الكاتب، ما منحهن جواز مرور إلى فضاء رحب اسمه حرية التعبير من دون التفكير مسبقاً مرتين وثلاثاً وأكثر. في هذا السياق، صرحت نيرمين صاحبة إحدى المُدوّنات الرقمية إلى"الحياة"عن اعتقادها أن"الميزة الأكبر في عالم الإنترنت، لا سيما المُدوّنات الإلكترونية حيث المجال أكبر للتعبير عن الذات وتلقي الردود، هو الإثبات بالحجة والبرهان أن النجاح لا ينتمي إلى نوع أو جنس من دون غيره. فالمُدوّنة الرقمية الجيدة تقرأ ويزورها الجميع ويعلقون على محتوياتها، ويتفاعلون بها ومعها، وذلك من دون النظر إلى جنس صاحبها، حتى إن بعض المُدوّنين من الرجال يعطون لصفحاتهم اسماً نسائياً والعكس، وهو ما يجعل الحكم على المُدوّنة يرتكز الى أساس الجودة، وليس عضلات الرجل أو فتنة المرأة وأنوثتها". تحرص نيرمين كل الحرص على البقاء في دائرة"التجهيل"، على رغم الشعبية الكبيرة التي تحظى بها مُدوّنتها التي تتناول فيها كل شيء من السياسة إلى الطهو، والتي يرتادها أشخاص من مشارق الأرض ومغاربها، لاحتوائها على اللغتين العربية والإنكليزية. وتشرح ذلك الحرص بالقول:"البقاء في دائرة الظلام أفضل بكثير بالنسبة الي. فقد منحتني الإنترنت نعمة حرية التفكير والتعبير. أكتب ما يطرأ على بالي من مشاعر وردود فعل. مهما كان غضبي أو فرحي، شعوري العارم بالحرية أو الكبت، سعادتي أو حزني، لا يهم، فأنا أكتب من دون التفكير أو الشعور بالذنب أو القلق على ما كتبت. فأولويتي ليست السعي وراء الشهرة أو الانتشار، فقط حرية التفكير والتعبير". إبحث عن"فايسبوك" يثبت يومياً بالحجة والبرهان أن شبكة الإنترنت مثّلت طوق نجاة للمرأة المصرية المشتاقة إلى عبير التعبير الحر عن الذات. وفي مثال واضح الدلالة، أتاح موقع"فايسبوك"الشهير المخصص للتبادل الاجتماعي، وكذلك منتديات الدردشة والبريد الإلكتروني، للنساء والفتيات فرصة الاطلاع على شوؤن العالم بصورة فردية. وتشمل تلك الشؤون الشوارع في أسفل منازلهن، وأحياء العاصمة و"عشوائياتها"، ولا تنتهي عند مدن كبرى وحواضر عالمية. يتحول هذا الاطلاع الفردي أحياناً إلى فرص لنسج شبكات من العلاقات، سواء من أجل تنظيم تظاهرة سياسية معارضة للنظام، أم للتعبير عن الرفض النسائي للتحرش بهن في الأماكن العامة، أم حتى لتكوين مجموعات مساعدة لتقديم الدعم والعون القانوني أو المالي أو حتى لتبادل وصفات الطهو وإزالة بقع السجاد. وإذا كانت إزالة بقع السجاد وتبادل نصائح كيفية الاحتفاظ بالزوج وغيرها هي صميم ما تحاربه الجميعات والمنظمات النسوية المصرية منذ عهود طويلة، إلا أنها انضمت أيضاً إلى العالم العنكبوتي، وحققت استفادة قصوى منه. ووجدت تلك المنظمات والجمعيات في التقنيات العنكبوتية وسيلة جيدة للتغلب على ضآلة مساحة انتشارها. وليس أدل على ذلك من حملة مناهضة التحرش الجنسي، والتي يمكن القول من دون مبالغة أن الإنترنت لعبت فيها دور البطولة. وساهمت في التوعية والتعبئة الشعبية وتكوين جماعات ضغط نسوية بهدف استصدار قانون يجرّم كل أشكال التحرش. وشنّت"الجمعية المصرية لحقوق المرأة"حملات مكثفة على شبكة الإنترنت، اتّخذت شكل استطلاعات للرأي واستبيانات الكترونية ودراسات تُحلّل نتائج الاستطلاعات والاستبيانات. ثم عمدت تلك الجمعية لإصدار تلك النتائح في دراستين شهيرتين عنواناهما"التحرش .. السرطان الاجتماعي"و"غيوم في سماء مصر". الجيوب الفارغة تتحدى التمكين الرقمي الأرجح أن الفقر هو أشد العقبات وطأة على المرأة المصرية، وأكثرها رسوخاً وأبعدها تأثيراً. وكذلك يصعب تصور فكرة مجابهته من خلال الإنترنت. فالأرجح أن المرأة الفقيرة غير متصلة بالشبكة العنكبوتية ولا بغيرها. وثمة جهود عدّة تبذل على غير صعيد لاستخدام ما تتيحه شبكة الإنترنت من تقنيات لمساعدة النساء الفقيرات. وتفتح أعداد متزايدة من الجمعيات والمؤسسات الحكومية والأهلية أبوابها أمام النساء والشباب، خصوصاً في الأحياء الشعبية والعشوائية، من أجل محو الأمية الرقمية من جهة وتقديم المشورة الإلكترونية لمن يطلبها من الجهة الأخرى. فمثلاً، يعمل برنامج"اقتدار"وهو الإسم المختصر ل"برنامج تقنية المعلومات والاتصالات للتنمية في المنطقة العربية"والتابع ل"برنامج الأممالمتحدة الإنمائي" منذ سنوات على تمكين المرأة الفقيرة من خلال تكنولوجيا المعلومات. ويوفّر برامج وأجهزة كومبيوتر للمساعدة في التغلب على أميتي المرأة الأبجدية أو الرقمية. ويستخدم مواد بصرية مثبّتة على اسطوانات مدمجة لتعريف النساء بحقوقهن التي يكفلها لها القانون، ولتوعيتهن أيضاً بالفرص المتاحة لرفع مستوى معيشتهن سواء من خلال المشاريع الصغيرة أم تعلم حرفة أو مهنة جديدة، أم الحصول على معونة لإدارة مشروعها الصغير لضمان أكبر هامش ربح ممكن. وتنتشر مراكز مُشابهة في قرى نائية ومناطق بعيدة من المدن الكبرى. وفي المدن الكبرى، يأخذ التمكين النسائي عبر الشبكة العنكبوتية شكلاً أكثر وضوحاً وفردية. إذ تتوافر الإمكانات في شكل أكبر، مثل ارتفاع معدل التعليم، والقدرة على الوصول إلى الكومبيوتر في مقهى الإنترنت أو الجامعة أو البيت. وكذلك تتعدد أشكال الاستفادة من إمكانات المعطى المعلوماتي أمام المرأة، ليتحوّل الى مرآة لميولها وإحباطاتها وطموحاتها. فمثلاً، تشكّل"كلنا ليلى"مبادرة تدوينية عنكبوتية ليوم مفرد من أجل المرأه المضطهدة. ويتضمن اليوم نشر صفحات تحمل عنوان"كلنا ليلى"في المُدوّنات الإلكترونية، بهدف مناقشة المشكلات التي تواجهها المرأة في مصر. و بدأت الفكرة من خلال مجموعة مُدوّنات نسائية مصرية مثل"أبيتاف"و"أرابيسك"و"بنت مصرية"و"لست أدري"وغيرها. دخلت تلك المبادرة سنتها الثالثة، لكن ليلى لا تزال تعاني المشاكل التي طُرِحت عند إنطلاق المبادرة. ويُذكر أن"ليلى"اسم بطلة رواية"الباب المفتوح"التي كتبتها لطيفة الزيات، والتي اختيرت رمزاً لكل فتاة مصرية تحاول أن تبني شخصية مستقلة في ظل مجتمع يعتمد الكثير من أساليب القمع. وعلى رغم استمرار المشاكل التي تعاني منها المرأة المصرية، إلا أن الوعي بهذه المشاكل ارتفع كثيراً بفضل وسائل الإعلام الحر والمنظمات الحقوقية المهتمة بالمرأة، وكذلك بفضل التدوين الإلكتروني الذي فتح للفتيات والسيدات نوافذ للحديث عن مشاكلهن كنساء، إضافة إلى ما يواجهنه كمواطنات بسبب واقع سياسي سيء مصرياً وعربياً. وبحسب ما ورد في كتاب للباحثة مارلين تاضروس"النساء العربيات، والإنترنت، والفضاء العام"، تتلخص ميزة الإنترنت في كونها أداة طيّعة قادرة على تقوية العمل وتسهيله، وبغض النظر عن طبيعته. وتقول أيضاً:"تستطيع الشبكة الإلكترونية الدولية صنع مساحة للمرأة تحصل فيها على معلومات وتبثّها أيضاً بأقل كلفة. وإضافة الى ذلك، تعطي الإنترنت لجموع النساء إمكان التشبيك والتواصل متحدية العوائق الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية التي تموج بها أرض الواقع". الديموقراطية والمرأة تبدو اللحظة الراهنة عربياً ومصرياً وكأنها تموج بحراك يركز على الموضوعة الديموقراطية بمتفرّعاتها. وفي هذا السياق، ترى أستاذة علم الاجتماع والاختصاصية في الشؤون النسوية في الشرق الأوسط الدكتورة فالنتاين مقدّم أن الديموقراطية وحقوق المرأة وجهان لعملة واحدة. وتعتبر أن"كلاً من الديموقراطية وحقوق المرأة متشابكتان وتعتمدان اعتماداً كلياً على بعضهما بعضاً... ويعتمد مصير الديموقراطية على مصير حقوق المرأة والعكس صحيح...إن الفصل بين الإثنين غير قابل للتحقيق، إضافة إلى كونه خطراً سياسياً". ثمة إعلان يدخل بيوت المصريين هذه الأيام ويقول:"أجمل هدية لماما في عيد الأم: لاب توب ووصلة إنترنت". وعلى رغم إن صاحب الإعلان لم يفكر غالباً في مسألة الربط بين الديموقراطية وحقوق المرأة، إلا أنه في شكل ما يساهم في قرب تحقيق كليهما. فالأرجح ان اتصال"ماما"بالشبكة العنكبوتية قد يضع كلمة النهاية أمام فصل التاريخ الخاص بالهيمنة الذكورية غير المبررة، ويكتب أيضاً مقدمة لفصل المساواة... ولو كانت افتراضية!