أثار استقلال جمهورية الجبل الأسود في أوائل حزيران يونيو 2006، ظاهرة تتنامى وتلقي بثقلها على مستقبل النظام الدولي كما تلقي بتداعياتها على المنطقة العربية. ويبدو أن النصف الثاني من القرن العشرين قد أكمل اتجاهاً أحدثته الحرب العالمية الأولى وهو تفتيت عدد من الإمبراطوريات الكبرى هي الإمبراطورية العثمانية التي لعبت دوراً رئيسياً في سياسات الشرق طوال ثمانية قرون، كما تفككت الإمبراطورية النمساوية المجرية إلى دولتين هما النمسا والمجر. أما الإمبراطورية الروسية فلم تتفكك وإنما حلت موسكو محل بطرسبرغ كعاصمة للاتحاد السوفياتي، الذي ضم مناطق أخرى لم تكن جزءاً من الإمبراطورية الروسية، لكن الإمبراطورية السوفياتية كانت أكثر توسعية من الإمبراطورية الروسية. وبعد الحرب العالمية الثانية شهدت أوروبا قيام الاتحاد اليوغسلافي ومحاولات الوحدة العربية. غير أنه في أواخر الثمانينات من القرن العشرين بدأت موجة التفكيك بانهيار الاتحاد السوفياتي، ثم الاتحاد اليوغسلافي، وما أعقب ذلك من حروب وصراعات عرقية ودينية وتطوير لحق تقرير المصير الذي كان من المقرر في البداية للاعتراف بالهويات الدينية والعرقية وكان يهدف من نظرية الرئيس الأميركي ويلسون عام 1914 إلى تفجير الإمبراطورية العثمانية، وهو ما حدث بتشجيع القومية الطورانية وتخفف تركيا من جسدها الإمبراطوري الذي رأى أتاتورك أن هذا الجسد هو الذي طغى على القومية الطورانية وأعاقها عن الانطلاق والالتحام بانتمائها الأوروبي التلقائي حسبما أشار أتاتورك في مذكراته. وعلى رغم أن المجتمع الدولي لا يزال يصر على أن الدولة هي النواة الأساسية للنظام الدولي وأن المحافظة عليها من أهم شروط الاستقرار في العلاقات الدولية، وهو ما ترجم في الإطار الأفريقي بمبدأ قدسية الحدود وعدم قابليتها للمراجعة وهو ما حافظ حتى الآن على وحدة الدولة الأفريقية ضد محاولات الانفصال، إلا أن الظاهرة الحديثة، وهي تفتيت الدول، انطلقت بسرعة كبيرة خلال العقد الماضي بحيث يمكن القول أن العقد المقبل سيشهد صراعاُ بين المبادئ المتعلقة بسيادة الدولة وسلامتها الإقليمية واحترام شؤونها الداخلية وهي مبادئ ميثاق الأممالمتحدة، وبين تيار التفكيك الذي قد يصل معه عدد دول العالم إلى 220 دولة خلال العقد المقبل. لذلك نحاول في هذه المقالة أن نسجل هذا التيار الذي يخشى أن يصبح ظاهرة عامة، وانعكاساته على المنطقة العربية، وأخيراً أثر هذه الظاهرة على مستقبل النظام الدولي وقسماته التي قد تتطور في المستقبل، فهي إذن رؤية استشرافية على المدى القصير خلال العقد المقبل وهو العقد الواقع بين 2007 - 2017 وهو المدى الزمني لكثير من الدراسات الدولية والوطنية التي لم تأخذ في اعتبارها هذه الظاهرة الجديدة و انعكاساتها لخطيرة. وإذا كانت الظاهرة تتكوّن من أحوال متماثلة، فإن ظروف كل حالة تختلف من حالة إلى أخرى، ولا بد من تقديمها حيث يمكن استخلاص القواعد التي قد تحكم هذه الظاهرة. الأصل أن الولاياتالمتحدة هي التي خططت لتفكيك الدول العربية حتى لا تبقى دولة واحدة قوية تواجه إسرائيل. فقد توجهت واشنطن إلى أقوى أطراف النظام العربي و الإقليمي، بدأت بتطويع مصر ثم أقدمت على تقسيم العراق بعد أن مهدت لذلك خلال تحالفها مع صدام حسين، وهي تحاول تقليم أظافر إيران بتطويع النظام أو تغييره أو كسره حتى لا تكون إيران طرفاً ولو بعيداً فيما كان يسمى الصراع العربي - الإسرائيلي. ومن الواضح أن تفتيت العراق كان متعمداً ولن تكون حالة العراق هي الأخيرة في العالم العربي. ولعل السودان قد قطع شوطاً في سبيل التقسيم بحيث يتصور دعاة التقسيم أن الخرطوم وما حولها أو شمال السودان ستكون عاصمة تاريخية كما حدث مع بغداد، مع فارق واحد، وهو أن واشنطن طوّعت الحكومة السودانية، ومع ذلك تقدمت بعد التطويع إلى تقسيم السودان في هدوء دونما اكتراث باعتراضات الحكومة السودانية. أي أن التطويع ليس بديلاّ عن التقسيم خلافا للنظرية الأميركية التي تزعم أن على الدول المستهدفة أن تختار بين تغير سلوكها أو تغير نظامها. والأصل أيضاً أن الولاياتالمتحدة هي التي خططت لتفكيك الاتحاد السوفياتي، فتفكك على الأثر الاتحاد اليوغوسلافي. لكن تفكيك الاتحاد السوفياتي اعتمد على إثارة النزعات القومية والدينية مما أدى إلى تفجير الإمبراطورية السوفياتية من الداخل ، لكن يبدو أن واشنطن لم تقتنع بذلك خوفاً من إعادة التئام الجمهوريات السوفياتية السابقة، إما في إطار تجدد القومية الروسية، أو في إطار مظاهر الاتحاد السوفياتي السابق. فاستمرت واشنطن في مطاردة الوجود الروسي في الجمهوريات السابقة، بعدما حاربت النفوذ الروسي فيها، بل إنها تتجه بوضوح إلى تفكيك الاتحاد الروسي نفسه ولهذا السبب اعترضت موسكو على الاتجاه إلى منح الاستقلال لإقليم كوسوفو. وعلى العكس تؤيد موسكو استقلال جمهورية تراندينيرا التي أعلنت في أواخر ايار مايو 2006 عزمها على إجراء استفتاء على الاستقلال على غرار الجبل الأسود، وهي جمهورية تضم سكاناً يتحدثون اللغة الروسية. معنى ذلك أن نموذج كوسوفو والجبل الأسود الذي قرر استفتاء ايار 2006 استقلاله عن صربيا جدد الحديث عما يعبر عنه بحق تقرير المصير الذي كان قاصراً على استقلال الأقاليم المستعمرة عند الدول الاستعمارية بعد الحرب العالمية الثانية، أو حق الأقليات في التعبير عن خصوصياتها الدينية والثقافية والعرقية. عندما ظهر المبدأ نفسه في أوائل القرن العشرين. و لما كانت روسيا تشعر بالمرارة تجاه واشنطن وبعض الجمهوريات السابقة التي تناهض الوجود الروسي. فقد اتخذ هذا المنحى شكل الحرب الباردة داخل هذه الجمهوريات، فقد ساندت موسكو تمرد جيوب في جمهورية جورجيا خاصة أوسيتيا وأبخازيا، وهي تتمتع بالفعل باستقلال ذاتي لكنها لم تحصل على الاعتراف الدولي. غير إن الشيشان التي استقلت ذاتياً بالفعل لعدة سنوات خلال العقد الأخير من القرن العشرين كانت أكبر التحديات لروسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ولا يزال الغرب يتخذ موقف المناورة في القضية لإثارة روسيا تحت ستار ممارساتها المنافية لحقوق الإنسان، وترفض واشنطن إدراج الشيشان ضمن خريطة مكافحة الإرهاب العالمية حتى رغم علمها بالعلاقة بين تنظيم القاعدة وبين مقاتلي الشيشان. والعكس، فإن الجيش الروسي ساعد مقاطعة تراندينيرا على الانشقاق على إقليم مولدوفا الذي ينحدر سكانه من أصول رومانية. كذلك تمكنت أرمينيا من السيطرة بعد حرب قاسية مع أذربيجان على إقليم ناغورنو كاراباخ. بل إن رئيس أوسيتيا الجنوبية المنشقة على جورجيا طلب في أوائل حزيران 2006 من روسيا أن تضم إقليمه وقال إنه سيعرض على المحكمة الدستورية في روسيا حق أوسيتيا الشمالية والجنوبية في العودة إلى روسيا حيث كانا وحدة واحدة عندما ضمتها روسيا القيصرية في القرون السابقة، و يذكر أن أمة أوسيتيا التي كان أسمها ألانيا هي أمل أبناء أوسيتيا الحالية، ولا يزيد عدد سكان الإقليمين عن 150 ألف نسمة. ومؤدى ما تقدم أن عملية تفتيت الجمهوريات السابقة وضم أجزائها إلى روسيا مقابل سياسة تقليص الوجود الروسي فيها تقع ضمن الحرب الجديدة بين موسكووواشنطن. أما تفتيت يوغسلافيا فقد كان عملاً مشتركاً بين واشنطنوالأممالمتحدة التي ارتكبت تحت بصرها وفي إطار مسؤولياتها أبشع الجرائم. أما في العالم العربي، فإن تفتيت الدول في آسيا الوسطى وروسيا ومن قبله تيمور الشرقية سيدفع وتيرة التفتيت في العالم العربي. ومعلوم أن تفتيت العراق لأسباب تتعلق بإسرائيل سيؤدي إلى تعقيدات إقليمية خطيرة أبرزها قضية الأكراد والصراع بين حق تقرير مصير بعض الأقليات، وحق الدول التي تعيش فيها الأقليات في المحافظة على سلامتها الإقليمية، فضلاُ عن تعقيدات قضية الشيعة التي خلفتها الولاياتالمتحدة الأميركية وضغوطها على الدول العربية الرئيسية محاربة العروبة والإسلام وفشل محاولات الوحدة العربية. ولعل احتلال العراق أرتبط بأعلى درجة من تحقير العروبة ورموزها، في الوقت الذي تدافع واشنطن عن الهوية الصهيونية وتصويرها على إنها قومية تاريخية، وبذلك توظف واشنطن الفكرة القومية توظيفاً سياسياً متناقضاً، فتشجع قوميات انفصالية وقوميات استعمارية توسعية عندما يكون ذلك خدمة لمصالحها، بينما تحطم الروابط القومية العربية والإسلامية لإضعاف المنطقة العربية والإسلامية لصالح إسرائيل. أما أثر ظاهرة التفتيت على النظام الدولي، فلا شك أنه كلما قل عدد أعضاء المجتمع الدولي كلما كان من السهل إدارة العلاقات في ما بينها سواء من خلال الدولة المركز أو من خلال تفاعل العلاقات بين مختلف أحجام الدول وأوزانها. فالأممالمتحدة التي بدأت بأقل من خمسين عضواً تختلف عن تلك التي تضم في عضويتها ما يربو على المئتين. من ناحية أخرى فإن طائفة جديدة من الدول نتيجة هذا التفتيت تعرف بالدول الأكثر صغراً Mini STATES تضاف إلى الدول القزمية Micro STATES تزيد عدد مجموعات الدول العظمى و الكبرى والمتوسطة ثم القزمية والميكرو. يؤدي هذا الوضع إلى شيوع الغموض والمزيد من الصراعات في عصر يتكتل فيه الغرب سياسياً واقتصادياً بينما يقاوم حركات الانفصال القومية أو العرقية والثقافية أو السياسية في إيطاليا وفرنسا وبريطانيا وغيرها. غير أن تفتيت الدول خارج الولاياتالمتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي قد يمتد إلى مناطق أخرى ويتطلب وضع قواعد جديدة للتحالفات والصراعات الدولية وهي نقطة جديرة بالدرس الجاد من الآن ما دام بروز الظاهرة قد أصبح أمراً لافتاً للباحثين والمراقبين. وأخيراً، فإن الإصرار على تمزيق الدول في العالم العربي بعد تمزيق الروابط والتحالفات بين الدول العربية نفسها يتطلب الوعي والحذر والعمل المضاد والإصرار على الوجود العربي، بل إعادة صياغة الفكر القومي العربي الذي ثبت أنه حارب فكرة الدولة التي نشأت في ظروف معينة، ودفع صوب توحيد هذه الدول إلا أن هذا الفكر القومي كان ضمانة هامة وخطاً متقدماً للدفاع عن الدول العربية كحد أدنى والتي تتعرض الآن لكل الأخطار. لكن المحقق إن إعادة صياغة الفكر القومي تعني استيعاب التجارب السابقة والعثور على السياسة القومية التي تحقق التماسك العربي وتدفع عن العالم العربي هذا العدو الجديد. * كاتب مصري