لا تنفصل الصحافة الثقافية عن الحياة الثقافية عموماً ولا تنفرد بنفسها كصنيع مستقلّ فهي أولاً وآخراً مرآة للحركة التي تشهدها الثقافة وفسحة لقاء بين القرّاء والمبدعين عبر أقلام النقاد والصحافيين. انها ايضاً حيّز للكتّاب أنفسهم يطلّون من خلاله إطلالتهم الإبداعية أو النظرية. والصحافة الثقافية لا تزدهر الا في ازدهار الحياة الثقافية نفسها وهي تضمر كذلك في ضمور تلك الحياة. وان بدت هذه الصحافة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بحركة الثقافة وايقاعها فهي ليست "خادمة" لها ولا مبشّرة بها: إنها ضميرها الحي الذي يرافقها ويضيء أمامها الطريق كي لا أقول يوجهها. وفي عصرها الذهبي استطاعت الصحافة الثقافية العربية أن تجاري الحياة الثقافية وأن تسهم في صنعها، وخاضت معارك كبيرة كمعركة الحداثة والتجديد اللغوي وصنعت أجيالاً من الكتّاب والقراء على السواء. في عصرها الذهبي أيضاً نجحت الصحافة الثقافية في توجيه النتاج الأدبي والفنّي وخلقت لنفسها سلطة كانت في أحيان أقوى من سلطة الثقافة. وان كان يصعب اليوم الكلام عن عصر ذهبي للصحافة الثقافية العربية كما يُجمع الكثيرون فأن هذه الصحافة تجاهد لتجد لنفسها المكان الملائم ولتستعيد بعضاً من سلطتها الغائبة. ولعلّ أزمتها الواضحة هي جزء من أزمة الثقافة العربية التي تعاني الكثير من الهموم والشجون. فالمرحلة الراهنة غير مؤاتية لازدهار "صناعة" تتطلب، أكثر ما تتطلب مناخاً من الحريّة والديموقراطية. إنها مرحلة الارهاب الثقافي المضمر، مرحلة الرقابة المضمرة، مرحلة المحظورات والمحرمات التي تزداد يوماً تلو يوم. والصحافة الثقافية التي لم تستطع ان تستقل بنفسها عجزت عن تخطي ما يُفرض عليها في وصفها جزءاً من مؤسسة أو صحيفة أو مجلة. انها في هذا المعنى صحافة خاضعة لأفكار مسبقة وآراء ووجهات نظر. انها الهامش الذي لا يتمتع كثيراً بحرّيته وهوائه. غير ان الصحافة الثقافية تعاني "داخلياً" أكثر مما تعاني "خارجياً" من ضغوطٍ ومحظورات. فهي منذ أن أصبحت حرفة وصناعة فقدت وهجها ورسوليّتها وباتت وكأن لا قضية لها ولا همّ ابداعياً. أصبحت صحافة شبه إخبارية، تفتقر الى المواقف النقدية والقضايا والأسئلة. بل هي أساءت في بعض الأحيان الى الثقافة نفسها بعدما وقعت في الابتذال والسطحية والانحياز الأعمى والرداءة. وإذا لم تعر بعض الصحف والمجلات كبير اهتمام لصفحاتها الثقافية معتبرة ايّاها صفحات ثانويّة فأن بعض الصفحات استحالت تلقائياً عبر المشرفين عليها الى "منابر" عدائية تتجاهل ما لا ينبغي تجاهله، وتفرض على قرائها ثقافة واحدة وجوّاً واحداً ومارست دوراً شبه قمعي وخالٍ من العدالة والحق. وانصرفت بعض الصفحات الى التوفيق الثقافي دامجة بين السليم والرديء، بين الحقيقي والمزيف وفتحت أبوابها ليس للتيارات المتناقضة والأمور الشائكة وإنما للخدمات والعلاقات الاخوانية وسواها. طبعاً لا تنطبق هذه التهم على كل الصحافة الثقافية فبعض الصفحات لعبت وتلعب دوراً ممّيزاً سواء في صناعة الثقافة أم في توجيه الحياة الثقافية وفي مخاطبة القراء مخاطبة عميقة وجدية. واستطاعت هذه الصفحات ان تتحمل العبء المفروض عليها لتجعل من "الثقافة اليومية" فعلاً ابداعياً يتحدى الراهن ويتخطى المحظورات ويواجه الرقابة أياً كانت، مواجهة مباشرة أم غير مباشرة. واستحالت هذه الصفحات منابر مفتوحة أمام الآراء الحرّة والمواقف الجريئة والتجارب الأصيلة، وشهدت حوارات حقيقية بين التيارات المتناقضة. إلا ان الصحافة الثقافية لا تستطيع ان تحلّ محلّ الصحافة المتخصّصة فهي صحافة مفتوحة على الأحداث الثقافية وينبغي لها أن ترافقها وتنطلق منها. وهكذا لا تتمكن الصحافة الثقافية اليومية من أن تؤدّي الدور الذي تتميز به المجلات الشهرية أو الفصلية. الصحافة الثقافية هي صحافة أوّلاً وآخراً. وقد باتت اليوم عملاً نضالياً صعباً في مرحلة عربية تشهد حالاً من التفكّك والتراجع والخيبة، في مرحلة تشهد غياباً تاماً لأيّ رؤية ثقافية عربية بل لأيّ سياسة ثقافية من شأنها أن تصنع مستقبلاً ملؤه الرجاء والأمل.