تشير دراسات عديدة في علم النفس والاقتصاد السلوكي إلى وجود علاقة إيجابية بين مستوى التعليم والشعور بالرضا عن الحياة و السعادة .... فقد أظهرت تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الأفراد الأعلى تعليما يتمتعون بمعدلات أعلى من الرضا الوظيفي وفرص أفضل للدخل والاستقرار والصحة وهي عناصر ترتبط مباشرة بمستويات السعادة ... كما تؤكد تقارير السعادة العالمية أن التعليم يعزز رأس المال الاجتماعي ويقوي الثقة بالنفس ويمنح الإنسان قدرة أكبر على فهم العالم واتخاذ قرارات أفضل . لكن السؤال الأعمق اليوم لم يعد هل التعليم يصنع السعادة بل أي تعليم نقصد ؟ في زمن تسليع كل شيء لم يعد التعليم في كثير من الأحيان " رسالة " معرفية خالصة بل أصبح " منتجا " يخضع لمنطق السوق تحولت الشهادات إلى أدوات تنافسية وأصبحت الدورات السريعة بديلا عن التكوين المعرفي العميق كما ذابت الحدود بين المعرفة والتقنية فأصبح الوصول إلى المعلومة أسهل من فهمها وأسرع من استيعابها وهنا تظهر مفارقة عصر المعرفة . أولا : السعادة المرتبطة بالتعليم لا تكمن في الشهادة بل في المعنى الحقيقي للتعلم فعندما يفقد التعليم دوره في بناء التفكير النقدي وتكوين الشخصية المهنية ويتحول إلى سباق للحصول على الشهادات تتراجع قيمته الإنسانية والمعرفية . ثانيا : وفرة المعرفة لا تعني عمق الفهم فالتقنية أتاحت الوصول إلى المعلومات لكنها لم تضمن القدرة على تحليلها أو تحويلها إلى معرفة نافعة والفرق كبير بين من يستهلك المعرفة ومن يمتلك القدرة على إنتاجها . ثالثا : تخلف التعليم لا يقاس فقط بتأخر المناهج بل بانفصالها عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي فعندما يعجز التعليم عن مواكبة التحولات المهنية والتقنية تتراجع ثقة المتعلم في جدواه ويتحول التعلم إلى عبء بدلا من أن يكون فرصة للنمو . ومع ذلك ما زالت العلاقة بين التعليم والسعادة قائمة ولكن بشروط جديدة و هي : 1. التعليم الذي يصنع المعرفة و المهارة وليس الحفظ . 2. التعليم الذي يربط المعرفة بالقيم والمعنى . 3. التعليم الذي يؤهل الإنسان للتعلم المستمر . 4. التعليم الذي يمنح الكفاءة والقدرة على التأثير في المجتمع .
السعادة المرتبطة بالتعليم شعور داخلي بأن الإنسان يتطور ويفهم العالم ويستطيع أن يضيف إليه شيئا ذا قيمة فإذا تحول التعليم إلى سلعة فقد جزءا كبيرا ً من أثره الإنساني وإذا عاد إلى جوهره بوصفه طريقا لبناء الإنسان استعاد دوره في صناعة المعنى والرضا . في النهاية لا يفشل التعليم حين تضعف موارده فقط بل يفشل عندما يفقد رسالته وعندما يحدث ذلك تتراجع السعادة المرتبطة به لأن المعرفة التي لا تمنح الإنسان معنى لحياته تتحول إلى عبء بدلا من أن تكون طريقا للنمو والتقدم . المستشار فرحان حسن X: https://twitter.com/farhan_939 e-mail: [email protected]