تشهد المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في ثقافة العمل التطوعي، مدفوعًا بتغيرات اجتماعية وتنظيمية واقتصادية عميقة، وتكشف أحدث البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء في تقرير إحصاءات العمل التطوعي 2025 عن تنامٍ واضح في مشاركة الأفراد في الأنشطة التطوعية، بما يعكس اتساع دائرة الوعي المجتمعي بأهمية العمل التطوعي كرافد للتنمية المستدامة، ووفقًا لنتائج المسح، بلغ معدل التطوع بين السكان الذين تبلغ أعمارهم 15 سنة فأكثر نحو 9.5% خلال الأسابيع الأربعة السابقة للمسح، بينما وصل معدل التطوع خلال الاثني عشر شهرًا السابقة إلى 19%. هذه الأرقام تعكس حضورًا متزايدًا للعمل التطوعي في المجتمع السعودي، وتؤكد أن التطوع لم يعد نشاطًا هامشيًا أو موسميًا، بل أصبح جزءًا من السلوك الاجتماعي المتنامي لدى شريحة واسعة من السكان. الفجوة بين التطوع قصير المدى وطويل المدى تكشف المقارنة بين معدل التطوع خلال أربعة أسابيع (9.5%) ومعدل التطوع خلال سنة كاملة (19%) عن دلالة مهمة، وهي أن شريحة أكبر من المجتمع تشارك في العمل التطوعي على فترات متباعدة خلال العام، وليس بالضرورة بشكل منتظم أو أسبوعي. وهذا يشير إلى أن التطوع في المملكة يأخذ غالبًا طابع المشاركة في المبادرات أو الفعاليات المؤقتة، مثل الأنشطة المجتمعية، والفعاليات الوطنية، والبرامج الإنسانية، والمبادرات البيئية، ومع ذلك فإن هذه الفجوة بين التطوع قصير المدى وطويل المدى تفتح المجال أمام تطوير سياسات وبرامج تعزز الاستمرارية في العمل التطوعي، وتحول المشاركة من نشاط موسمي إلى سلوك مستدام ضمن الحياة اليومية للأفراد. الفروق بين الذكور والإناث تشير بيانات التقرير إلى وجود تفاوت ملحوظ في معدلات التطوع بين الذكور والإناث، فقد سجل الذكور معدل تطوع أعلى مقارنة بالإناث، سواء خلال الأسابيع الأربعة الأخيرة أو خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، ففي التطوع خلال أربعة أسابيع بلغ معدل الذكور نحو 11.1% مقابل 6.3% للإناث، أما خلال الاثني عشر شهرًا فقد وصل معدل الذكور إلى 21.5% مقابل 14.2% للإناث، وتعكس هذه الفجوة عدة عوامل محتملة، من بينها طبيعة الفرص التطوعية المتاحة، أو العوامل الاجتماعية والتنظيمية المرتبطة بالمشاركة، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت توسعًا كبيرًا في المبادرات التطوعية الموجهة للنساء، خصوصًا في مجالات التعليم والعمل الاجتماعي والصحة والعمل الإنساني، ما يشير إلى إمكانية تقليص هذه الفجوة مستقبلًا مع استمرار توسع الفرص التطوعية. التعليم والتطوع أحد المؤشرات اللافتة في التقرير هو العلاقة بين المستوى التعليمي والمشاركة في العمل التطوعي، فكلما ارتفع المستوى التعليمي زادت احتمالية المشاركة في الأنشطة التطوعية، ويعكس ذلك عدة أبعاد، منها ارتفاع الوعي المجتمعي لدى المتعلمين بأهمية العمل التطوعي، إضافة إلى ارتباط العديد من الفرص التطوعية بالمؤسسات التعليمية أو المبادرات المهنية، كما أن التعليم يسهم في تطوير مهارات مثل القيادة والعمل الجماعي والتنظيم، وهي مهارات تعزز قدرة الفرد على الانخراط في الأنشطة التطوعية والمبادرات المجتمعية. التطوع كأداة للتنمية لا يقتصر العمل التطوعي على كونه نشاطًا اجتماعيًا أو إنسانيًا فحسب، بل يمثل أيضًا أداة اقتصادية وتنموية ذات تأثير كبير، فالأنشطة التطوعية تسهم في دعم الخدمات الاجتماعية، وتعزيز التماسك المجتمعي، وتوفير جهود بشرية إضافية للمبادرات الحكومية وغير الربحية، كما أن العمل التطوعي يسهم في تطوير مهارات الأفراد، خصوصًا الشباب، ويمنحهم فرصًا لاكتساب الخبرات العملية وبناء شبكات العلاقات الاجتماعية والمهنية، وفي العديد من الدول المتقدمة، أصبح التطوع جزءًا من المسار المهني، حيث يُنظر إليه كخبرة تعزز فرص التوظيف. التطوع ورؤية 2030 تأتي أهمية هذه المؤشرات في سياق مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تولي العمل التطوعي اهتمامًا كبيرًا، فقد وضعت الرؤية هدفًا طموحًا يتمثل في الوصول إلى مليون متطوع في المملكة، وهو هدف يعكس إدراك صناع القرار للدور الحيوي الذي يلعبه التطوع في تعزيز رأس المال الاجتماعي، وخلال السنوات الماضية شهدت المملكة إطلاق العديد من المنصات والبرامج التي تهدف إلى تنظيم العمل التطوعي وتسهيل المشاركة فيه، مثل المنصات الرقمية التي تربط المتطوعين بالفرص المتاحة في القطاعات المختلفة، سواء في المجال الصحي أو التعليمي أو البيئي أو الإنساني. التحول الرقمي ودوره في تعزيز التطوع أحد العوامل التي ساهمت في نمو العمل التطوعي هو التحول الرقمي الذي جعل الوصول إلى الفرص التطوعية أكثر سهولة، فالتقنيات الرقمية ومنصات التطوع الإلكترونية أتاحت للأفراد التسجيل والمشاركة في المبادرات بسهولة، كما سهلت على الجهات المنظمة إدارة المتطوعين وتوثيق ساعات العمل التطوعي، كما ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي في نشر ثقافة التطوع وتحفيز الأفراد على المشاركة في المبادرات المجتمعية، عبر إبراز قصص النجاح والتجارب الملهمة للمتطوعين. مستقبل العمل التطوعي في المملكة تشير المؤشرات الحالية إلى أن العمل التطوعي في السعودية يسير في مسار تصاعدي، مدفوعًا بالدعم الحكومي، والوعي المجتمعي المتزايد، والتطور المؤسسي في إدارة المبادرات التطوعية، ومع استمرار هذا الزخم، يمكن أن يتحول التطوع إلى أحد أهم روافد التنمية الاجتماعية في المملكة، لكن تحقيق هذا التحول يتطلب التركيز على عدة محاور، من أبرزها توسيع فرص التطوع المنتظم، وتعزيز مشاركة النساء، وربط العمل التطوعي بالتعليم والمهارات المهنية، إضافة إلى تطوير آليات قياس الأثر الاجتماعي والاقتصادي للمبادرات التطوعية، في المحصلة، تكشف بيانات إحصاءات العمل التطوعي لعام 2025 عن مجتمع سعودي يتجه تدريجيًا نحو ترسيخ ثقافة العطاء والمشاركة، وهو تحول يعكس ليس فقط نمو المبادرات التطوعية، بل أيضًا تطورًا في مفهوم المسؤولية المجتمعية لدى الأفراد والمؤسسات على حد سواء. وفي كل عام، ومع حلول شهر رمضان، تتجلى واحدة من أجمل صور العطاء في مكةالمكرمة والمدينة المنورة، حيث يتسابق آلاف المتطوعين السعوديين لخدمة ضيوف الرحمن، شباب وشابات يعملون بروح إنسانية عالية، يقدمون الإرشاد، ويوزعون الوجبات، ويساعدون كبار السن، وينظمون حركة الحشود داخل وحول المسجد الحرام والمسجد النبوي، هذا الحضور التطوعي يعكس عمق القيم الاجتماعية في المجتمع السعودي، ويجسد ثقافة العطاء المتجذرة فيه، كما يعزز صورة المملكة كوجهة تحتضن ضيوف الرحمن بروح الخدمة والتكافل، ليصبح التطوع جزءاً من تجربة روحانية وإنسانية يعيشها الملايين في الشهر الفضيل. حسين بن حمد الرقيب