تعتلي مناسبة العيد، بمعانيها السامية، محطاتِ العمر، يتضوع من باقات ربيع أيامها ولياليها عبير يحرض الفرح والسرور، فتتصافح القلوب قبل الأيادي في حضرة لقاءات الأهل والجيران والأصدقاء. ووسط هذا الزخم الكبير من مشاعر البهجة وصفاء اللحظات، تقتحم دون استئذان ذكرى الراحلين من الأحبة ممن كانوا معنا في أعياد مضت، بعد أن تركوا في نفوسنا لوعة الأسى ودموع الفراق. وهنا يتسلل الحزن إلى مكامن النفوس بوجع البكاء الصامت، ولا حول ولا قوة إلا بالله. في هذه المناسبة، تتباين آراء الناس حول غياب عادات كانت لها الأولوية في الماضي، كالزيارات المتبادلة بين الجيران في منازلهم، تقديم الأكلات الشعبية، سرد الحكايات والمواقف المسلية والمعبرة. وفي هذا الصدد يقول المستشار الاجتماعي «عبد العزيز بن عبدالله آل مفرح»: كانت الأسر في الماضي قليلة العدد، وبيوت الجماعة وسكان الحي متقاربون، والأمور كما يُقال في اللهجة العسيرية «متقادية» أي ممكنة، فكان الجميع يلتقون من بعد صلاة العيد في زيارات متواصلة يتجلى فيها الصفاء والنقاء الإنساني، وتتوزع الابتسامات على الأماكن. وأضاف آل مفرح: «اليوم اختلف الوضع، وأصبحت الأسرة الصغيرة تتكون من أجيال ثلاثة وأكثر، مما حتم الاكتفاء بالمعايدة فيما بينهم، وما زاد من الوقت يكون للمسنين والجيران، وأما الآخرون فرسائل الهاتف النقال تُغطي نوعًا من التقصير، وإن كان البعض يعتبرها قد جففت من مساحات الود والتواصل الحقيقي». ويبقى لعيدي الفطر والأضحى وهجهما في بلادنا المملكة العربية السعودية، بفضل الله، ثم بما أنعم به عز وجل من أمن ورخاء واستقرار، ووجود قيادة حكيمة، ومجتمع أصيل يتمتع بلُحمة وطنية تدعو إلى الفخر والاعتزاز، يرتبط أفراده بوشائج القربى، أواصر الأخوة والمحبة والتعاون، وهي كنوز عظيمة لا تُقدر بثمن، انعكست على مسارات الحياة المطمئنة وعلى كل المناسبات الأخرى التي تشهدها بلادنا. ويؤكد المهتمون بالتاريخ الإسلامي عبر عصوره المختلفة أن العيد بمفهومه الأساسي يعني السعادة في صورها المنضبطة، وتفعيل جذوتها داخل النفوس، وممارستها بالفعل والقول أمام الجميع. في كتابه «إنسان بعد التحديث» أوجز الدكتور «شريف عرفة» السعادة في مجموعة عناصر من أهمها: التركيز في الإيجابيات الموجودة في حياتنا، تذوق الحياة بكل نشاط مفيد وجميل، خاصة التواصل وجبر الخواطر، استرجاع الأيام الجميلة، الامتنان للناس ومساعدتهم. واعتقد أنها مجتمعة نلمسها بحمد الله في العيدين. ويصف الأديب مصطفى الرافعي يوم العيد بأنه الخروج من الزمن، وهو يوم السلم والبشر والوفاء والإخاء.