في السنوات الأخيرة، لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتعبير أو الترفيه، بل تحوّلت عند بعض المستخدمين إلى سوق مفتوح لكل ما يجذب الانتباه، مهما كان الثمن. ومن أكثر الظواهر إيلامًا في هذا السياق، استغلال كبار السن وتحويلهم إلى مادة للسخرية أو الضحك أو التمثيل الهزلي، بهدف حصد المشاهدات وتحقيق الانتشار. الأخطر في هذه الظاهرة أنها لم تعد محصورة في الغرباء أو المشاهد العفوية، بل امتدّت إلى داخل البيوت، فأصبحنا نرى من يسخر من أبيه، أو عمّه، أو خاله، أو أحد كبار عائلته، ويقدّم هذا المشهد للجمهور على أنه محتوى طريف، بل تجاوز الأمر ذلك إلى تصوير كبار السن في الطرقات، أو الأسواق، أو الأماكن العامة، واستدراجهم إلى مواقف محرجة، ثم عرضها على الملأ دون اعتبار لكرامة العمر ولا لمقام الإنسان. وقد يكون كبير السن نفسه متقبّلًا لهذا التصوير، أو ساكتًا عنه، بدافع الطيبة، أو الحياء، أو الرغبة في إرضاء الأبناء، أو عدم إدراكه لحجم الانتشار والأثر، غير أن قبول الفرد -هنا- لا يُسقط المسؤولية الأخلاقية، لأن القضية لم تعد شأنًا شخصيًا، بل تحوّلت إلى رسالة تربوية سلبية تُبث يوميًا إلى المجتمع، وتُغرس في وعي الأجيال الجديدة. لقد جاء الإسلام بمنظومة أخلاقية واضحة في التعامل مع كبار السن، فجعل توقيرهم علامة على نضج المجتمع واستقامته، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا»، فربط بين الرحمة والتوقير، باعتبارهما معيارين لا ينفصلان، وقال -صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله إكرامَ ذي الشيبة المسلم»، فجعل احترام الكبير عبادة، لا تفضّلًا ولا مجاملة اجتماعية. وحين تُنتزع هذه القيم من سياقها، ويُعاد تقديم الشيخوخة بوصفها مادة للضحك، فإننا لا نسيء إلى شخص بعينه، بل نعيد تشكيل نظرة المجتمع إلى الكِبر ذاته، ونزرع في عقول الأبناء أن الضعف الإنساني يصلح أن يكون وسيلة للترفيه، وأن الهيبة قابلة للتنازل متى ما كان المقابل شهرة أو انتشارًا. وهنا يبرز السؤال الأخطر: كيف نُربّي أبناءنا؟ كيف نغرس فيهم قيمة البرّ، وهم يرون الاستهزاء بالكبير يُكافأ بالضحك والمشاركة؟. وكيف نطالبهم غدًا باحترام المعلم، أو توقير الكبير، أو الالتزام بالقيم، ونحن نُفرّغ هذه المعاني من مضمونها أمام أعينهم؟. إن تقبّل المجتمع لهذا النوع من المحتوى لا يقل خطورة عن صناعته؛ فالضحك مشاركة، والمشاركة إقرار، ومع الزمن يصبح الخطأ عادة، ويغدو الاستهزاء مشهدًا مألوفًا لا يثير الاستنكار.. وهنا تتحول القضية من تصرفات فردية إلى خلل أخلاقي جماعي، تختل فيه الموازين بين الترفيه والكرامة، وبين الحرية والمسؤولية. وسائل التواصل الاجتماعي -مهما اتسعت- لا تُعفي من المسؤولية، وصنّاع المحتوى لا يُعذرون بحجة «الجمهور يطلب»، لأن القيم لا تُقاس بعدد المشاهدات، ولا تُحدَّد وفق مزاج الترند، فالمجتمعات التي تحترم نفسها تضع خطوطًا أخلاقية واضحة، لا تُتجاوز ولو باسم الضحك. لسنا ضد الفرح، ولا ضد العفوية، ولا ضد المحتوى الإيجابي، لكننا ضد أن يُقدَّم الأب مشهدًا، والعم مادة، والكبير وسيلة، فكرامة الإنسان لا تنقص مع تقدّم العمر، بل تزداد، وحين يُهان الكبير على الشاشات، فإن الخسارة لا تصيب فردًا واحدًا، بل تصيب التربية، والقيم، ومستقبل الوعي المجتمعي بأكمله. فالسؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح ليس: كم شاهد هذا المقطع؟، بل: أي جيل نُنشئ؟ وأي قيم نرسّخ؟.