50 مركبة تعبر منافذ المملكة كل دقيقة    الفضة يسابق الذهب ويرتفع 30%    3.36% تراجع أسبوعي لتداول    جدة تختتم منافسات الجولة الرابعة من بطولة العالم لسباقات الزوارق السريعة الفورمولا1    عودة 7 ملايين طالب وطالبة إلى مقاعد الدراسة بعد إجازة الخريف    القنفذة الأقل ب4 أطباء نفسيين فقط    موجة انتقادات متجددة لShein    الاستخدام الآمن لقطرات أنف الأطفال    فخر الرس على خطى ثنائي بريدة    ليو يشارك نيمار وميسي    الصقور يصلون الدوحة    الهلال يقيم معسكرًا إعداديًا في الإمارات ويلاقي المحرق البحريني وديًا    اختبار جديد لهدنة غزة .. نيران إسرائيلية تقتل طفلين فلسطينيين    القبض على 7 يمنيين في جازان لتهريبهم (120) كجم "قات"    المملكة تعلن عن نجاح إطلاق قمرين صناعيين سعوديين    وصول رئيس غينيا بيساو المخلوع إلى الكونغو    الفرنسي "سيباستيان أوجيه" يخطف لقب بطولة العالم للراليات في جدة    الكشف عن تفاصيل عقد ديميرال الجديد مع الأهلي    ضبط 1667 متسللا لداخل الحدود    آل الشيخ ل الوطن: المملكة تحمل لواء الوسطية والاعتدال حول العالم    حملة لتعزيز الوعي بمخاطر الإدمان    62 ألف زائر لمعرض الطيران    8 آلاف مستفيد يختتمون الدورة الشرعية ال13 بجامع النجمي    رصد سديم «رأس الحصان» في سماء النفود الكبير جنوب رفحاء    أمير حائل يدشن مستشفى حائل العام الجديد غداً الأحد ب 499 مليون ريال    "صحة روح" تختتم برنامج الفحص المبكر في مركز الحقو    شرطة الطائف : القبض على 13 مقيمًا لارتكابهم جرائم سرقة مواشٍ    مدير إقليمي وافد يعلن إسلامه متأثرا بأخلاق المجتمع السعودي والقيم الإسلامية    تعليم عسير يعتمد التوقيت الزمني الجديد لمدارس قطاع تهامة    بلدية العمار تنهي تطوير «بوابة القصيم الجنوبية»    مودي يرسم رؤية هندية تكنولوجية بست مبادرات عالمية في مجموعة العشرين    مكتب التربية العربي لدول الخليج ينضم إلى اللجنة التوجيهية العليا للتعليم 2030 التابعة لليونسكو    التجييش الناعم والخطر الصامت    80 ألف زائر لكأس نادي الصقور 2025 بالشرقية    من الشرق إلى الغرب واثق الخطى يمشي.. «محمد»    إنزاغي يختار أجانب الهلال أمام الفتح    هورايزون مصر تطلق مشروع "رويال سعيد تاورز" بالقاهرة الجديدة    39 نوعًا من النباتات المحلية تزدهر في بيئات الحدود الشمالية    أمير منطقة جازان يقدم واجب العزاء لأسرة المحنشي        ترامب يعلن "إلغاء" كل وثيقة موقّعة بقلم آلي خلال رئاسة بايدن    الملك وولي العهد يعزيان رئيس الصين في ضحايا حريق مجمع سكني بهونغ كونغ    حاضنة مأمني الإبداعية توقع اتفاقية تعاون مع جمعية "معًا" لإطلاق نادي إعلامي واحتضان الفرق التطوعية    أمانة جازان تنفّذ مبادرة للتشجير ضمن حملة "تطوّعك يبني مستقبل" لتعزيز جودة الحياة    نادي ثَقَات الثقافي يُكرّم صحيفة الرأي الإلكترونية    الشيخ أسامة خياط يدعو إلى الأخوّة واجتناب الإيذاء ولزوم القول الحسن    الشيخ خالد المهنا يبين منزلة الصبر وفضله في حياة المؤمن    نائب أمير حائل يرفع شكره و امتنانه للقيادة    الرياض تستضيف المؤتمر الدولي للتعليم والابتكار في المتاحف    الأمين العام لمجلس الشورى يرفع الشكر للقيادة بمناسبة تمديد خدمته أمينًا عامًا للمجلس    إيران مستعدة للتفاوض مع واشنطن دون شروط    استعرضا عدداً من المبادرات والمشروعات التطويرية.. أمير المدينة والربيعة يناقشان الارتقاء بتجربة الحجاج    تشمل خمس قرى وتستمر لعدة أيام.. إسرائيل تطلق عملية عسكرية واسعة بالضفة الغربية    خلال المؤتمر العالمي ال48 في جنيف.. السعودية تحرز 18 جائزة دولية عن تميز مستشفياتها    إتاحة التنزه بمحمية الطوقي    أمير تبوك يستقبل القنصل العام لجمهورية الفلبين    خالد بن سلمان يرأس وفد المملكة باجتماع مجلس الدفاع المشترك.. تعزيز التعاون العسكري والدفاعي بين دول التعاون    موسكو تطالب بجدول زمني لانسحاب الاحتلال    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الفيتيشية الثقافية.. من السمن والعسل إلى البراند
نشر في الوطن يوم 29 - 11 - 2025

أعتذر من القارئ العزيز وغير العزيز عن انقطاعي الذي سيستمر لظروف «تقميشات مرهقة وعمل دؤوب على كتاب لم ينتهِ بعد»، وأشرت إلى القارئ بعبارة «العزيز»، لأن أغلب قرائي ليسوا أعزاء، بل يقرؤون ما أكتبه كنوع من عقدة «الفيتيشية» بالمعنى الماركسي، فما أنتجه على المستوى الكتابي، لا يستحق الالتفات وتضييع الوقت معه، يكفي أن تمضي وقتك مع كتاب رصين لكبار مفكري العالم شرقًا وغربًا، لتجد فائدة أعظم وأكبر، لكنها «الفيتيشية» بالمعنى الماركسي التي تعطي وهم الأهمية للسلعة/المنتج، غافلة عن اللعبة الرأسمالية ورائها التي تحولها إلى «براند»، وفي الحقيقة لا شيء أهم من القارئ بصفته «إنسانًا»، حتى ولو لم أكن عزيزًا عليه.
فما الذي يجعلنا نقرأ مقالاً في جريدة؟، إنه شعورنا بالامتلاء الأكبر الذي يتجاوز بنا ضآلة الشعور بأننا فهمنا الأفكار الغنية والثرية من خلال تغريدة في تويتر/إكس، لكن الامتلاء بالكتاب أبعد وأعمق!؟ لكنه مشوار أطول لا يحبه أصحاب الوجبات السريعة في المقالات، فما بالك بأصحاب الطفولة الثقافية، ممثلة في «الحلاوة المصَّاص/التغريدة».
ما دعاني للكتابة ليس إلا مقالة سردية شفافة قرأتها لمعجب الزهراني بعنوان «صندوق أمي»، في مجلة بروق، العدد 3 بتاريخ 1 سبتمبر 2011، موجودة للمهتمين على موقع أرشيف الشارخ، وفي الأرشيف نجد أيضًا دراسات ومقالات وترجمات للدكتور معجب الزهراني تجعلنا ندرك لماذا كان في إحدى مراحله «مديرًا لمعهد العالم العربي في باريس».
أرجع إلى «صندوق أمي» قرأتها.. ليس في الصندوق المقفول بالمفتاح والمليء بالأسرار، كما يروي معجب الزهراني، الذي انتظر ذهاب أمه للصلاة ليستطيع فتح الصندوق المحروس: سوى «قطع ملابس بعضها ثمين وأكثرها عادي، حلي الفضة وقلائد العقيق، ثلاث صرر ثقيلة لا بد أنها ريالات عربي وفرانسي، جونة من القش معبأة بالزبيب واللباب، حُقْ كبير فيه بن، وآخر صغير فيه حبوب الهيل، وثالثًا مثله مملوء ببخور عماني معتاد، صينية ملونة مليئة بالسمن، وأخرى مثلها فيها أقراص العسل، وفي طرف آخر رأيت عمامة قطنية منقوشة الأطراف، تضم أوراقًا سميكة خشنة ملفوفة بعناية.. «كنت أعرف أنها حجج البيت والمزارع.. ولذا لم أفتحها»، وبجوارها مسفع عدني مزركش شفاف يضم تلك النباتات العطرية الجافة، وحين أدركت أنني لن أعثر على سر تنشقت الرائحة الزكية في القطعتين القماشيتين، ثم أقفلت الصندوق وأعدت المفتاح مكانه.
شعرت براحة تسري في عروقي كالماء في جسد ظمآن، راحة نادرة، عميقة لذيذة، مرهقة وممزوجة بخيبة ما، شعور كثيف ملتبس لا يمكنني وصفه بدقة امرأة كنت أتوهم أنها صنف آخر من النساء، إلا وتذكرت تلك اللحظة -كأنما الجملة غير مترابطة كما لو كانت كنانة إيروسية حذف الرقيب سهامها.. لا يهم.. نكمل. حسبت أنني تخلصت من الفتنة، لكن ما حصل هو العكس تمامًا، أصبت بما يشبه الإدمان، كررتها مرات لا تحصى، لم أعد أنتظر يوم الجمعة العظيم لأفتح الصندوق العجيب ذاك، كنت أسترق المفتاح من الخيط الجلدي المعلق في رقبتها بمجرد أن تعود متعبة وتغفو في البيت الخارجي، أفتحه وأغلقه وأشم الروائح الفاتنة في ثوانٍ وانتهى الأمر.. نعم.. لعبة الإخفاء هذه هي التي ورطتني.
كنت أحسبها لعبة بريئة عابرة فإذا بي أكتشف، وبعد فوات الأوان، أنها لعبة خطرة كمعظم ألاعيب الطفولة، وصدق العارفون، «لا شفاء لمحب غير أن يرى المحبوب»، ثم يشرح لنا مصير «الصندوق» بقوله «بعد وفاة أمي بيومين وزعت كل محتويات الصندوق على أخواتي، ولقد دهشن وأنا أتنازل عن كل شيء ثمين من أجل الصندوق الملون الذي ظل مفتوحًا في صدر المجلس لسنوات.. وكم فرحت أختي الصغرى قبيل زفافها بأيام إذ أهديته لها، وأظن الفتاة الطيبة فرحت لأنها استعادت سحارية أمها التي ستضع فيها أثمن أشيائها، لكنها لم تفهم شيئًا حين ابتسمت وقبلتها، وأنا أقول: إن الصندوق الحقيقي سيبقى في رأسي».
إنها الفيتيشية في تجلياتها الثلاث «الأنثربولوجية، الماركسية، النفسية»، وضع تحت كل عنوان قراءة خاصة بهذا الصندوق «التابو/المحرَّم/الممنوع/المقدس - المدنس» في حيوات ناس كثيرين لا علاقة لهم بمعجب، لكن علاقتهم بصندوق «ما» في حياتهم ما زالت تأسرهم حتى الآن، لم يستطيعوا فعل ما فعله معجب في فك الطلسم، والتحرر من الأسرار المتنوعة في صناديق كثيرة تأتي على شكل بشر، حجر، شجر.
حكاية معجب لو استطاعت أن تحمل كثافة لغوية أعلى لمزقت الميثوس باللوغوس شر ممزق، لكنها ستفقد بساطتها، سلاستها، قربها من حيوات الناس، لكنها لعبة «السر»، التي بقيت في رأس الزهراني، وقد أتقنها بعد أن «فكّ الصندوق» صغيرًا، ثم «فكّك السر» كبيرًا، وما بين «الفك اليدوي» و«التفكيك الفكري» ركضت به خيول العمر من قريته الجنوبية حتى باريس.
عاد وما زال الصندوق «سرًا» في حيوات الآخرين، ومن أتقن «السر» وعرفه، فلن يبخل على الآخرين بصندوق فارغ من خشب، وهذا ما يجعلني أعتب على كثير من المثقفين العرب، فإما أنهم عرفوا السر ولكنهم يلهون بالقارئ المهتم الصادق في اهتمامه وحفرياته الخاصة، كما يفعل أحيانًا بعض كبار مثقفينا -للأسف- وهم يدورون استعراضًا بمفتاح الصندوق بأيديهم مرددين: هاه تعالوا.. شوفوا: «برهان، بيان، عرفان»، أو مرددين: لا.. لا تعالوا عندي أنا.. هاه شوفوا: «البطريركية العربية»، فيركض ثالث يريد أن يغطي بصوته على سابقيه، كما لو كنا في حراج رافعًا يده وهو يقول: خلوهم.. كل الصيد في جوف الفرا ثم يصيح: هاه شوفوا، «نسق ونسق مضمر».. إلخ من مفاتيح الصندوق دون أن يجرؤوا فعلا على فتحه، وإظهار كل ما فيه من أسرار هي في حقيقتها «عادية» بل «عادية جدًا»، ومن يفعل ذلك بوعي فهو مشغول بالسمن والعسل وعبق الرائحة لأنه يعاني فيتيشية إما «أنثربولوجية» أو «ماركسية» أو «نفسية»؟!! وإما أنهم فعلاً ما زالوا أسرى «الصناديق» دون وعي رغم المفاتيح، فكيف صاروا مثقفين وكبارًا؟.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.