أعتذر من القارئ العزيز وغير العزيز عن انقطاعي الذي سيستمر لظروف «تقميشات مرهقة وعمل دؤوب على كتاب لم ينتهِ بعد»، وأشرت إلى القارئ بعبارة «العزيز»، لأن أغلب قرائي ليسوا أعزاء، بل يقرؤون ما أكتبه كنوع من عقدة «الفيتيشية» بالمعنى الماركسي، فما أنتجه على المستوى الكتابي، لا يستحق الالتفات وتضييع الوقت معه، يكفي أن تمضي وقتك مع كتاب رصين لكبار مفكري العالم شرقًا وغربًا، لتجد فائدة أعظم وأكبر، لكنها «الفيتيشية» بالمعنى الماركسي التي تعطي وهم الأهمية للسلعة/المنتج، غافلة عن اللعبة الرأسمالية ورائها التي تحولها إلى «براند»، وفي الحقيقة لا شيء أهم من القارئ بصفته «إنسانًا»، حتى ولو لم أكن عزيزًا عليه. فما الذي يجعلنا نقرأ مقالاً في جريدة؟، إنه شعورنا بالامتلاء الأكبر الذي يتجاوز بنا ضآلة الشعور بأننا فهمنا الأفكار الغنية والثرية من خلال تغريدة في تويتر/إكس، لكن الامتلاء بالكتاب أبعد وأعمق!؟ لكنه مشوار أطول لا يحبه أصحاب الوجبات السريعة في المقالات، فما بالك بأصحاب الطفولة الثقافية، ممثلة في «الحلاوة المصَّاص/التغريدة». ما دعاني للكتابة ليس إلا مقالة سردية شفافة قرأتها لمعجب الزهراني بعنوان «صندوق أمي»، في مجلة بروق، العدد 3 بتاريخ 1 سبتمبر 2011، موجودة للمهتمين على موقع أرشيف الشارخ، وفي الأرشيف نجد أيضًا دراسات ومقالات وترجمات للدكتور معجب الزهراني تجعلنا ندرك لماذا كان في إحدى مراحله «مديرًا لمعهد العالم العربي في باريس». أرجع إلى «صندوق أمي» قرأتها.. ليس في الصندوق المقفول بالمفتاح والمليء بالأسرار، كما يروي معجب الزهراني، الذي انتظر ذهاب أمه للصلاة ليستطيع فتح الصندوق المحروس: سوى «قطع ملابس بعضها ثمين وأكثرها عادي، حلي الفضة وقلائد العقيق، ثلاث صرر ثقيلة لا بد أنها ريالات عربي وفرانسي، جونة من القش معبأة بالزبيب واللباب، حُقْ كبير فيه بن، وآخر صغير فيه حبوب الهيل، وثالثًا مثله مملوء ببخور عماني معتاد، صينية ملونة مليئة بالسمن، وأخرى مثلها فيها أقراص العسل، وفي طرف آخر رأيت عمامة قطنية منقوشة الأطراف، تضم أوراقًا سميكة خشنة ملفوفة بعناية.. «كنت أعرف أنها حجج البيت والمزارع.. ولذا لم أفتحها»، وبجوارها مسفع عدني مزركش شفاف يضم تلك النباتات العطرية الجافة، وحين أدركت أنني لن أعثر على سر تنشقت الرائحة الزكية في القطعتين القماشيتين، ثم أقفلت الصندوق وأعدت المفتاح مكانه. شعرت براحة تسري في عروقي كالماء في جسد ظمآن، راحة نادرة، عميقة لذيذة، مرهقة وممزوجة بخيبة ما، شعور كثيف ملتبس لا يمكنني وصفه بدقة امرأة كنت أتوهم أنها صنف آخر من النساء، إلا وتذكرت تلك اللحظة -كأنما الجملة غير مترابطة كما لو كانت كنانة إيروسية حذف الرقيب سهامها.. لا يهم.. نكمل. حسبت أنني تخلصت من الفتنة، لكن ما حصل هو العكس تمامًا، أصبت بما يشبه الإدمان، كررتها مرات لا تحصى، لم أعد أنتظر يوم الجمعة العظيم لأفتح الصندوق العجيب ذاك، كنت أسترق المفتاح من الخيط الجلدي المعلق في رقبتها بمجرد أن تعود متعبة وتغفو في البيت الخارجي، أفتحه وأغلقه وأشم الروائح الفاتنة في ثوانٍ وانتهى الأمر.. نعم.. لعبة الإخفاء هذه هي التي ورطتني. كنت أحسبها لعبة بريئة عابرة فإذا بي أكتشف، وبعد فوات الأوان، أنها لعبة خطرة كمعظم ألاعيب الطفولة، وصدق العارفون، «لا شفاء لمحب غير أن يرى المحبوب»، ثم يشرح لنا مصير «الصندوق» بقوله «بعد وفاة أمي بيومين وزعت كل محتويات الصندوق على أخواتي، ولقد دهشن وأنا أتنازل عن كل شيء ثمين من أجل الصندوق الملون الذي ظل مفتوحًا في صدر المجلس لسنوات.. وكم فرحت أختي الصغرى قبيل زفافها بأيام إذ أهديته لها، وأظن الفتاة الطيبة فرحت لأنها استعادت سحارية أمها التي ستضع فيها أثمن أشيائها، لكنها لم تفهم شيئًا حين ابتسمت وقبلتها، وأنا أقول: إن الصندوق الحقيقي سيبقى في رأسي». إنها الفيتيشية في تجلياتها الثلاث «الأنثربولوجية، الماركسية، النفسية»، وضع تحت كل عنوان قراءة خاصة بهذا الصندوق «التابو/المحرَّم/الممنوع/المقدس - المدنس» في حيوات ناس كثيرين لا علاقة لهم بمعجب، لكن علاقتهم بصندوق «ما» في حياتهم ما زالت تأسرهم حتى الآن، لم يستطيعوا فعل ما فعله معجب في فك الطلسم، والتحرر من الأسرار المتنوعة في صناديق كثيرة تأتي على شكل بشر، حجر، شجر. حكاية معجب لو استطاعت أن تحمل كثافة لغوية أعلى لمزقت الميثوس باللوغوس شر ممزق، لكنها ستفقد بساطتها، سلاستها، قربها من حيوات الناس، لكنها لعبة «السر»، التي بقيت في رأس الزهراني، وقد أتقنها بعد أن «فكّ الصندوق» صغيرًا، ثم «فكّك السر» كبيرًا، وما بين «الفك اليدوي» و«التفكيك الفكري» ركضت به خيول العمر من قريته الجنوبية حتى باريس. عاد وما زال الصندوق «سرًا» في حيوات الآخرين، ومن أتقن «السر» وعرفه، فلن يبخل على الآخرين بصندوق فارغ من خشب، وهذا ما يجعلني أعتب على كثير من المثقفين العرب، فإما أنهم عرفوا السر ولكنهم يلهون بالقارئ المهتم الصادق في اهتمامه وحفرياته الخاصة، كما يفعل أحيانًا بعض كبار مثقفينا -للأسف- وهم يدورون استعراضًا بمفتاح الصندوق بأيديهم مرددين: هاه تعالوا.. شوفوا: «برهان، بيان، عرفان»، أو مرددين: لا.. لا تعالوا عندي أنا.. هاه شوفوا: «البطريركية العربية»، فيركض ثالث يريد أن يغطي بصوته على سابقيه، كما لو كنا في حراج رافعًا يده وهو يقول: خلوهم.. كل الصيد في جوف الفرا ثم يصيح: هاه شوفوا، «نسق ونسق مضمر».. إلخ من مفاتيح الصندوق دون أن يجرؤوا فعلا على فتحه، وإظهار كل ما فيه من أسرار هي في حقيقتها «عادية» بل «عادية جدًا»، ومن يفعل ذلك بوعي فهو مشغول بالسمن والعسل وعبق الرائحة لأنه يعاني فيتيشية إما «أنثربولوجية» أو «ماركسية» أو «نفسية»؟!! وإما أنهم فعلاً ما زالوا أسرى «الصناديق» دون وعي رغم المفاتيح، فكيف صاروا مثقفين وكبارًا؟.