ينقسم العلم في المنطق إلى: علم حصولي وعلم حضوري، مثالهما البسيط لو ذهب شخص مريض إلى طبيب وعرض عليه حالته، حينها يكون لدى الطبيب علم حصولي أي تصور لما في المريض من مرض وتصور لألمه ووجعه، بينما علم المريض بنفسه هو علمٌ حضوري، فالعلم الحضوري هو ذات المرض بينما الحصولي هو تصور المرض لا الإحساس به، وبطبيعة الحال فإنَّ العلم الحصولي تختلف نسبة اكتسابه باختلاف حذاقة هذا الطبيب في المثال المذكور وموهبته وعلمه، هذه المقدمة تكفي كما أظن ليعي القارئ الكريم الفرق بين من «يَصُف سرا» في طابور طويل من الإجراءات وبين تصور هذا المسؤول لحال المنتظرين، الأول منهما يعيش المعاناة بكافة فصولها ويشعر بها بينما الآخر يسمع أن هناك معاناة ولكنه لا يشعر بها وإن شعر فإنه بالتأكيد لن يكون مثل الأول. لا تشكِ للناس جرحا أنت صاحبه ** لا يألم الجرح إلا من به ألمُ على مستوى المتحدثين عن أي وضع سائد ينبغي جداً النظر لهذا المتحدث والتأكد مما إذا كان من عامة الناس الذين تدرجوا في المناصب بعد أن لم يكن -بعد الله- لهم إلا أن يصفوا سرا ويصلوا بجهدهم وكفاءتهم أو أن سيرته الذاتية مذ تخرج في الجامعة هي مدير ليس عليه رقيب ولا حسيب وطريق الحصول بالنسبة له على ما يريد كان مفروشا بالورد دائماً، الفرق هنا هو أن هذا الأخير قد لا يلتفت لأمور كثيرة مهمة في تقييم الأمور ليس عناداً منه أو مراوغة، بل لأنه لا يستطيع في أحيانٍ كثيرة أن يتصور أشياء هي بعيدة عن ذهنه بحكم عدم التجربة الوظيفية أو شحها، بينما قد يمتلك الأول تجربة تدعم قراراته وتجعلها أقرب للصواب، ولا شك أن لكل قاعدة شواذا فقد يتحقق العكس أحيانا. هذا النوع من الشعور ينجر حتى على مستوى شعور المدير بموظفيه ومن هم تحت سلطته، في هذا السياق لفت نظري قبل سنوات إعلان أحد مطاعم الفاست فود رغبته في توظيف مديري فروع، غير أن الشرط هو أن يعمل هذا المدير ولمدة ثلاثة أشهر جميع وظائف المطعم، ينظف الصحون والطاولات ويطبخ ويشارك في كل شيء، بعد ذلك يتولى منصبه كمدير، في اعتقادي أن هذه الطريقة تمنح المدير قدرة جيدة على الشعور بموظفيه وتقييم أدائهم وحجم المجهود والإنجاز الذي حققوه، في حين أن المدير المستورد من مكان آخر قد لا يكون لديه هذا النوع من الإدراك إلا إذا كان قد سلكه بالفعل في منظمات أُخرى، هذا النوع من الكفاءات المتدرجة يملك في أكثر الأحيان قدرة جيدة على اتخاذ قرارات وإجراء دراسات أكثر ملامسة للواقع، بينما قد يتعسر ذلك على غيرهم ممن لم يعش التجربة، ولم يعش معاناة الموظف العادي. في اعتقادي أن أي مسؤول خدمي يعيش السلطة المطلقة ويتراكم الناس على باب مكتبه من أجل قضاء حوائجهم لن يستطيع الإحساس بهم بذات الدرجة من المعاناة إلا إذا صادف أن كان هو بنفسه في هذا الصف، إننا نحتاج جدا لمفهوم «صُف سرا» للجميع لا سيما مسؤولي الدوائر الخدمية دون محاباة لأحد، لو كان المسؤول الصحي حينما يمرض «يَصُفْ سرا» في مواعيد المستشفيات لعرف معنى معاناة الناس في مواعيد المستشفيات البعيدة، ولو كان هذا المسؤول يصف سرا منتظرا الحصول على تبرع ب «كلى» لعرف كيف يطارد شبح الموت في كل لحظة مرضى الفشل الكلوي، لو كان ابن المسؤول العمالي «يَصُفْ سرا» في طابور المنتظرين للوظائف لفهم معنى ألم الآباء من جرَّاء بطالة أبنائهم وطول انتظارهم للوظائف، لو كانت ابنة المسؤول العاملة على عتبة دارها «تصُفْ سرا» لفهم معنى شبح الموت الذي لاحق الموظفات المغتربات طويلا وحصد منهم كثيراً وعرف كيف يصبح فؤاد الآباء والأمهات فارغاً. «صُف سرا» هي أفضل تدريب علمي ومهني كما أعتقد لأي إداري في أي منصب، «صُف سرا» هي الدرس العملي لأي مدير دائرة خدمية. خلصت تجربة أجرتها جامعة ستانفورد الأمريكية العريقة على عينة من الطلاب قسموا إلى قسمين كان الأول لمساجين والآخر لسجانين ومُنحَ السجانون حرية مطلقة لا يحدها حد في التعامل مع السجانين، خلصت إلى أن السجانين قد تحولوا إلى أشخاص غير مكترثين تماماً وأكثر شراسة في التعامل مع المساجين مع أن العينة محل الدراسة كانت لطلاب متفوقين عرفوا بالتهذيب والسلوك الحسن، ملخص النتيجة هي أن السلطة المطلقة تُظهر أسوأ ما في الإنسان حتى وإن عُرف بالصلاح والاستقامة، هذه النتيجة اليوم هي قاعدة إدارية تصلح لأي منظمة وفي أي ظرف. المسؤول الخدمي الذي يعيش في برج عاجي دون رقيب وبسلطة مطلقة يعيش حالة من الغفلة اللا إرادية عن مشاعر الناس وهمومهم، هو شخص ربما يكون صالحا ومهذبا ويحب الخير ولكن الظروف أحيانا هي التي تجعل طريقة إدارته رديئة ومتواضعة، في اعتقادي أن السبيل الذي يستطيع من خلاله هذا الإنسان -إن رغب- معرفة أداء إدارته هو أن يتلمس حاجات الناس ويشعر بما يشعرون به، إن «يصف سرا» ويرى بنفسه الإجراءات التي يمر بها الإنسان العادي للحصول على الخدمة، أظن أن في ذلك طريقا جيدا ليفهم عما يتكلم الناس وبماذا يشعرون؟، ليس هو بالتأكيد الطريق الوحيد ولكنه أحد الطرق المهمة، إن منح نفسه تجربة «صُف سرا» أو كان مراقبا بنفسه لشخص هو بنفسه «صَف سرا» ففي اعتقادي أنه سيتمكن من معرفة كثير من المعلومات المهمة التي لا شك سترشده لمواقع الخلل والضعف في دائرته، أما أن يعتمد فقط على ثناء أو تقييم من هم تحت دائرته فقط فهذا ما لن يكون سببا في تغيير شيء، لا سيما حينما يكون بقاء هؤلاء ذا قيمة ونفوذ مرهونا ببقاء مديرهم ورضاه.