في السنوات الأخيرة، رسّخت المملكة موقعها كقوة عربية رائدة في تنظيم وتطوير قطاع التقييم العقاري، ليس فقط عبر بناء منظومة مهنية وتشريعية متكاملة داخل السوق المحلي، بل كذلك عبر تحويل هذه التجربة إلى نموذج قابل "للتصدير" عربيًا وإقليميًا، ومع تسارع التحولات الاقتصادية والعمرانية في المنطقة، باتت الدول تبحث عن أطر موحدة وموثوقة للتقييم العقاري لضمان العدالة والشفافية وحماية المستثمرين وتعزيز كفاءة التمويل العقاري. وهنا تبرز "الريادة السعودية" بوصفها تجربة عملية قابلة للنقل، وليست مجرد إطار نظري. أولًا: لماذا تُعد المملكة رائدة عربيًا في التقييم العقاري؟ تقوم الريادة السعودية على فكرة جوهرية: أن التقييم العقاري ليس نشاطًا فرديًا يعتمد على الخبرة الشخصية فحسب، بل هو مهنة لها قواعد ومعايير، وتحتاج إلى حوكمة واضحة، واعتماد مهني، وآليات رقابة وانضباط، وتكامل مع المنظومة المالية والقضائية. ومن هذا المنطلق، اتجهت المملكة إلى بناء بيئة مؤسسية تعالج التحديات التقليدية في سوق التقييم، مثل تفاوت التقديرات، تضارب المصالح، ضعف توحيد المنهجيات، وغياب الشفافية في بعض ممارسات السوق. كما أن ضخامة السوق السعودي، وتنوع المنتجات العقارية (سكني / تجاري / صناعي / أراضي / مشاريع تطويرية)، وارتباط التقييم بقطاعات التمويل والاستثمار والخصخصة والضرائب والرسوم كل ذلك فرض الحاجة إلى منظومة تقييم احترافية تتناسب مع اقتصاد بحجم المملكة ومع طموحاتها. ثانيًا: عناصر القوة في التجربة السعودية التي تجعلها قابلة للتصدير 1- نموذج بناء المنظومة من "التشريع إلى التطبيق" الميزة الأهم في التجربة السعودية أنها لم تكتفِ بإعلان معايير أو توصيات، بل اتجهت إلى بناء منظومة متدرجة: إطار نظامي، تنظيم مهني، برامج تأهيل واعتماد، ثم التطبيق والرقابة. هذه "السلسلة" هي ما تحتاجه غالبية الأسواق العربية التي تعاني غالبًا من وجود أجزاء من المنظومة دون اكتمالها. 2- مواءمة المعايير العالمية مع خصوصية السوق المحلي نجحت المملكة في الاستفادة من التجارب العالمية في المعايير المهنية وأفضل الممارسات، مع الحفاظ على واقعية التطبيق بما يتناسب مع طبيعة السوق المحلي، وأنواع الملكيات، وأنماط التطوير، وديناميكيات التمويل. هذه القدرة على المواءمة لا تتوافر عادة لدى الدول التي تستورد المعايير - كما هي - دون تكييف؛ فتقع في فجوة بين النص والتطبيق. 3- تكامل التقييم العقاري مع منظومات التمويل والحوكمة التقييم العقاري ليس هدفًا بذاته؛ بل هو أداة لرفع كفاءة قرارات الإقراض والضمانات والاستثمار والتصفية القضائية وإدارة الأصول. التجربة السعودية أقوى حين تُقرأ في سياقها الأشمل: تعزيز موثوقية السوق وتقليل المخاطر وتوسيع التمويل العقاري وتحسين بيئة الاستثمار. وهذه نقطة جذب للدول العربية التي تسعى إلى جذب الاستثمارات وتنشيط التمويل وتطوير الأسواق. 4- تراكم الخبرات الوطنية وبناء "سوق مهني" للتقييم عندما تنجح دولة في خلق بيئة مهنية ينمو فيها عدد الممارسين المؤهلين، وتستقر فيها مناهج التدريب، وتتحسن فيها جودة التقارير، فإنها لا تبني مجرد تنظيم، بل تبني "قدرات بشرية" قابلة للتوسع والتعاون والتدريب خارج حدودها. وهنا تتحول المملكة من مستهلك للخبرات إلى منتج لها. ثالثًا: كيف يمكن للمملكة تصدير تجربتها عربيًا؟ تصدير التجربة لا يعني نسخ نموذج واحد وإسقاطه على الجميع، بل يعني نقل المعرفة المؤسسية وبناء القدرات وفق احتياجات كل دولة. ويمكن تصور ذلك عبر مسارات عملية: 1- الاستشارات المؤسسية وتصميم الأطر التنظيمية تستطيع المملكة عبر خبراتها ومؤسساتها وشراكاتها مساعدة الدول في وضع أطر تنظيم المهنة: تعريف الممارس المعتمد، درجات الترخيص، متطلبات الخبرة، ضوابط تضارب المصالح، إجراءات التأديب، ومتطلبات جودة التقارير. 2- بناء برامج وطنية للتأهيل والاعتماد بدل الاعتماد الكامل على جهات خارجية، يمكن نقل نموذج "برنامج اعتماد وطني" بمعايير واضحة ومناهج تدريبية وأدلة تطبيقية، مع اعتماد المدربين وتطوير الاختبارات المهنية وربطها بالممارسة الفعلية. 3- تطوير أدلة تقييم متخصصة تناسب المنطقة المنطقة العربية تتشارك كثيرًا من السمات: طبيعة الملكيات، حساسية الأراضي، تحديات البيانات، وتفاوت السيولة في بعض القطاعات. لذلك يمكن للمملكة أن تقود إنتاج أدلة إقليمية متخصصة للتقييم (مثل تقييم الأراضي الخام، الأصول الوقفية، العقارات متعددة الاستخدام، المشاريع قيد الإنشاء) بما يختصر سنوات من التجربة لكل دولة. 4- التعاون الإقليمي وإنشاء منصات تبادل خبرات يمكن توسيع الريادة عبر مذكرات تفاهم، وبرامج تبادل، ومؤتمرات تدريبية عربية مشتركة، وحتى إنشاء إطار عربي للتعاون في تنظيم التقييم العقاري، يكون هدفه توحيد الحد الأدنى من متطلبات الجودة وتبادل البيانات والمنهجيات. رابعًا: ما الذي يجعل "التصدير" السعودي مقنعًا للدول العربية؟ هناك عاملان يمنحان التجربة السعودية قوة الإقناع: * نجاح التجربة في سوق كبير ومعقد: إذا كانت المنظومة تعمل في سوق بحجم المملكة وتنوعه، فإمكانية تكييفها للأسواق الأصغر تصبح أسهل. * قرب السياق الثقافي والاقتصادي: خلافًا لتجارب دولية بعيدة السياق، التجربة السعودية تنطلق من بيئة عربية وخليجية متقاربة، ما يجعل نقلها أكثر واقعية وأقل تكلفة في التكييف. خاتمة.. إن ريادة المملكة في مجال التقييم العقاري لم تعد محصورة في الداخل، بل أصبحت فرصة إقليمية لبناء "لغة مشتركة" في التقييم تعزز ثقة المستثمرين وتدعم التمويل وتحد من المخاطر وتدفع نحو أسواق أكثر نضجًا. ومع ازدياد الحاجة العربية إلى تنظيم القطاع وتوحيد معاييره، تمتلك المملكة المقومات لتكون مركزًا إقليميًا لتطوير صناعة التقييم العقاري - ليس عبر تصدير اللوائح فقط - بل عبر تصدير المنظومة المتكاملة: التشريع، والحوكمة، وبناء القدرات، وثقافة الجودة.