يشهد القطاع العقاري في المملكة حراكًا موسميًا ملحوظًا تزامنًا مع حلول شهر رمضان المبارك وذكرى يوم التأسيس في 22 فبراير من كل عام، حيث تكثف شركات التطوير والتسويق العقاري حملاتها الترويجية والعروض التحفيزية، في إطار سعيها إلى تنشيط المبيعات وتحريك السيولة، في وقت تعكس فيه المؤشرات الإحصائية صورة متباينة لأداء السوق بين الارتفاع المحدود في بعض الأنشطة والتراجع في أخرى. وأظهرت بيانات الهيئة العامة للإحصاء ارتفاع الرقم القياسي العام لأسعار العقارات على أساس سنوي بنسبة طفيفة، مدفوعًا بزيادة أسعار العقارات السكنية بنحو 1.1%، فيما انخفضت أسعار العقارات التجارية بنسبة 0.1% والزراعية بنسبة 0.3%، وبيّنت البيانات أن الأراضي السكنية شكّلت المحرك الرئيس للارتفاع بنسبة بلغت 1.2%، في حين سجلت أسعار الفلل انخفاضًا بنسبة 3.8%، والعمائر بنسبة 0.9%، والبيوت بنسبة 0.1%، مع استقرار أسعار الشقق دون تغيير يُذكر. وتعكس هذه الأرقام تباينًا في مكونات السوق العقاري، إذ يقابَل ارتفاع أسعار الأراضي السكنية بانخفاض في بعض المنتجات السكنية الجاهزة، ما يشير إلى وجود فجوة نسبية بين العرض والطلب في بعض الشرائح، خاصة في ظل تأثر القدرة الشرائية بارتفاع تكاليف التمويل العقاري خلال الفترات الماضية، إضافة إلى تغير أولويات المستهلكين نحو وحدات أصغر أو خيارات تمويلية أكثر مرونة. ومع حلول شهر رمضان واحتفالات يوم التأسيس، تطرح الشركات العقارية باقات متنوعة من العروض الترويجية، تشمل تحمّل تكاليف رسوم التصرفات العقارية، أو تقديم دفعات أولى مخفضة، أو إتاحة خطط تقسيط لفترات محددة دون رسوم إضافية، إلى جانب تقديم حوافز عينية ضمن باقات الشراء، ويأتي ذلك في إطار الاستفادة من المواسم ذات الزخم الاجتماعي والوطني، التي تشهد عادةً زيادة في حركة التسويق والإقبال على المعارض والمواقع الإلكترونية. ويشير مختصون في الشأن العقاري إلى أن هذه المواسم تمثل فرصة لإعادة تنشيط الطلب، لاسيما لدى العملاء المترددين، في ظل ما يصاحب شهر رمضان من توجهات نحو الاستقرار الأسري، وارتباط يوم التأسيس بالقيم الوطنية والاعتزاز بالمنجزات التنموية، وهو ما توظفه الحملات التسويقية في إبراز مزايا المشاريع وربطها بمفاهيم الاستقرار وجودة الحياة. وفي المقابل، يواجه السوق خلال عام 2026 عددًا من التحديات المرتبطة بعوامل تمويلية واستثمارية، من أبرزها ارتفاع أسعار الفائدة خلال الفترات السابقة وما ترتب عليه من زيادة في أقساط التمويل العقاري، إلى جانب تراجع نشاط بعض المستثمرين الأفراد في المضاربات قصيرة الأجل، ووفرة المعروض في بعض الضواحي الجديدة مقابل تفاوت مستوى اكتمال الخدمات والبنية التحتية. ويرى محللون أن الارتفاع الطفيف في المؤشر العام لا يعكس بالضرورة نشاطًا قويًا في عدد الصفقات، إذ قد يرتبط بصفقات محدودة في مواقع استراتيجية بأسعار مرتفعة، في حين تعكس تراجعات أسعار الفلل والعمائر صعوبة تسويق بعض الوحدات ذات الأسعار المرتفعة مقارنة بمستويات الدخل والتمويل المتاحة. كما يبرز تفاوت جغرافي في أداء السوق بين المدن والمناطق؛ ففي مدن رئيسة مثل الرياض، لا تزال بعض الأحياء الحيوية تشهد طلبًا مستمرًا مدعومًا بالنمو السكاني والمشاريع الكبرى، في حين تسجل بعض الضواحي البعيدة وتيرة بيع أبطأ نسبيًا رغم انخفاض الأسعار مقارنة بالمواقع المركزية. وفي مدن أخرى، أدى التوسع في طرح مخططات جديدة إلى زيادة المنافسة بين المشاريع، ما عزز من أهمية الحملات الموسمية كأداة لدعم المبيعات. وفي هذا السياق، تعتمد الشركات على أدوات تسويق متعددة تشمل الحملات الرقمية المكثفة عبر المنصات الإلكترونية، والبث المباشر من مواقع المشاريع، والعروض المحددة المدة، وتمديد فترات السداد أو تأجيل أول قسط إلى ما بعد الاستلام، بهدف تعزيز جاذبية المنتجات دون اللجوء إلى تخفيضات سعرية مباشرة قد تؤثر على الصورة السوقية للمشروع. ويؤكد مختصون أهمية تعزيز الشفافية في الإعلان عن الأسعار الفعلية قبل وبعد العروض، وإتاحة بيانات أكثر تفصيلًا حول عدد الصفقات وقيمها، بما يدعم اتخاذ قرارات استثمارية قائمة على معلومات دقيقة، ويسهم في تحقيق توازن مستدام بين العرض والطلب. ويأتي هذا الحراك في ظل استمرار تنفيذ مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي تولي القطاع العقاري والإسكاني أهمية محورية ضمن منظومة التنمية الشاملة، بما يعزز الاستدامة ويرفع جودة الحياة ويوفر خيارات سكنية متنوعة للمواطنين والمقيمين. وتبقى المواسم الوطنية والدينية إحدى القنوات التي يعوّل عليها القطاع لتحفيز النشاط وتعزيز الثقة، في وقت يسعى فيه السوق إلى تحقيق استقرار أكبر بين مستويات الأسعار وحجم الطلب الفعلي، بما يواكب التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة ويدعم استدامة النمو في القطاع العقاري على المدى المتوسط والبعيد.