وُلد جاسم شومان في قرية أبو فلاح، في مدينة البيرة بمحافظة رام الله، قبل أن تأتي به العائلة إلى الرياض وهو في الرابعة من عمره. هنا، في المدينة التي كانت آنذاك تتشكّل على مهل، عاش طفولته ومراهقته حتى السابعة عشرة، قبل أن يعود إلى فلسطين، حيث أمضى ستةً وعشرين عامًا شكّلت عمق تجربته الإنسانية والفنية. يحمل شومان درجة الماجستير في الفن، وهو تكوين أكاديمي لم يفصله عن التجربة، بل منحه أدوات أعمق لقراءتها وتفكيكها. اليوم، يعود شومان إلى الرياض من جديد، لا بوصفه طفلًا يراقب المدينة من أطرافها، بل فنانًا يقرأ تحوّلاتها بعين الذاكرة، يرى الرياض الجديدة، ويقف أمام شارع التحلية الذي عرفه صغيرًا، لكن من زاوية مختلفة؛ زاوية النحت، والوعي، والتأمل في ما تغيّر وما بقي، وفي تخيّل «ملامح ما سيكون». الفن بوصفه مقاومة لا يتعامل شومان مع الفن بوصفه ممارسة جمالية معزولة، بل كحاجة وجودية. حاجة للفلسطيني تحديدًا، ليحمي نفسه من المحو، ومن سطوة الاحتلال، ومن التآكل البطيء الذي يصيب الذاكرة حين تُترك بلا لغة. في هذا السياق، يصبح الفن شكلًا من أشكال الحماية؛ حماية للذات، وللتاريخ، وللحق في السرد. يرى شومان أن الفن لا يواجه الاحتلال أو النسيان أو عوامل الفناء بالشعارات، بل بالاستمرار: باستعادة المعنى، وبإبقاء الذاكرة حيّة وقابلة للمشاركة. أعماله لا تُقدّم الذاكرة كحنين ساكن، بل كقوة فاعلة تُعيد تشكيل الحاضر، وتمنح الإنسان قدرة على الوقوف في وجه الزمن لا بالإنكار، بل بالفعل الإبداعي. «تشكّلات الذاكرة والتحوّل» في مشاركته ضمن ملتقى طويق للنحت، يقدّم شومان عمله «تشكّلات الذاكرة والتحوّل»، المصنوع من جرانيت «رويال جولد»، بوصفه تحية شخصية عميقة لمدينة الرياض. العمل لا يستعيد المكان كما كان، بل يقرأ تحوّله بوصفه مسارًا ممتدًا، تتقاطع فيه الذاكرة الفردية مع التحوّل الحضري. تتراصّ كتل الحجر لتخلق إحساسًا بالتموّج، محاكية حركة المياه في انتقالها من الملوحة إلى العذوبة. هنا، تتحوّل المادة إلى استعارة عن التحوّل من الندرة إلى الوفرة، ومن الحالة إلى نقيضها، فيما ترمز طبقات الحجر إلى الطبقات الجيولوجية والزمنية للذاكرة ذاتها. السعودية.. بلدي الثاني في حديثه، يصف شومان السعودية بوصفها بلده الثاني. يتحدّث عن محبة الناس، وعن لمعان عيون الأطفال حين يخبرهم أنه من فلسطين، وعن شعور القرب الذي لا يحتاج إلى تفسير، هذا الإحساس بالانتماء المزدوج لا يظهر في أعماله كشعار، بل كتوازن داخلي يسمح له بأن يرى المكان بصفته مساحة إنسانية مشتركة، تتجاوز الحدود، وتفتح باب الحوار. الفن في الفضاء العام تأتي مشاركة جاسم شومان ضمن إطار الرياض آرت، أحد برامج الهيئة الملكية لمدينة الرياض، الذي يعمل على إدماج الفن في الفضاء العام، وتحويله إلى جزء من الحياة اليومية للمدينة. في هذا السياق، لا يُنظر إلى العمل الفني بوصفه عنصرًا تزيينيًا، بل كمساحة للحوار بين الذاكرة والتحوّل، وبين الإنسان والمكان. أثر مفتوح في المحصلة، يقدّم جاسم شومان فنًا يقاوم النسيان ويواجه الزمن بالمعنى، فنًا يرى في الإبداع ضرورة للحياة، ووسيلة لحماية الذاكرة، وجسرًا إنسانيًا مفتوحًا بين الأمكنة والتجارب. «تشكّلات الذاكرة والتحوّل» ليس مجرد عمل نحتي، بل خطاب بصري للروح، يذكّر بأن الفن، حين يكون صادقًا، يصبح شكلًا من أشكال البقاء.