«تمكين الشباب» أصبحت في السنوات الأخيرة من أكثر العبارات تداولًا في الخطاب العام، حتى كادت تتحول من مفهوم عميق يحمل مشروعًا وطنيًا وإنسانيًا متكاملًا إلى كلمة إنشائية تُقال في كل مناسبة، وأحيانًا في غير موضعها. كثرة الاستخدام دون وعي أو التزام حقيقي أفرغت المصطلح من محتواه، وجعلت البعض يختلف حوله أو يتعامل معه بشيء من التشكيك، لا لعيبٍ في الفكرة ذاتها، بل بسبب سوء توظيفها وتكرارها بلا أثر ملموس. التمكين ليس شعارًا يُرفع، ولا جملة تُضاف في نهاية خطاب، بل هو ممارسة تبدأ بالثقة قبل أي شيء آخر. أن تمكّن شابًا يعني أن تؤمن بقدرته على الإنجاز، وأن تمنحه فرصة حقيقية لا شكلية، وأن تضعه في موقع مسؤولية واضح، ثم تسانده بالتوجيه والمساءلة العادلة. التمكين ليس إعفاءً من المحاسبة، بل هو تحميل للمسؤولية مقرون بالدعم. وحين تغيب هذه المعادلة المتوازنة، يتحول الحديث عن الشباب إلى مجاملة لفظية لا تصنع أثرًا. في كل مسيرتي المهنية، لم أضع ثقتي في شاب فخذلني، ولم أمنح فرصة لشاب لم يكن أهلًا لها. هذه ليست مبالغة عاطفية، بل تجربة متكررة تؤكد أن المشكلة نادرًا ما تكون في الشباب أنفسهم، بل في البيئة التي قد تتردد في منحهم المساحة، أو تخشى تمكينهم فعليًا. الشاب حين يُمنح الثقة يشعر بالمسؤولية، وحين يُعطى الفرصة يسعى لإثبات جدارته، وحين يجد التوجيه الصادق ينضج سريعًا ويتجاوز أخطاء البدايات. لقد أدركت قيادتنا هذه المعادلة مبكرًا، وجعلت الاستثمار في الإنسان ركيزة أساسية في مسار التحول الذي تعيشه المملكة العربية السعودية ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، حيث لم يعد الشباب يُنظر إليهم كفئة تحتاج دعمًا فحسب، بل كقوة قيادة وصناعة مستقبل. الرهان الحقيقي لم يكن على الأعمار، بل على الكفاءة والطموح والقدرة على التغيير. معادلة الشباب بسيطة وواضحة: فرصة صادقة، وثقة حقيقية، وتوجيه حكيم. هذه العناصر الثلاثة كفيلة بصناعة قائد مستقبلي، لا مجرد موظف يؤدي مهامًا محددة. أما الاستمرار في استهلاك المصطلحات دون تطبيقها، فهو ما يسيء إليها ويجردها من معناها. نحن بحاجة إلى أن نعيد للكلمات وزنها، وأن نستخدم العبارات في مواضعها، وأن نربط القول بالفعل. تمكين الشباب ليس واجبًا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة تنموية واستثمار طويل الأمد. وعندما نثق بالشباب السعودي ونمنحهم الفرص التي يستحقونها، فإننا لا نخاطر بالمستقبل، بل نبنيه بثبات.