الخلود سمة لازمة للقرآن لا باعتباره كتابًا دينيًا فحسب، بل باعتباره الرسالة الخاتمة التي لم يُقدَّر لها أن تُستكمل أو تُصحَّح بوحي لاحق. ومن هنا يقرر الدكتور محمد عبدالله دراز أن حفظ القرآن ليس حادثة تاريخية عارضة، بل ضرورة منطقية تفرضها طبيعة الرسالة نفسها. فدينٌ خُتم به الوحي لا يستقيم بقاؤه مع نص قابل للضياع أو التحريف. وقد تميز القرآن عن الكتب السماوية السابقة بأن الله تكفّل بحفظه تكفّلًا مباشرًا، لا عبر طبقة كهنوتية، ولا مؤسسة دينية مغلقة، بل عبر الأمة كلها، في صدورها قبل سطورها. فانتقال القرآن لم يكن انتقال نص مكتوب فحسب، بل انتقال حياة كاملة، تُتلى آناء الليل وأطراف النهار، ويُعبد الله بها، مما جعل أي تغيير فيه مستحيلًا من الناحية الواقعية قبل أن يكون محرمًا من الناحية الشرعية. ثم إن طبيعة القرآن البيانية نفسها تقاوم التحريف؛ فأسلوبه المتماسك، وبناؤه المحكم، وترابط معانيه، يجعل أي زيادة أو نقص نشازًا مكشوفًا، لا يخفى على أهل اللسان ولا على عامة الحفظة. فالتحريف لا يقتصر خطره على تغيير الألفاظ، بل يفسد النظام الداخلي للنص، وهو ما لا يحتمله القرآن دون أن ينكشف. ويضيف دراز في كتابه أن الخلود ليس مجرد بقاء الألفاظ، بل بقاء الصلاحية والهداية. فالقرآن لم يُنزّل ليعالج ظرفًا تاريخيًا محدودًا، بل ليؤسس سننًا كلية، وقيمًا إنسانية، وموازين أخلاقية، تتجدد دلالاتها مع تعاقب العصور، دون أن تفقد أصلها. وفإن حفظ القرآن ليس معجزة منفصلة عن محتواه، بل هو امتداد طبيعي لكونه وحيًا خاتمًا، أراد الله له أن يبقى شاهدًا على صدقه، وحجة قائمة على الإنسانية إلى آخر الزمان.