تراجع أسعار النفط في التعاملات الآسيوية بعد مكاسب قوية    مراقب فلسطين بالأمم المتحدة: فلسطين ملك لشعبها وليست محل مساومة أو بيع    الأمم المتحدة: المستوطنات الإسرائيلية ليس لها شرعية قانونية وتنتهك القانون الدولي    ترقية الدكتور علي القحطاني إلى درجة أستاذ "بروف" في جامعة الإمام محمد بن سعود    أمام خادم الحرمين الشريفين.. الأمراء والمسؤولون المعينون حديثاً يتشرفون بأداء القسم    أمير الشرقية لمنتسبي الإمارة: رمضان محطة إيمانية متجددة تعزز قيم الإخلاص والتفاني    دشنا حملة «الجود منا وفينا».. خادم الحرمين وولي العهد يتبرعان ب150 مليون ريال لدعم الأسر المستحقة    منصة «إحسان».. نموذج متقدم في القيم الإنسانية والتقنيات المتقدمة    السعودية: 22.3 مليار ريال فائضاً تجارياً    إعتماد خطة مطار الملك عبدالعزيز لموسم ذروة العمرة لعام 1447ه    أمير الشمالية يتسلّم الملخص التنفيذي لفرع "الاتصالات"    أمير الجوف يدشّن خدمة الاتصال المرئي في صوير ويلتقي المواطنين    أكد القدرة على دمج عائلات داعش بأمان.. مصدر سوري: فوضى مخيم الهول مسؤولية «قسد»    طهران تتمسك بشروطها في جنيف.. واشنطن تؤكد منع إيران من السلاح النووي    وسط تباعد المواقف.. تعثر محادثات جنيف بين موسكو وكييف    النصر يتأهل لربع نهائي كأس آسيا 2    في جولة «يوم التأسيس» ال 23 من دوري روشن.. كلاسيكو نار بين الهلال والاتحاد.. والنصر يواجه الحزم    «العنصريون جبناء».. فينيسيوس يوجه رسالة قوية.. وبنفيكا يدافع عن بريستياني    القيادة تهنئ رئيس جامبيا بذكرى استقلال بلاده    النصر إلى ربع نهائي آسيا 2    كونسيساو: هناك فرق بين «روشن» و«النخبة»    مُحافظ جدة يستقبل المهنئين بحلول شهر رمضان المبارك    استعراض تقرير «تراحم» أمام نائب أمير القصيم    توفير 94 مقعداً دراسياً موزعة على برامج أكاديمية.. الإعلام توقع اتفاقيات مع 9 شركات لتأهيل الكفاءات    يوم التأسيس.. استلهام همم الأجيال    جاسم شومان.. أن تكبر في الرياض وتعيش في فلسطين    موسم الدرعية يعلن تمديد عدد من برامجه    خالد سليم بين «مناعة» و«المصيدة» في رمضان    تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين ونيابة عنه.. أمير منطقة الرياض يكرم الفائزين بجائزة الملك سلمان لحفظ القرآن الكريم للبنين في دورتها ال27 الجمعة المقبل    هرم كينيدي الجديد    كندية تفوق من التخدير بلكنة روسية    بائع شاي.. يقود إمبراطورية عالمية ناجحة    إنقاذ ساق مواطن من البتر في الدمام    الاتحاد السعودي يجدد شراكته مع الاتحاد الإيطالي للمبارزة لتعزيز التطوير الفني    سر اختصاص القرآن بالخلود وعدم التحريف    جوائز عالمية تحتفي بروائع التصوير    رامز جلال يكشف عن ضحاياه    تكافل اجتماعي    «كأني أنظر إليك تمشي في الجنة»    رحلة قرآنية    «بادوسان إندونيسيا»    الدفاع المدني يؤكد أهمية المحافظة على سلامة الأطفال من مصادر الخطر داخل المنازل    انطلاق جولة يوم التأسيس في دوري يلو ب9 مواجهات وقمة الدرعية والعروبة بالرياض    عروض عقارية رمضانية هربًا من الركود    إجراءات تعسفية لتقييد دخول الفلسطينيين إلى المسجد الأقصى    الطلاق النومي ظاهرة تتسلل إلى غرف الأزواج    صحة جازان تُكرّم مسيرة عطاء متقاعديها    التمكين الكلمة التي أنهكها التكرار    شاكر بن عوير عضواً بمجلس إدارة الغرفة التجارية بأبها    أمير تبوك يستقبل المهنئين بشهر رمضان المبارك    أخطر الحيتان ليست التي تعاديك    بطليموس يعظ    «الجود منا وفينا».. تحفيز للمجتمع على الخير وخطوة تعكس التكافل الاجتماعي    ترقية 4333 فردًا من منسوبي الأمن العام    أفغانستان تطلق سراح ثلاثة باكستانيين بوساطة سعودية    تعليم الشرقية يحتفي بيوم التأسيس لتعزيز الهوية والإنتماء    تسرب بيانات في "أسبوع أبوظبي المالي" يضر بشخصيات سياسية واقتصادية    سأل الله أن ينعم على الأمة الإسلامية والعالم بالاستقرار.. الملك سلمان: ماضون في نهجنا الثابت بخدمة الحرمين الشريفين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اقتصاد مرن ومتوازن
نشر في الرياض يوم 02 - 01 - 2026


المرأة شريك استراتيجي في تنويع الصادرات
في ظل التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة العربية السعودية، لم تعد الصادرات غير النفطية خيارًا تكميليًا، بل أصبحت مسارًا استراتيجيًا راسخًا يعكس نضج الرؤية الاقتصادية وتحوّلها من الاعتماد الأحادي إلى تنويع مستدام يعزز حضور المملكة في الأسواق العالمية. ومع تسارع المتغيرات الاقتصادية الدولية، برزت الصادرات غير النفطية كأحد أهم أدوات بناء اقتصاد متوازن، قادر على المنافسة، ومرن أمام تقلبات الأسواق وأسعار الطاقة.
وقد شكلت رؤية السعودية 2030 نقطة تحوّل مفصلية في إعادة صياغة مفهوم الصادرات، حيث انتقلت المملكة من دور المصدّر التقليدي للمواد الخام إلى لاعب اقتصادي يسعى لتصدير القيمة المضافة، والمنتج الصناعي، والابتكار المحلي، والمعرفة الوطنية. وفي هذا السياق، لم تعد الصادرات غير النفطية محصورة في قطاع بعينه، بل امتدت لتشمل قطاعات الصناعة، والتعدين، والبتروكيماويات التحويلية، والمنتجات الغذائية، والتقنيات الحديثة، والخدمات اللوجستية، بما يعكس تنوع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد السعودي.
وتأتي أهمية الصادرات غير النفطية بوصفها مؤشرًا مباشرًا على تنافسية الاقتصاد الوطني، وقدرته على النفاذ إلى الأسواق الإقليمية والدولية، وبناء شراكات تجارية مستدامة تقوم على الجودة والمعايير العالمية. كما تمثل هذه الصادرات رافدًا أساسيًا لدعم الميزان التجاري، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، وخلق فرص وظيفية نوعية تسهم في تمكين الكفاءات الوطنية وتحفيز القطاع الخاص على الابتكار والتوسع.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الاقتصادات العالمية إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل المخاطر، تواصل المملكة ترسيخ موقعها كقوة اقتصادية صاعدة، عبر سياسات داعمة للتصدير، وتطوير البنية التحتية اللوجستية، وتحفيز المحتوى المحلي، وفتح أسواق جديدة أمام المنتج السعودي. وهو ما يجعل الصادرات غير النفطية ليس مجرد أرقام في تقارير اقتصادية، بل عنوانًا لمرحلة جديدة من الطموح الوطني، تعكس قدرة المملكة على تحويل الرؤية إلى واقع، والموارد إلى فرص، والتحديات إلى منجزات ملموسة على خارطة الاقتصاد العالمي.
رائدات الأعمال.. قوة صاعدة
في السنوات الأخيرة، وبالتوازي مع التحوّلات الاقتصادية العميقة التي تشهدها المملكة العربية السعودية، أخذت رائدات الأعمال يلعبن دورًا متناميًا في تعزيز الصادرات غير النفطية كجزء لا يتجزأ من استراتيجية تنويع الاقتصاد الوطني وتنمية القدرة التنافسية للمملكة عالميًا. فقد شكّلت رؤية السعودية 2030 إطارًا واضحًا لتمكين المرأة في الاقتصاد، ليس فقط كمشاركة في سوق العمل، بل كقوة دافعة للابتكار والتصدير والريادة في قطاعات متعددة، بما يتماشى مع أهداف المملكة في خلق مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ومستدام.
على مدى العقد الماضي، ارتفعت نسبة مشاركة المرأة في الاقتصاد السعودي بشكل لافت، حيث تجاوزت نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل أهداف رؤية 2030 نفسها، ووصلت إلى مستويات مرتفعة مقارنة بالماضي، مع زيادة ملحوظة في عدد رائدات الأعمال السعوديات اللواتي أسّسن مشاريعهن الخاصة وسجّلن أنفسهن كمالكات أعمال في مجالات مختلفة. وقد أدّت هذه الزيادة في دور المرأة الريادي إلى خلق بيئة أكبر لنمو الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تقودها نساء، وهي شركات أصبحت جزءًا مهمًا من منظومة النشاط الاقتصادي غير النفطي.
إن الصادرات غير النفطية للمملكة تشهد أداءً تاريخيًا متسارعًا، فقد سجّلت في عام 2024 مستوى تاريخيًا جديدًا بنحو 515 مليار ريال، مما يعكس نجاح السياسات الوطنية في تنويع الاقتصاد، ودفع القطاعات غير النفطية نحو مزيد من التوسع المحلي والعالمي. ويرجع هذا النمو الملحوظ إلى انتعاش القطاعات الصناعية والخدمات وإعادة التصدير، وهو نمو يعكس تنافسية المنتجات السعودية في الأسواق الدولية.
داخل هذا السياق الوطني المتسارع، برزت العديد من رائدات الأعمال السعوديات اللواتي لم يحقّقن فقط إنجازات محلية، بل تجاوزن الحدود الوطنية إلى الأسواق الخارجية، مقدِّمات منتجًا سعوديًا ذا قيمة مضافة قادرة على المنافسة عالميًا. ففي قطاعات مثل التجارة الإلكترونية، الأغذية، المنتجات الحرفية، المنتجات الصحية والجمالية، والتقنيات الصغيرة، استطاعت الشركات النسائية أن تُدخل منتجاتها إلى أسواق جديدة، وتبني علاقات تجارية مع شركاء دوليين. وقد أسهم ذلك في إحداث تأثير ملموس في هيكلة الصادرات غير النفطية، إذ لم تعد تقتصر على الشركات الكبرى فقط، بل تشكل الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تقودها نساء جزءًا لا يستهان به من المشهد التصديري.
إن تمكين المرأة ليس مجرد شعار حكومي، بل تُترجمه بيانات واقعية على الأرض، فقد أصبحت النساء في السعودية يملكن قرابة نصف مليون سجل تجاري خاص بهنّ، ويشغلن مناصب قيادية في قطاعات الأعمال، مع ازدياد واضح في مشاركتهن في القيادة والإدارة، مما يعزّز قدرتهن على اتخاذ القرار والمساهمة في تجويد المنتجات الوطنية ودفعها نحو الأسواق العالمية.
ومن العناصر الداعمة لهذا التحوّل، برامج التمكين التي أطلقتها الجهات الحكومية، والتي صُمّمت خصيصًا لتزويد رائدات الأعمال بالأدوات والمعرفة اللازمة لتأسيس وتوسيع أعمالهن. تشمل هذه المبادرات التدريب، الإرشاد، الوصول إلى التمويل، وتسهيل الربط مع الأسواق الداخلية والخارجية، ما عزّز من فرص الشركات النسائية في النفاذ إلى شبكات تصديرية فعّالة. كما أن بيئة الأعمال السعودية أصبحت تُشجّع على تأسيس الشركات ونموها بشكل أسرع وأسهل، مما ساهم في ارتفاع عدد المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تقودها المرأة بشكل لافت.
ولا يمكن الحديث عن دور رائدات الأعمال في الصادرات غير النفطية دون الإشارة إلى تأثيرهن على الثقافة الاقتصادية نفسها. فهذه الرياديات لا يقدّمن منتجات فقط، بل يساهمن في خلق رواية جديدة لمنتج سعودي يحمل هوية وطنية وقيمة مبتكرة، ما يسهم في تغيير النظرة عن الاقتصاد السعودي كاقتصاد معتمد فقط على النفط، ويضعه في موقع المنافسة على الساحة العالمية. إن هذه الشركات تعزّز من انتشار المنتج السعودي في الأسواق المتقدمة والأسواق الناشئة على حدّ سواء، وتُظهر قدرة المملكة على تقديم سلع وخدمات ذات جودة عالية ومتطلبة للمعايير الدولية.
وبينما تستمر المملكة في تعزيز نمو الصادرات غير النفطية، يظل وجود رائدات الأعمال عنصرًا مهمًا في هذه المعادلة، ليس فقط كمشارك اقتصادي، بل كعنصر تغيير يستند إلى رؤية وطنية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقيم الابتكار، التنافسية، وتمكين الإنسان. إن الاستثمار في قدرات المرأة السعودية وفي توفير بيئة أعمال داعمة لها لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان استمرار النمو غير النفطي، وتعزيز مكانة المملكة في الأسواق العالمية في السنوات القادمة.
المرأة في قلب التحول الاقتصادي
في السنوات الأخيرة، شهدت المملكة العربية السعودية بروز نماذج نسائية قوية في ريادة الأعمال ساهمت بفعالية في التوسع نحو الأسواق الدولية ودعم الاقتصاد غير النفطي، مما يعكس التحوّل العميق في دور المرأة داخل منظومة الأعمال الوطنية وقدرتها على المنافسة العالمية. هذا التحوّل لا يأتي من فراغ، بل هو نتيجة ثمار رؤية السعودية 2030 التي وضعت تمكين المرأة وريادة الأعمال ضمن أولوياتها الاستراتيجية، وأتاح لها بيئة خصبة للنمو والابتكار على المستويين المحلي والدولي.
من بين النماذج البارزة في المشهد الريادي السعودي، تبرز منيرة جمجوم التي أسّست منصّة Aanaab المتخصّصة في تطوير المهارات المهنية عبر الإنترنت للمدرّسين والمدارس والحكومات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لم تكتف الشركة بتقديم خدمات تعليمية محليًا، بل توسعت بسرعة، مسجلة مشاركة أكثر من 200,000 معلّم في برامجها التدريبية، ما يجعل نموذجها مثالًا على قدرة المشاريع النسائية السعودية على خلق أثر اقتصادي وتعليمي يتجاوز حدود المملكة ويصل إلى أسواق إقليمية متعددة.
وفي قطاع الاقتصاد التشاركي والسياحي، برزت لطيفة التميمي بوصفها إحدى رائدات الأعمال السعوديات اللواتي قدن تجارب ناجحة في القطاعات غير النفطية، من خلال تأسيسها لمنصّة Gathern (جاذر إن)، إحدى أبرز منصّات الإقامة البديلة في المملكة. فمنذ انطلاقتها عام 2017، أسهمت المنصّة في إعادة تشكيل مفهوم السكن السياحي عبر توفير خيارات إقامة متنوعة تشمل الشقق والفلل والمخيمات، بما يواكب التحولات المتسارعة في قطاع السياحة المحلي. وقد نجحت Gathern في استقطاب مستخدمين من جنسيات متعددة، ما يعكس اتساع نطاق خدماتها وقدرتها على الوصول إلى شرائح خارج السوق السعودي. ويُعد هذا النمو مثالًا واضحًا على مساهمة المشاريع التي تقودها النساء في دعم السياحة غير النفطية، وتعزيز حضور النماذج السعودية المبتكرة في مجال الاقتصاد التشاركي، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تنويع الاقتصاد الوطني.
كذلك، تمثّل الشركات التي تقودها النساء في مجالات التقنية والتقنيات المتقدمة نموذجًا متصاعدًا للتوسع نحو الأسواق الدولية. ومع تنامي حضور المرأة في قطاع التكنولوجيا، تشير المؤشرات إلى ارتفاع مشاركتها في تأسيس الشركات الناشئة، خصوصًا في مجالات نوعية مثل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة. وقد نجحت بعض هذه المشاريع في استقطاب التمويل وتوسيع نطاق أعمالها ضمن منظومات تقنية تنافسية، ما يعكس قدرة رائدات الأعمال السعوديات على اقتحام قطاعات ذات قيمة مضافة عالية، والمساهمة في بناء اقتصاد غير نفطي قائم على المعرفة والابتكار، وقادر على المنافسة عالميًا.
وتعكس هذه النماذج وجهًا مهمًا من التحوّل الاقتصادي في السعودية: المرأة السعودية لم تعد مجرد جزء من القوى العاملة، بل أصبحت شريكًا فاعلًا في خلق القيمة وتوسيع أسواق المنتجات والخدمات السعودية عالميًا. وتعمل برامج الدولة، من حاضنات أعمال ومسرّعات تدريبية ومبادرات تمويل، على دعم هذه المشاريع وتسهيل نفاذها إلى الأسواق الدولية، ما يعزّز دورها في رفع إسهام الصادرات غير النفطية في اقتصاد المملكة.
وهكذا، ترتسم صورة جديدة لصادرات السعودية غير النفطية، لا تقوم فقط على الموارد والقطاعات التقليدية، بل تمتد إلى مشروعات ريادية تقودها نساء يعملن على وضع العلامة السعودية في الخارطة الدولية سواء عبر التكنولوجيا، التعليم، السياحة، الإبداع، أو التجارة الإلكترونية، مساهمات تُسهم في تنويع الاقتصاد الوطني وتقليل الاعتماد على النفط، وتفتح آفاقًا أوسع للمنتج السعودي في الأسواق العالمية.
اللحظة الحاضرة والفرصة الذهبية:
بيئة داعمة للريادة النسائية
إن النجاح اللافت لرائدات الأعمال السعوديات في السنوات الأخيرة لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج تضافر عدة عوامل شكلت بيئة ممكنة ومتسارعة للريادة النسائية في الوقت الراهن. فالمرحلة الحالية تحمل خصوصية تجعلها مثالية لتحقيق مثل هذا التوسع الدولي والمنافسة في القطاعات غير النفطية، إذ تتداخل عناصر التمكين التشريعي، والتحول الرقمي، والفرص السوقية العالمية، لتخلق أرضية خصبة يمكن للمرأة أن تزدهر عليها اقتصادياً ومؤسسيًا.
أولًا، يمثل سهولة تأسيس الأعمال عاملًا حاسمًا، إذ عملت الحكومة السعودية على تبسيط الإجراءات وتوفير منصات رقمية متكاملة لتسجيل الشركات، والحصول على التراخيص، وإتمام المعاملات التجارية، مما خفّض الحواجز أمام النساء الراغبات في إطلاق مشاريعهن، وأتاح لهن الانخراط في السوق بسرعة وفعالية. بالإضافة إلى ذلك، ساعدت التشريعات الداعمة للمرأة في تعزيز حقوقها الاقتصادية، وتسهيل وصولها إلى التمويل، ومنحها القدرة على إدارة شركاتها بحرية، وهو ما يضعها في موقع متقدم بالمقارنة مع فترات سابقة كانت فيها المشاركة النسائية محدودة بصرامة العادات والإجراءات الرسمية.
وثانيًا، لعب التحول الرقمي دورًا محوريًا في تمكين الريادة النسائية، فتوفر البنية التحتية الرقمية المتقدمة في المملكة، بما في ذلك منصات الدفع الإلكتروني، والحوسبة السحابية، والتجارة الإلكترونية، سمح للمشاريع الناشئة بقيادة النساء ليس فقط بالعمل داخل الحدود الوطنية، بل أيضًا الوصول إلى الأسواق الإقليمية والدولية بسرعة وبتكاليف أقل، ما فتح آفاقًا واسعة لتصدير الخدمات والمنتجات السعودية.
كما أن الربط مع الأسواق العالمية عبر اتفاقيات التجارة الحرة، والمبادرات الدولية للاستثمار، وبرامج الابتكار وريادة الأعمال، خلق شبكة دعم واسعة تساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة، خاصة التي تقودها نساء، على تصدير منتجاتها وخدماتها، والوصول إلى شرائح مستهلكين خارجية، وبناء شراكات استراتيجية مع مؤسسات عالمية.
من المهم أيضًا النظر إلى هذا الإنجاز ضمن منظومة الدولة ككل، لا كفاعل فردي، فنجاح رائدات الأعمال السعوديات هو نتيجة تضافر جهود متعددة: الحكومة، والقطاع الخاص، والحاضنات، والبرامج التدريبية، والبنية التحتية الرقمية، إلى جانب التشجيع الاجتماعي والثقافي، جميعها تعمل في تزامن لتشكيل بيئة مواتية للنمو الاقتصادي والابتكار. هذا التكامل بين المؤسسات والسياسات والفرص الرقمية جعل الوقت الحالي استثنائيًا للمرأة السعودية، وحوّل التحديات السابقة إلى منصة قوية تدعم التوسع المحلي والدولي في آن واحد.
وهكذا، يتضح أن التوقيت الحالي ليس صدفة، بل ثمرة رؤية استراتيجية متكاملة، حيث تلتقي التسهيلات القانونية، والتحول الرقمي، والفرص العالمية، مع طموح المرأة السعودية، لتصنع نموذجًا جديدًا لريادة الأعمال قادرًا على المنافسة والمساهمة في اقتصاد متنوع ومستدام.
لم يعد حضور المرأة السعودية في مشهد الصادرات غير النفطية وريادة الأعمال مجرد إضافة رقمية أو حالة استثنائية، بل تحوّل إلى مسار ثابت يعكس نضج التجربة الاقتصادية للمملكة واتساع آفاقها. فالنماذج النسائية التي برزت في مجالات التعليم الرقمي، والسياحة، والاقتصاد التشاركي، والتقنيات المتقدمة، تؤكد أن تمكين المرأة لم يكن هدفًا اجتماعيًا فحسب، بل خيارًا اقتصاديًا استراتيجيًا أسهم في بناء قطاعات جديدة قادرة على المنافسة إقليميًا وعالميًا.
ومع ما وفرته رؤية السعودية 2030 من بيئة تشريعية محفّزة، وبرامج دعم وتمويل، وحاضنات ومسرّعات أعمال، أصبحت المشاريع التي تقودها النساء جزءًا فاعلًا من منظومة التصدير غير النفطي، سواء عبر تصدير الخدمات، أو المعرفة، أو النماذج الرقمية المبتكرة. وهو ما يعكس تحوّل الاقتصاد السعودي من الاعتماد على الموارد التقليدية إلى اقتصاد متنوع يقوده الابتكار ورأس المال البشري.
وتكشف هذه التجارب أن المرأة السعودية لم تعد تكتفي بالمشاركة في السوق المحلي، بل باتت تخاطب العالم بثقة، وتقدّم نموذجًا تنافسيًا يحمل الهوية الوطنية ويواكب المعايير العالمية، مساهمةً في تعزيز صورة المملكة كشريك اقتصادي حديث ومنفتح. وبينما تتسارع خطوات التحول الاقتصادي، تواصل رائدات الأعمال السعوديات توسيع حضورهن في الأسواق الدولية، مؤكّدات أن الاستثمار في الإنسان، وتمكين المرأة، هو أحد أكثر المسارات استدامة في بناء اقتصاد غير نفطي قوي، قادر على النمو، والتجدد، وترك أثر طويل المدى يتجاوز الجغرافيا والزمن.
كما أن هذه الإنجازات تتجاوز الأرقام والإحصاءات لتصنع نمطًا ثقافيًا واقتصاديًا جديدًا، حيث أصبحت المرأة السعودية مرجعًا في الابتكار وريادة الأعمال، ونقطة جذب للمستثمرين المحليين والدوليين، مما يعزز شبكة العلاقات الاقتصادية العالمية للمملكة. وفي الوقت ذاته، تؤكد هذه المشاريع أن النجاح الاقتصادي للمرأة مرتبط بقدرتها على تكييف المبادرات المحلية لتتناسب مع الأسواق الخارجية، وتوظيف التكنولوجيا والمعرفة لتحقيق تأثير واسع ومستدام.
وفي سياق أعمق، يمكن القول إن هذه التجارب تمثل حلقة وصل بين الطموح الوطني والتحول العالمي، حيث تلعب المرأة دورًا مزدوجًا: تطوير الاقتصاد المحلي، ورفع اسم المملكة على الخارطة الاقتصادية الدولية. وهي بذلك تثبت أن تمكين المرأة لا يقتصر على العدالة الاجتماعية أو المساواة، بل هو استراتيجية وطنية متكاملة لتحقيق اقتصاد متنوع ومستدام، يضمن للمملكة أن تكون لاعبًا مؤثرًا في الأسواق العالمية على المدى الطويل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.