اداء ضعيف للدولار    المملكة تعيد تعريف التنافسية غير النفطية    تحويل الفشل إلى نقطة انطلاق    هل ستقفز من الهاوية؟    ما بين الواقع والطموح.. اللاعب السعودي أمام منعطف حاسم    تجارب تشغيلية لمتطوعي كأس آسيا تحت 23 عامًا «2026 السعودية»    المحاكم من عامة إلى متخصصة    قوة تُغيّر الواقع دون ضجيج    الملد.. قريةٌ تعلو الصخر    مبدعون ودعتهم الأوساط الثقافية عام 2025    الإكثار من الماتشا خطر صحي يهدد الفتيات    هل تستطيع العقوبات تغيير مسار الصراع؟    المملكة توزّع (178) سلة غذائية في مدينة طالقان بأفغانستان    ترامب: أتناول جرعة أسبرين أكبر مما يوصي بها الأطباء    بلغاريا تنضم رسمياً لمنطقة اليورو وتلغي عملتها الوطنية «الليف»    ينبع تشهد مؤتمر "الجيل السعودي القادم" في عامه الثاني ضمن فعاليات رالي داكار السعودية 2026    البرازيل: المحكمة العليا تأمر بإعادة بولسونارو للسجن بعد خروجه من المستشفى    "هيكساجون" أكبر مركز بيانات حكومي في العالم في الرياض    إحباط تهريب (85,500) قرص خاضع لتنظيم التداول الطبي في عسير    أمير الشرقية يدشّن محطتي تحلية المياه ومنصة «خير الشرقية»    متطوعو كأس آسيا تحت 23 عامًا "2026 السعودية" يخضعون لتجارب تشغيلية في ملاعب البطولة    رئيس مجلس إدارة نادي الإبل يزور معرض إمارة منطقة الرياض المشارك بمهرجان الملك عبدالعزيز للإبل العاشر    الهلال يدرس التعاقد مع لاعب انتر ميلان    محافظ الطائف يدشّن مسابقة بالقرآن نسمو 2 دعمًا لحفظ كتاب الله وترسيخ القيم القرآنيه    نائب أمير الشرقية يطلع على مبادرة "مساجدنا عامرة" و يطلع على أعمال جمعية "إنجاب"    فريق طبي ب"مركزي القطيف" يحقق إنجازا طبيا نوعيا بإجراء أول عملية استبدال مفصل    بنك فيجن يعزز حضوره في السوق السعودي بالتركيز على العميل    الأطفال يعيدون رواية تراث جازان… حضورٌ حيّ يربط الماضي بجيل جديد في مهرجان 2026    المغرب تجدد دعمها للحفاظ على استقرار اليمن ووحدة أراضيه    السعودية وتشاد توقعان برنامجا تنفيذيا لتعزيز التعاون الإسلامي ونشر الوسطية    نزاهة تحقق مع 466 مشتبها به في قضايا فساد من 4 وزارات    حرس الحدود يشارك في التمرين التعبوي المشترك «وطن 95»    إرشادات أساسية لحماية الأجهزة الرقمية    أمير القصيم يزور معرض رئاسة أمن الدولة    «عالم هولندي» يحذر سكان 3 مدن من الزلازل    تلويح بالحوار.. وتحذير من زعزعة الاستقرار.. الاحتجاجات تتسع في إيران    تخطى الخلود بثلاثية.. الهلال يزاحم النصر على صدارة «روشن»    ولي العهد ورئيس وزراء باكستان يناقشان تطورات الأحداث    ارتفاع السوق    34.5 % نمو الاستثمار الأجنبي في المملكة    في 26 أولمبياد ومسابقة آيسف العالمية.. 129 جائزة دولية حصدها موهوبو السعودية    علي الحجار يقدم «100 سنة غنا» غداً الجمعة    "التعاون الإسلامي" تجدد دعمها للشرعية اليمنية ولأمن المنطقة واستقرارها    أكد أن مواقفها ثابتة ومسؤولة.. وزير الإعلام اليمني: السعودية تحمي أمن المنطقة    طالب إسرائيل بالتراجع عن تقييد عمل المنظمات.. الاتحاد الأوروبي يحذر من شلل إنساني في غزة    زوّجوه يعقل    أطول كسوف شمسي في أغسطس 2027    مسابقة أكل البطيخ تودي بحياة برازيلي    عملية لإطالة عظم الفخذ لطفل    إجماع دولي على خفض التصعيد ودعم الحكومة اليمنية    أول عملية لاستبدال مفصل الركبة باستخدام تقنية الروبوت    نائب أمير تبوك يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة جمعية طفلي الطبية بالمنطقة    تكليف عايض بن عرار أبو الراس وكيلاً لشيخ شمل السادة الخلاوية بمنطقة جازان    جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تنظّم حفل اعتماد الدفعة الأولى من الاعتماد البرامجي    «وطن 95».. تعزيز جاهزية القطاعات الأمنية    فلما اشتد ساعده رماني    باحثون يطورون نموذجاً للتنبؤ بشيخوخة الأعضاء    خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد يعزيان أسرة الخريصي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اقتصاد مرن ومتوازن
نشر في الرياض يوم 02 - 01 - 2026


المرأة شريك استراتيجي في تنويع الصادرات
في ظل التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة العربية السعودية، لم تعد الصادرات غير النفطية خيارًا تكميليًا، بل أصبحت مسارًا استراتيجيًا راسخًا يعكس نضج الرؤية الاقتصادية وتحوّلها من الاعتماد الأحادي إلى تنويع مستدام يعزز حضور المملكة في الأسواق العالمية. ومع تسارع المتغيرات الاقتصادية الدولية، برزت الصادرات غير النفطية كأحد أهم أدوات بناء اقتصاد متوازن، قادر على المنافسة، ومرن أمام تقلبات الأسواق وأسعار الطاقة.
وقد شكلت رؤية السعودية 2030 نقطة تحوّل مفصلية في إعادة صياغة مفهوم الصادرات، حيث انتقلت المملكة من دور المصدّر التقليدي للمواد الخام إلى لاعب اقتصادي يسعى لتصدير القيمة المضافة، والمنتج الصناعي، والابتكار المحلي، والمعرفة الوطنية. وفي هذا السياق، لم تعد الصادرات غير النفطية محصورة في قطاع بعينه، بل امتدت لتشمل قطاعات الصناعة، والتعدين، والبتروكيماويات التحويلية، والمنتجات الغذائية، والتقنيات الحديثة، والخدمات اللوجستية، بما يعكس تنوع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد السعودي.
وتأتي أهمية الصادرات غير النفطية بوصفها مؤشرًا مباشرًا على تنافسية الاقتصاد الوطني، وقدرته على النفاذ إلى الأسواق الإقليمية والدولية، وبناء شراكات تجارية مستدامة تقوم على الجودة والمعايير العالمية. كما تمثل هذه الصادرات رافدًا أساسيًا لدعم الميزان التجاري، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، وخلق فرص وظيفية نوعية تسهم في تمكين الكفاءات الوطنية وتحفيز القطاع الخاص على الابتكار والتوسع.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الاقتصادات العالمية إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل المخاطر، تواصل المملكة ترسيخ موقعها كقوة اقتصادية صاعدة، عبر سياسات داعمة للتصدير، وتطوير البنية التحتية اللوجستية، وتحفيز المحتوى المحلي، وفتح أسواق جديدة أمام المنتج السعودي. وهو ما يجعل الصادرات غير النفطية ليس مجرد أرقام في تقارير اقتصادية، بل عنوانًا لمرحلة جديدة من الطموح الوطني، تعكس قدرة المملكة على تحويل الرؤية إلى واقع، والموارد إلى فرص، والتحديات إلى منجزات ملموسة على خارطة الاقتصاد العالمي.
رائدات الأعمال.. قوة صاعدة
في السنوات الأخيرة، وبالتوازي مع التحوّلات الاقتصادية العميقة التي تشهدها المملكة العربية السعودية، أخذت رائدات الأعمال يلعبن دورًا متناميًا في تعزيز الصادرات غير النفطية كجزء لا يتجزأ من استراتيجية تنويع الاقتصاد الوطني وتنمية القدرة التنافسية للمملكة عالميًا. فقد شكّلت رؤية السعودية 2030 إطارًا واضحًا لتمكين المرأة في الاقتصاد، ليس فقط كمشاركة في سوق العمل، بل كقوة دافعة للابتكار والتصدير والريادة في قطاعات متعددة، بما يتماشى مع أهداف المملكة في خلق مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ومستدام.
على مدى العقد الماضي، ارتفعت نسبة مشاركة المرأة في الاقتصاد السعودي بشكل لافت، حيث تجاوزت نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل أهداف رؤية 2030 نفسها، ووصلت إلى مستويات مرتفعة مقارنة بالماضي، مع زيادة ملحوظة في عدد رائدات الأعمال السعوديات اللواتي أسّسن مشاريعهن الخاصة وسجّلن أنفسهن كمالكات أعمال في مجالات مختلفة. وقد أدّت هذه الزيادة في دور المرأة الريادي إلى خلق بيئة أكبر لنمو الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تقودها نساء، وهي شركات أصبحت جزءًا مهمًا من منظومة النشاط الاقتصادي غير النفطي.
إن الصادرات غير النفطية للمملكة تشهد أداءً تاريخيًا متسارعًا، فقد سجّلت في عام 2024 مستوى تاريخيًا جديدًا بنحو 515 مليار ريال، مما يعكس نجاح السياسات الوطنية في تنويع الاقتصاد، ودفع القطاعات غير النفطية نحو مزيد من التوسع المحلي والعالمي. ويرجع هذا النمو الملحوظ إلى انتعاش القطاعات الصناعية والخدمات وإعادة التصدير، وهو نمو يعكس تنافسية المنتجات السعودية في الأسواق الدولية.
داخل هذا السياق الوطني المتسارع، برزت العديد من رائدات الأعمال السعوديات اللواتي لم يحقّقن فقط إنجازات محلية، بل تجاوزن الحدود الوطنية إلى الأسواق الخارجية، مقدِّمات منتجًا سعوديًا ذا قيمة مضافة قادرة على المنافسة عالميًا. ففي قطاعات مثل التجارة الإلكترونية، الأغذية، المنتجات الحرفية، المنتجات الصحية والجمالية، والتقنيات الصغيرة، استطاعت الشركات النسائية أن تُدخل منتجاتها إلى أسواق جديدة، وتبني علاقات تجارية مع شركاء دوليين. وقد أسهم ذلك في إحداث تأثير ملموس في هيكلة الصادرات غير النفطية، إذ لم تعد تقتصر على الشركات الكبرى فقط، بل تشكل الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تقودها نساء جزءًا لا يستهان به من المشهد التصديري.
إن تمكين المرأة ليس مجرد شعار حكومي، بل تُترجمه بيانات واقعية على الأرض، فقد أصبحت النساء في السعودية يملكن قرابة نصف مليون سجل تجاري خاص بهنّ، ويشغلن مناصب قيادية في قطاعات الأعمال، مع ازدياد واضح في مشاركتهن في القيادة والإدارة، مما يعزّز قدرتهن على اتخاذ القرار والمساهمة في تجويد المنتجات الوطنية ودفعها نحو الأسواق العالمية.
ومن العناصر الداعمة لهذا التحوّل، برامج التمكين التي أطلقتها الجهات الحكومية، والتي صُمّمت خصيصًا لتزويد رائدات الأعمال بالأدوات والمعرفة اللازمة لتأسيس وتوسيع أعمالهن. تشمل هذه المبادرات التدريب، الإرشاد، الوصول إلى التمويل، وتسهيل الربط مع الأسواق الداخلية والخارجية، ما عزّز من فرص الشركات النسائية في النفاذ إلى شبكات تصديرية فعّالة. كما أن بيئة الأعمال السعودية أصبحت تُشجّع على تأسيس الشركات ونموها بشكل أسرع وأسهل، مما ساهم في ارتفاع عدد المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تقودها المرأة بشكل لافت.
ولا يمكن الحديث عن دور رائدات الأعمال في الصادرات غير النفطية دون الإشارة إلى تأثيرهن على الثقافة الاقتصادية نفسها. فهذه الرياديات لا يقدّمن منتجات فقط، بل يساهمن في خلق رواية جديدة لمنتج سعودي يحمل هوية وطنية وقيمة مبتكرة، ما يسهم في تغيير النظرة عن الاقتصاد السعودي كاقتصاد معتمد فقط على النفط، ويضعه في موقع المنافسة على الساحة العالمية. إن هذه الشركات تعزّز من انتشار المنتج السعودي في الأسواق المتقدمة والأسواق الناشئة على حدّ سواء، وتُظهر قدرة المملكة على تقديم سلع وخدمات ذات جودة عالية ومتطلبة للمعايير الدولية.
وبينما تستمر المملكة في تعزيز نمو الصادرات غير النفطية، يظل وجود رائدات الأعمال عنصرًا مهمًا في هذه المعادلة، ليس فقط كمشارك اقتصادي، بل كعنصر تغيير يستند إلى رؤية وطنية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقيم الابتكار، التنافسية، وتمكين الإنسان. إن الاستثمار في قدرات المرأة السعودية وفي توفير بيئة أعمال داعمة لها لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان استمرار النمو غير النفطي، وتعزيز مكانة المملكة في الأسواق العالمية في السنوات القادمة.
المرأة في قلب التحول الاقتصادي
في السنوات الأخيرة، شهدت المملكة العربية السعودية بروز نماذج نسائية قوية في ريادة الأعمال ساهمت بفعالية في التوسع نحو الأسواق الدولية ودعم الاقتصاد غير النفطي، مما يعكس التحوّل العميق في دور المرأة داخل منظومة الأعمال الوطنية وقدرتها على المنافسة العالمية. هذا التحوّل لا يأتي من فراغ، بل هو نتيجة ثمار رؤية السعودية 2030 التي وضعت تمكين المرأة وريادة الأعمال ضمن أولوياتها الاستراتيجية، وأتاح لها بيئة خصبة للنمو والابتكار على المستويين المحلي والدولي.
من بين النماذج البارزة في المشهد الريادي السعودي، تبرز منيرة جمجوم التي أسّست منصّة Aanaab المتخصّصة في تطوير المهارات المهنية عبر الإنترنت للمدرّسين والمدارس والحكومات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لم تكتف الشركة بتقديم خدمات تعليمية محليًا، بل توسعت بسرعة، مسجلة مشاركة أكثر من 200,000 معلّم في برامجها التدريبية، ما يجعل نموذجها مثالًا على قدرة المشاريع النسائية السعودية على خلق أثر اقتصادي وتعليمي يتجاوز حدود المملكة ويصل إلى أسواق إقليمية متعددة.
وفي قطاع الاقتصاد التشاركي والسياحي، برزت لطيفة التميمي بوصفها إحدى رائدات الأعمال السعوديات اللواتي قدن تجارب ناجحة في القطاعات غير النفطية، من خلال تأسيسها لمنصّة Gathern (جاذر إن)، إحدى أبرز منصّات الإقامة البديلة في المملكة. فمنذ انطلاقتها عام 2017، أسهمت المنصّة في إعادة تشكيل مفهوم السكن السياحي عبر توفير خيارات إقامة متنوعة تشمل الشقق والفلل والمخيمات، بما يواكب التحولات المتسارعة في قطاع السياحة المحلي. وقد نجحت Gathern في استقطاب مستخدمين من جنسيات متعددة، ما يعكس اتساع نطاق خدماتها وقدرتها على الوصول إلى شرائح خارج السوق السعودي. ويُعد هذا النمو مثالًا واضحًا على مساهمة المشاريع التي تقودها النساء في دعم السياحة غير النفطية، وتعزيز حضور النماذج السعودية المبتكرة في مجال الاقتصاد التشاركي، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تنويع الاقتصاد الوطني.
كذلك، تمثّل الشركات التي تقودها النساء في مجالات التقنية والتقنيات المتقدمة نموذجًا متصاعدًا للتوسع نحو الأسواق الدولية. ومع تنامي حضور المرأة في قطاع التكنولوجيا، تشير المؤشرات إلى ارتفاع مشاركتها في تأسيس الشركات الناشئة، خصوصًا في مجالات نوعية مثل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة. وقد نجحت بعض هذه المشاريع في استقطاب التمويل وتوسيع نطاق أعمالها ضمن منظومات تقنية تنافسية، ما يعكس قدرة رائدات الأعمال السعوديات على اقتحام قطاعات ذات قيمة مضافة عالية، والمساهمة في بناء اقتصاد غير نفطي قائم على المعرفة والابتكار، وقادر على المنافسة عالميًا.
وتعكس هذه النماذج وجهًا مهمًا من التحوّل الاقتصادي في السعودية: المرأة السعودية لم تعد مجرد جزء من القوى العاملة، بل أصبحت شريكًا فاعلًا في خلق القيمة وتوسيع أسواق المنتجات والخدمات السعودية عالميًا. وتعمل برامج الدولة، من حاضنات أعمال ومسرّعات تدريبية ومبادرات تمويل، على دعم هذه المشاريع وتسهيل نفاذها إلى الأسواق الدولية، ما يعزّز دورها في رفع إسهام الصادرات غير النفطية في اقتصاد المملكة.
وهكذا، ترتسم صورة جديدة لصادرات السعودية غير النفطية، لا تقوم فقط على الموارد والقطاعات التقليدية، بل تمتد إلى مشروعات ريادية تقودها نساء يعملن على وضع العلامة السعودية في الخارطة الدولية سواء عبر التكنولوجيا، التعليم، السياحة، الإبداع، أو التجارة الإلكترونية، مساهمات تُسهم في تنويع الاقتصاد الوطني وتقليل الاعتماد على النفط، وتفتح آفاقًا أوسع للمنتج السعودي في الأسواق العالمية.
اللحظة الحاضرة والفرصة الذهبية:
بيئة داعمة للريادة النسائية
إن النجاح اللافت لرائدات الأعمال السعوديات في السنوات الأخيرة لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج تضافر عدة عوامل شكلت بيئة ممكنة ومتسارعة للريادة النسائية في الوقت الراهن. فالمرحلة الحالية تحمل خصوصية تجعلها مثالية لتحقيق مثل هذا التوسع الدولي والمنافسة في القطاعات غير النفطية، إذ تتداخل عناصر التمكين التشريعي، والتحول الرقمي، والفرص السوقية العالمية، لتخلق أرضية خصبة يمكن للمرأة أن تزدهر عليها اقتصادياً ومؤسسيًا.
أولًا، يمثل سهولة تأسيس الأعمال عاملًا حاسمًا، إذ عملت الحكومة السعودية على تبسيط الإجراءات وتوفير منصات رقمية متكاملة لتسجيل الشركات، والحصول على التراخيص، وإتمام المعاملات التجارية، مما خفّض الحواجز أمام النساء الراغبات في إطلاق مشاريعهن، وأتاح لهن الانخراط في السوق بسرعة وفعالية. بالإضافة إلى ذلك، ساعدت التشريعات الداعمة للمرأة في تعزيز حقوقها الاقتصادية، وتسهيل وصولها إلى التمويل، ومنحها القدرة على إدارة شركاتها بحرية، وهو ما يضعها في موقع متقدم بالمقارنة مع فترات سابقة كانت فيها المشاركة النسائية محدودة بصرامة العادات والإجراءات الرسمية.
وثانيًا، لعب التحول الرقمي دورًا محوريًا في تمكين الريادة النسائية، فتوفر البنية التحتية الرقمية المتقدمة في المملكة، بما في ذلك منصات الدفع الإلكتروني، والحوسبة السحابية، والتجارة الإلكترونية، سمح للمشاريع الناشئة بقيادة النساء ليس فقط بالعمل داخل الحدود الوطنية، بل أيضًا الوصول إلى الأسواق الإقليمية والدولية بسرعة وبتكاليف أقل، ما فتح آفاقًا واسعة لتصدير الخدمات والمنتجات السعودية.
كما أن الربط مع الأسواق العالمية عبر اتفاقيات التجارة الحرة، والمبادرات الدولية للاستثمار، وبرامج الابتكار وريادة الأعمال، خلق شبكة دعم واسعة تساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة، خاصة التي تقودها نساء، على تصدير منتجاتها وخدماتها، والوصول إلى شرائح مستهلكين خارجية، وبناء شراكات استراتيجية مع مؤسسات عالمية.
من المهم أيضًا النظر إلى هذا الإنجاز ضمن منظومة الدولة ككل، لا كفاعل فردي، فنجاح رائدات الأعمال السعوديات هو نتيجة تضافر جهود متعددة: الحكومة، والقطاع الخاص، والحاضنات، والبرامج التدريبية، والبنية التحتية الرقمية، إلى جانب التشجيع الاجتماعي والثقافي، جميعها تعمل في تزامن لتشكيل بيئة مواتية للنمو الاقتصادي والابتكار. هذا التكامل بين المؤسسات والسياسات والفرص الرقمية جعل الوقت الحالي استثنائيًا للمرأة السعودية، وحوّل التحديات السابقة إلى منصة قوية تدعم التوسع المحلي والدولي في آن واحد.
وهكذا، يتضح أن التوقيت الحالي ليس صدفة، بل ثمرة رؤية استراتيجية متكاملة، حيث تلتقي التسهيلات القانونية، والتحول الرقمي، والفرص العالمية، مع طموح المرأة السعودية، لتصنع نموذجًا جديدًا لريادة الأعمال قادرًا على المنافسة والمساهمة في اقتصاد متنوع ومستدام.
لم يعد حضور المرأة السعودية في مشهد الصادرات غير النفطية وريادة الأعمال مجرد إضافة رقمية أو حالة استثنائية، بل تحوّل إلى مسار ثابت يعكس نضج التجربة الاقتصادية للمملكة واتساع آفاقها. فالنماذج النسائية التي برزت في مجالات التعليم الرقمي، والسياحة، والاقتصاد التشاركي، والتقنيات المتقدمة، تؤكد أن تمكين المرأة لم يكن هدفًا اجتماعيًا فحسب، بل خيارًا اقتصاديًا استراتيجيًا أسهم في بناء قطاعات جديدة قادرة على المنافسة إقليميًا وعالميًا.
ومع ما وفرته رؤية السعودية 2030 من بيئة تشريعية محفّزة، وبرامج دعم وتمويل، وحاضنات ومسرّعات أعمال، أصبحت المشاريع التي تقودها النساء جزءًا فاعلًا من منظومة التصدير غير النفطي، سواء عبر تصدير الخدمات، أو المعرفة، أو النماذج الرقمية المبتكرة. وهو ما يعكس تحوّل الاقتصاد السعودي من الاعتماد على الموارد التقليدية إلى اقتصاد متنوع يقوده الابتكار ورأس المال البشري.
وتكشف هذه التجارب أن المرأة السعودية لم تعد تكتفي بالمشاركة في السوق المحلي، بل باتت تخاطب العالم بثقة، وتقدّم نموذجًا تنافسيًا يحمل الهوية الوطنية ويواكب المعايير العالمية، مساهمةً في تعزيز صورة المملكة كشريك اقتصادي حديث ومنفتح. وبينما تتسارع خطوات التحول الاقتصادي، تواصل رائدات الأعمال السعوديات توسيع حضورهن في الأسواق الدولية، مؤكّدات أن الاستثمار في الإنسان، وتمكين المرأة، هو أحد أكثر المسارات استدامة في بناء اقتصاد غير نفطي قوي، قادر على النمو، والتجدد، وترك أثر طويل المدى يتجاوز الجغرافيا والزمن.
كما أن هذه الإنجازات تتجاوز الأرقام والإحصاءات لتصنع نمطًا ثقافيًا واقتصاديًا جديدًا، حيث أصبحت المرأة السعودية مرجعًا في الابتكار وريادة الأعمال، ونقطة جذب للمستثمرين المحليين والدوليين، مما يعزز شبكة العلاقات الاقتصادية العالمية للمملكة. وفي الوقت ذاته، تؤكد هذه المشاريع أن النجاح الاقتصادي للمرأة مرتبط بقدرتها على تكييف المبادرات المحلية لتتناسب مع الأسواق الخارجية، وتوظيف التكنولوجيا والمعرفة لتحقيق تأثير واسع ومستدام.
وفي سياق أعمق، يمكن القول إن هذه التجارب تمثل حلقة وصل بين الطموح الوطني والتحول العالمي، حيث تلعب المرأة دورًا مزدوجًا: تطوير الاقتصاد المحلي، ورفع اسم المملكة على الخارطة الاقتصادية الدولية. وهي بذلك تثبت أن تمكين المرأة لا يقتصر على العدالة الاجتماعية أو المساواة، بل هو استراتيجية وطنية متكاملة لتحقيق اقتصاد متنوع ومستدام، يضمن للمملكة أن تكون لاعبًا مؤثرًا في الأسواق العالمية على المدى الطويل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.